يحاول هذا المقال تسليط الضوء علی الأخبار والمعلومات الموثقة والمثبتة، واجتناب کل ما هو تصور وحدس وتخمين حول ما إذا كان الإمام موسى الصدر حياً.

 يحاول هذا المقال تسليط الضوء علی الأخبار والمعلومات الموثقة والمثبتة، واجتناب کل ما هو تصور وحدس وتخمين حول ما إذا كان الإمام موسى الصدر حياً.

بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام موسی الصدر الغائب الحاضر

هل الاعتقاد بوجود الإمام موسی الصدر علی قيد الحياة، هو وليد العاطفة والمشاعر،‌ أم أنه نتيجة تفكير عقلاني؟
ولو استطعنا العثور علی جواب كبرهان لهذا السؤال، والتوصل إلی استنتاج صائب مستوحی من جهود مشترکة وتبادل آراء منطقية، سوف تتضح مسؤوليتنا تجاه مبدأ‌ ملاحقة قضية تغييب الإمام موسی الصدر.
يحاول هذا المقال تسليط الضوء علی الأخبار والمعلومات الموثقة والمثبتة، واجتناب کل ما هو تصور وحدس وتخمين.
في البدء نحاول الوقوف عند الثوابت والحقائق الدامغة والمؤکدة:
أولًا- زيارة الإمام موسی الصدر وأخويه (الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين) إلی ليبيا أمر مفروغ منه. فقد وصل الإمام الصدر إلی طرابلس الغرب في الثالث من شهريور 1357 شمسي (الموافق 25 آب/ أغسطس 1978) علی متن الخطوط الجوية اللبنانية، تلبيةً لدعوة رسمية وجهتها إليه السلطات الليبية.
ثانيًا- الحقيقة المؤکدة والتي لا يمکن التشكيك بها أن الإمام موسی الصدر وأخويه حلّوا ضيوفًا رسميين علی دولة عضو في الأمم المتحدة، وتعترف بالقوانين والمواثيق الدولية وتلتزم بها.
ثالثًا- الحقيقة الأخری غير القابلة للطعن هي أن مزاعم حکومة القذافي بأن الإمام موسی الصدر غادر ليبيا في‌ التاسع من شهريور 1357 شمسي ( 31 آب 1978)، في الرحلة رقم 881 علی متن طائرة أليطاليا، لا أساس لها من الصحة وکذب محض. والحقيقة هي أن الامام الصدر وأخويه لم يغادروا ليبيا، وفقًا للبيان الرسمي الذي أصدره الادعاء العام الإيطالي بتاريخ 29/2/1358 شمسي ( 19 ایار 1979)، وأنهم لم يصلوا روما في التاريخ والرحلة اللذين تزعمهما السلطات الليبية. وهذا ما أثبته القضاء الإيطالي في تموز 2015 عندما كرر نفيه للمرة الثالثة وصول ودخول الإمام و رفیقیه إلی إیطالیا.
رابعًا- حقيقة أخرى مسلمٌ بها، بناء‌ علی التصريحات التي أدلی بها القذافي‌ عام 2002، والتصريحات التي‌ صدرت عن مسؤولين ليبيين بعد سقوط القذافي، هي‌ أن الإمام موسی الصدر کان قد تعرض إلی مضايقات في‌ ليبيا، وأنه لم يغادر ليبيا مطلقًا.
خامسًا- إن ما انکشف واتضح بعد سقوط القذافي هو أن أي من المعلومات المعلنة والخافية التي نُشِرت لا تدل علی أن سوءًا حصل للإمام موسی الصدر. والحديث هنا عن الوقائع المثبتة، وليس التحليلات والتفسيرات والتخمينات. وهناك إشارة لا بد منها أنه في الشؤون القانونية، خاصة فيما يتعلق بحياة إنسان، لا يمکن اعتماد التحليل والتصور والتخمين والاعتماد عليه؛ بل أن الدليل الوحيد للاستنتاج وإصدار الأحکام هو أن الأنباء والمعلومات المؤکدة التي يمکن الوثوق بها، يجب أن تکون عن طريق مصادر موثقة ومدعمة بالدليل والبرهان. فمن غير الممکن الحکم بوفاة شخص بناء‌ علی حدس وتخمين، ولا حتی المقارنة مع حالات مشابهة.

