في مقالات سابقة دافعت عن الشيخ الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، امام الحملات الظالمة التي تعرض ويتعرض لها من قبل الجماعات السلفية في مصر، لاسيما بعد الزيارة التي قام بها الى ايران، لانني وجدت ان هناك تيارا وهابيا في مصر يعمل بكل ما اوتيه من امكانات مادية هائلة، على إحلال الوهابية محل الاسلام السني المعتدل المعروف عن مصر واهلها، ولكني في هذه المقاله سأخطاب شيخنا الكريم كريمة عاتبا على وضعه الشيعة والسلفية في خانة واحدة، كخطرين يهددان اعتدال مصر وازهرها.

قبل ايام اجرت صحيفة “راي اليوم” الالكترونية لقاء مع الشيخ الدكتور احمد كريمة، توقع فيه ان تقوى شوكة التيار السلفي حاضرا ومستقبلا في مصر، مذكّرا ب”خطيئة” السادات، حسب قوله، عندما استخدم “الجماعات الإسلامية” لضرب التيار الناصري والاشتراكي.
واضاف الشيخ كريمة في ذلك اللقاء: إن الفكر السلفي في عهد مبارك كان له وهج على حساب الأزهر، لدرجة أنه تم تخصيص نحو 10 قنوات للسلفيين بثّت افكارهم في مختلف أنحاء البلاد، مشيرا الى أن ما حدث في عهدي مبارك والسادات يتكرر الآن، الأمر الذي سيقوى من عضد السلفيين حاضرا ومستقبلا.
لا نختلف مع الدكتور كريمة فيما ذهب اليه، فكل الذي ذكره حقائق بات يعرفها حتى الانسان البسيط في مصر وخارجها، ولكن الذي استوقفني في كلام الشيخ كريمة، حديثه عن تراجع دور الازهر والذي تسبب بخسارة مصر الكثير، حيث قال ما نصه: “أصبحت هناك كيانات موازية ومحاذية للأزهر مثل الشيعة والسلفية، وتم تهميش الإصلاحيين والراسخين في العلم، وصارت الوسطية التي اشتهرت بها مصر في طريقها للتآكل”.
نرجو ان يسمح لنا الدكتور الفاضل كريمة ان نتساءل: هل من العدل وضع الشيعة والسلفية في خانة واحدة، عند الحديث عن الافكار الهدامة التي اخذت تنخر في مؤسسة عتيدة مثل الازهر الشريف، وسلبته القدرة على مواجهة العقائد الفاسدة والعبثية والضارة بأمن المجتمع والمواطن وبعلاقته بالاخر، والتي انعكست سلبا على الروح المصرية المتسامحة ازاء اتباع جميع المذاهب الاسلامية الاخرى؟.
هل من الانصاف وضع الشيعة والسلفية في مصر في خانة واحدة، بينما القاصي والداني يعرف حجم ومساحة الحرية التي يتحرك فيها السلفيون في مصر، فقد باتوا لا يعترفون الا بانفسهم بوصفهم يمثلون الاسلام الصحيح، اما الاخرون فاما مرتدين او كفارا او مشركين، بينما الشيعة في مصر، الذي يصفهم الدكتور كريمة ب”انهم كيان موازي للازهر”، يتعرضون لأبشع صنوف التمييز، ويخشون على انفسهم من القتل والتنكيل، فهم لا يجرؤون على اعلان عقيدتهم امام الاخرين، وكلنا يتذكر المجزرة الشنيعة التي ارتكبت قبل سنوات في القاهرة والتي ذهب ضحيتها الشيخ حسن شحاته وعدد من اتباع اهل البيت على يد التكفيريين من السلفية، بينما كانوا مجتمعين في بيت صغير يحتفلون بذكری ولادة الامام المهدي المنتظر (عليه السلام)؟.
