خطابات السيد حسن نصر الله، زعيم المقاومة الإسلامية في لبنان، تأتي دائما حافلة بالمعلومات والقراءة المتعمقة للأحداث الدائرة في المنطقة الشرق أوسطية والعالم بأسره، والخطاب الأخير الذي ألقاه مساء (الاثنين) في الاحتفال الذي أُقيم بمناسبة العيد السنوي لكشافة الامام المهدي لم يكن مختلفًا، بل وضع الكثير من النقاط على الحروف في تناوله لقضايا عدة على درجة كبيرة من الأهمية.

المحطات الأبرز التي توقف عندها في هذا الخطاب يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولًا: نفيه نفيا قاطعا ما ورد في صحيفة كويتيّة حول وجود خطة إسرائيلية تتضمن حملة اغتيالات تستهدفه وقيادات الصف الأوّل في حزب الله، وحرص على التأكيد بأنّها كانت “خطأً في المضمون وسوء في التوقيت”، ونفى احتمالات حدوث مواجهة وشيكة مع إسرائيل لأن الأخيرة غير جاهزة عسكريا لها، وأنّ قدرتها على الحسم بالسلاح الجوي مثلما كان الحال سابقا ذهب إلى غير رجعة.

الثانية: لجأ إلى طمأنة الرأي العام اللبناني باستبعاده شخصيا للحرب بسبب خوف إسرائيل من الردع الصاروخي لحزب الله، وقال “مازحًا” “إنّ وصول صاروخين بطريق الخطأ من قطاع غزة إلى تل أبيب، وثالث إلى شمالها أحدث حالة من الإرباك، فكيف سيكون الحال لو انطلقت آلاف الصواريخ دفعة واحدة”.

الثالثة: نفى حدوث أي صدامات عسكرية بين الحلفاء الروس والإيرانيين على الأرض السورية، وقال إنّ ما تبثه بعض القنوات التلفزيونية في هذا المضمار، و”العربية” خاصةً، هو مجرد “تمنيات”، وحذر من الحرب النفسية، وطالب بالتعاطي بالانتباه الشديد مع كل ما يذاع وينشر هذه الأيام لأنّ محور المقاومة مستهدف، ولكنه لم ينف وجود تباينات سياسية بين أطرافه على الأرض السورية حول بعض القضايا.

الرابعة: شن هجوما شرسا على السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، واتهمهما بالوقوف إلى جانب المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية التي ستبدأ أوائل الشهر المقبل، وتوقف عند تعهداتهما بتعويض أي نقص في أسواق النفط العالمية في حال غياب الصادرات الإيرانية، والتدخل في السودان وليبيا بالمال والسلاح.

الخامسة: تجنب السيد نصر الله الكشف عن طبيعة أي رد إيراني، أو من قبل “حزب الله”، على “تداعيات” المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية، وحصر كلامه في اتهام إدارة ترامب بتجاوز الأمم المتحدة والقانون الدولي وشن حرب تجويع لعدد كبير من شعوب العالم خاصةً في إيران وفنزويلا وسورية، واستغرب صمت العالم على هذا الاستكبار الأمريكي وشريعة الغاب التي يطبقها الرئيس دونالد ترامب، ووصف “إسرائيل” بأنّها أداة من أدوات العدو الأكبر، وهو أمريكا.

السادسة: إدانته للهجمات الإرهابية التي استهدفت كنائس سيريلانكا الأحد، وحذّر من مخطط لحرب دينية إسلامية مسيحية، واتهم السعودية بالوقوف خلف جماعات تكفيرية، وقال إنّ الهجمات الإرهابية الأخيرة التي تعرضت لها أمر متوقّع “فطباخ السُّم لا بد أن يذوقه”.

***

قرار الإدارة الإمريكيّة بإلغاء الإعفاءات من العُقوبات الأمريكيّة لثماني دول هي الصين والهند وتركيا واليونان واليابان وكوريا الشماليّة وإيطاليا وتايوان تُشكّل المُستورد الأكبر للنُفط الإيرانيّ هو “إعلان حرب”، لأنّ هذا يعني تجويع 80 مليون إنسان هم مجموع الشعب الإيراني، وتجنُّب السيّد نصر الله الحديث عن أيّ رد فعل لإيران لا يعني أنُ احتمالات الحرب ليست كبيرةً جدًّا، وأنّ كُل المِنطقة، وليس لبنان فقط، ستكون ميدانها، وكما نقلت وكالة “فارس” شِبه الرسميّة عن مصدر لم تُسمّه “سواء استمرّت الإعفاءات أو لم تستمر فإنُ صادرات النفط الإيرانيّة لن تصِل إلى الصّفر في أيّ حالٍ من الأحوال ما لم تُقرّر السّلطات الإيرانيّة وقفها وهذا غير وارد حاليًّا”.

السيّد نصر الله يحرص على استقرار جبهته الداخليّة اللبنانيّة وعدم حُدوث بلبلة فيها، خاصّةً في ظِل الأزمة الماليّة الخانِقة التي يعترف بها الجميع ويعتقد البعض أنّها ستقود لبنان إلى الإفلاس إذا لم يتم علاجها، ولكن مُعظم المُؤشّرات تُؤكّد أنُ احتمالات الحرب أكبر بكثير من احتمالات السّلام في ظِل هذا الاستِكبار الأمريكيّ الوحشيّ من وجهة نظرنا.

من حق ايران التي التزمت بالاتّفاق النوويّ وبُنوده، وتقِف على حافّة عُدوان أمريكيّ إسرائيليّ أن تُدافع عن نفسها، وعن صادِراتها النفطيّة، وتُوفّر حُكومتها العيش الكريم لشعبها، ويجِب أن يصطف العالم بأسره خلفها في مُواجهة أيّ عُدوان أمريكيُ قادم، فقطع الأرزاق من قطع الأعناق.

***

السيّد نصر الله، كزعيم وقائد، كان مُحِقًّا في الحالين، طمأنة اللبنانيين الذين يقفون على أبواب موسم سياحي وأزمة اقتصاديّة، وعدم استبعاد الحرب من قبل إسرائيل في الوقت نفسه التي وصفها بعدو طمّاع طبيعته الغدر والمكر وإقامة إسرائيل الكُبرى من النّيل إلى الفُرات، ولبنان من ضمنها، ونتُفق معه في أنّ كُل الاحتمالات واردة، ولا نتردّد في القول بأنّ هذا العدو الأمريكيّ الإسرائيليّ سيُواجه ردًّا قويًّا لم يحسب حسابه مُطلقًا، لأنّ محور المُقاومة يُدافع عن نفسه وكرامته وحريّة شعبه في مُواجهة حرب عدوانيّة فُرضت عليه، ولم يخترها.

الأيّام المُقبلة ستكون حافِلةً بالمُفاجآت، ولن تكون سارّةً لأمريكا وحُلفائها العرب والإسرائيليين، وربّما هذا ما تجنّب السيّد نصر الله قوله في هذا الخطاب كعادته في كُل خِطاباته السابقة، وله أسبابه الداخليّة التي نتفهّمها جيّدًا، نحن الذين سنظل نقِف في خندق المُقاومة حتّى الرّمق الأخير.

* عبد الباري عطوان -رأي اليوم