عائلة الإمام موسى الصدر تنفي العثور على الجسد

بعد سقوط القذافي نشرت حکومة الثورة الليبية لمرة واحدة فقط، خبرًا حول الإمام موسی الصدر، مفاده: أعلنت حکومة الثورة الليبية بأن أحد الأجساد الإثني عشر التي تم العثور عليها في منطقة تدعی (تاجورا)، يعود إلی الإمام موسی الصدر
غير أن عائلة الإمام الصدر، وبناء علی المعلومات والأنباء المتوفرة،‌ نفت صحة ذلک، لاقتناعها العميق بأن الإمام الصدر لا يزال علی قيد الحياة. وفي ضوء توافق بين الدولة اللبنانية والحکومة الليبية، أُخضِعتْ الشواهد التي تم العثور عليها إلی تحليل DNA في مختبر دولي مرموق لدی الدول الأوروبية، وقد اتضح بأن الجثة تعود لشخص آخر. وقبل ذلک وبعده وحتى الآن، لم يصدر أي‌ تصريح رسمي من أي من المسؤولين الليبيين، ولم تقدم حتی الآن أية مستندات ووثائق وشواهد بوسعها حتی مجرد الإيحاء باحتمال حدوث سوء للإمام موسی الصدر.
وينبغي لفت النظر إلى نقطة مهمة هي وأن کل الذين اعتقدوا طوال هذه الفترة برحيل الإمام موسی الصدر، لم يبنوا اعتقادهم علی أساس معلومات ووثائق ومستندات، وإنما بناء علی تحليلات شخصية وتصورات ذهنية. وعلی العکس من ذلک فإن الذين يؤمنون بأن الإمام الصدر لا يزال علی قيد الحياة، يستندون في قناعاتهم إلی المعلومات المتوافرة والمؤکدة. ويمکن القول أن کل الملابسات التي رافقت عملية المتابعة، كانت بسبب هذا الاستقطاب في التحليل والمعلومات.
ومن الضروري التذكير بأنه في مثل هذا الوضع الحساس لا يمکن إصدار الأحکام بناء‌ علی التحليل الشخصي والحدس والتخمين، دون الأخذ بالاعتبار المعلومات والوثائق والمستندات.
إن التحليل والحدس والتخمين جميعها لا تخلو من الأخطاء والتحريف. بيد أن الأخبار والأدلة والشواهد هي‌ کالمعادلة الرياضية، مرئية وعينية وثابتة. ولو أردنا دراسة قضية تغييب الإمام الصدر بصورة منطقية،‌ وبمحاکاة المعادلة الرياضية، وإصدار الأحکام بشأن مصير سماحته بعيدًا عن الحدس والتخمين، لا بد من تصور معادلة رياضية علی النحو الآتي،‌ استنادًا إلی حقائق وثوابت مكتسبة لا تتغير:‌
الطرف الأول من المعادلة: معلومات قطعية مؤکدة تشير إلی أن الإمام موسی الصدر توجّه إلى ليبيا، وکان ضيفًا علی السلطات الليبية،‌ وأن الدولة المضيفة هي المسؤولة عن المحافظة على حياته. وکان سماحته ملزمًا بمراعاة الضوابط والمراسم والبرامج التي تراها الدولة المضيفة، وأنه لم يغادر ليبيا حتى الآن، ولا يوجد أي دليل مؤکد يمکن الاستناد إليه حول مقتل سماحته أو وفاته.
الطرف الآخر من المعادلة: ما هي نتيجة وحصيلة المعلومات الآنفة الذکر؟
هل يمکن القول أن سماحته ليس علی قيد الحياة؟ هل ثمة احتمال منطقي وعقلاني وموضوعي آخر غير الاعتقاد بأن سماحته علی قيد الحياة؟ الجواب: کلا.
المعادلة أعلاه مجرد استنتاج منطقي. وبطبيعة الحال يمکن النظر إليها انطلاقًا من وجهات نظر أخری. غير أن المعايير الفقهية المعتمدة لإصدار أحکام حول حياة إنسان أو وفاته، في‌ غاية الصعوبة والتعقيد.
من الناحية الفقهية بالنسبة للحادث، طالما لم يتوفر دليل موثق ومنطقي بمتانة الدليل الأول (وصول الإمام موسی الصدر إلی ليبيا)، فإن أي حکم آخر غير الاعتقاد بوجوده علی قيد الحياة، لا قيمة له ويتعارض مع الشرع. لأن القبول بالوفاة تترتب عليه تبعات قانونية وشرعية،‌ وإن الذي يصدر الحکم والتابعين له هم مَن يتحملون وزر ذلک.
وبناء علی المعايير القانونية،‌ إن الشواهد المثبتة والموثوق بها هي وحدها التي‌ يمکن الاعتماد عليها، وتحظی بالاعتبار، وإن القاضي لا يستطيع أن يصدر الحکم بالوفاة بوحي‌ من الحدس والتخمين والقياس، وحرمان الشخص وعائلته من مواهب الحياة. وفضلاً عن الحکم بالوفاة، فإن ذلک يعني‌ الأخذ بالتصور والظن والتخمين، تجاهل عن الشواهد والأدلة الموثوقة والمسلّم بها.
ومما يذکر أن الحکم بعدم وجود الإمام موسی الصدر علی قيد الحياة،‌ يعني الاعتراف بجريمة الشخص الذي سلب منه الحياة. ولا شک أن المعايير القانونية تنظر إلی الحکم… دون تقديم الأدلة والشواهد المعتبرة، بمثابة حکمًا باطلًا وواهيًا.
وعلی الصعيد الاجتماعي والسياسي أيضًا، الذي يشکل جوهر وبنية واهتمام القانون بالتزامات المواطنة، أن أي تصور غير الاعتقاد بوجود الإمام موسی الصدر علی قيد الحياة، يعتبر إهمالًا لحقوق المواطنة،‌ وتخليًا عن تحمل مسؤولية الدفاع عن المواطن، وخطأ فاحشًا لا يمکن إصلاحه.
في ضوء کل ذلک، و مع الأخذ بالاعتبار الثوابت والمسلّمات والمعلومات المؤکدة،‌ أن أي تصور غير الاعتقاد بحياة الإمام موسی الصدر، لا أهمية له ومرفوض من الناحية العقلية والفقهية والقانونية والمنطقية على حد سواء.