هل من العدل والانصاف وضع الشيعة والسلفية الوهابية في خانة واحدة في مصر، بينما بعض كبار علماء الازهر اليوم يحذرون ليل نهار من خطر الشيعة على المجتمع المصري، ويعقدون من اجل ذلك المؤتمرات والندوات ويؤلفون الكتب، وكأن الشيعة ليسوا من المسلمين، بينما السلفية تلعب وترتع في مرابع مصر دون حسيب او رقيب، فلديها الاموال القادمة من كل حدب وصوب ولديها الجوامع والمساجد والمراكز والمعاهد والمطابع والفضائيات والدعاة، ينفثون افكارهم على مدار الساعة في عقول شباب مصر، دون ان يتعرضهم احد؟.
امن العدل والانصاف وضع الشيعة والسلفية الوهابية في خانة واحدة، بينما الجامعات والمعاهد السلفية مفتوحة على مصرعيها امام شباب مصر وعلمائها، الذين يتوافدون الى هناك على نفقة السلطات السعودية، دون قيد او شرط، بينما لا يحق لاي مصري ان يزور ايران او العراق، حتى لمجرد الزيارة، حتى لو كان قمة شامخة من قمم اعلام الازهر الشريف كالشيخ كريمة نفسه، وكلنا يتذكر كيف تعامل الازهر مع الشيخ كريمة عندما زار ايران، وتقام الدنيا ولا تقعد لو تم العثور على كُتيب صغير عن الشيعة في مصر؟.
امن العدل والانصاف وضع الشيعة والسلفية في خانة واحدة، بينما الجميع يعرف وفي مقدمتهم شيخنا الفاضل كريمة، وهو العلم الشامخ والاستاذ الفطحل في المذاهب الاسلامية، مدى خطورة السلفية على المجتمعات التي نُكبت بها، فعبثية هذه العقيدة وصلت حتى الى قلب اوروبا، فهي قائمة على الغاء الاخر وتدميره بكل الوسائل، في المقابل نتحدى كل منصف ان يذكر لنا حالة واحدة تؤكد ان الشيعة كانت خطرا على اي مجتمع من المجتمعات الاسلامية، كما نتحدى ان يأتي لنا شخص ما بصورة التقطتها عدسة كاميرا، مهما كانت جنسية حاملها وانى كان، لمسلم شيعي يذبح مسلما اخر، او يفجر نفسه بين مسلمين مهما اختلف معهم في المذهب؟.
رغم ان هناك العديد من الادلة الاخرى التي يمكن ان نذكرها، تؤكد حجم الظلم الذي ينزل على اتباع اهل البيت (عليهم السلام) لو وضعناهم في خانة واحدة مع السلفية ومنها الموقف من “اسرائيل”، الغاصبة لاقدس مقدسات المسلمين، ومن اطماع الدول الكبرى بخيرات وثروات المسلمين، ومن وحدة المسلمين، وعندها سيطول الكلام اكثر مما يجب.
رغم كل الذي قلته، اعتقد، وهذا رأيي الشخصي، ان الاستاذ كريمة قد يكون وضع الشيعة والسلفية في خانة واحدة مضطرا، لابعاد شبهة محاباة الشيعة عن نفسه، فهي شبهة اتُهم بها شيخنا الجليل من قبل، والا فالدكتور كريمة اعرف من غيره، ان الشيعة لم ولن يكونوا في يوم من الايام يشكلون خطرا على اي مجتمع من المجتمعات، بل على العكس تماما كانوا ومازالوا من اكبر عناصر القوة في هذه المجتمعات.
اخيرا ننقل ما كلام شيخنا الجليل كريمة في ختام لقائه مع صحيفة “راي اليوم” حيث قال: “من باب الغيرة على الأزهر، دعني أتساءل: لماذا لا يمارس الأزهر دوره في الذود عن حرمات الإفتاء وجلال الدعوة ومصداقية الإعلام الإسلامي؟ فهذا الثالوث ينخر الآن في بنيان التشريع الإسلامي… للإسلام رب يحميه”، وهو كلام يؤيد ما قلناه سابقا، من ان الازهر بحاجة الى ان يتخذ موقفا واضحة وصارما لمواجهة السلفية التي تسعى لابتلاعه.