ألقى الأستاذ حسن رحيم بور أزغدي محاضرة تحت عنوان العولمة المهدوية، وتطرق فيها إلى تأريخ الإنسان وصلته بالمهدوية والمنجي للعالم، والنظريات والتفاسير الواردة في هذا الشأن، ومطابقته مع المجتمع الذي يريد أن يؤسسه الإمام العصر (عج) في آخر الزمان.

 ألقى الأستاذ حسن رحيم بور أزغدي محاضرة تحت عنوان العولمة المهدوية، وتطرق فيها إلى تأريخ الإنسان وصلته بالمهدوية والمنجي للعالم، والنظريات والتفاسير الواردة في هذا الشأن، ومطابقته مع المجتمع الذي يريد أن يؤسسه الإمام العصر (عج) في آخر الزمان، وفيما يلي نقدم لكم نص المحاضرة:

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا نبي الرحمة أبي القاسم محمد (صلی الله علیه و آله).

العولمة المهدوية …. النظريات والتفاسير

هناك الكثير من التعابير الواردة عن الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، والمطوَّلة عن الأنبياء من الأزل وحتى خاتمهم محمد صلى الله عليه وآله.
تقسيم البحث:
أود هنا أن أُقسِّمَ المحاضرة إلى قسمين:
الأول أتحدثُ فيه حولَ نظريتين وتفسيرين لتأريخ الإنسان، ونرى أيُّهما أقربُ إلى المهدوية وأيُّهما أبعد ولماذا.
القسمُ الثاني يختصُ بالروايات المروية عنه، وسنُلاحظُ أيَّ مُجتمعٍ ينوي الإمامُ إيجادهُ في حكومته العالمية، وكيفَ ستكون العلاقات الإنسانية وحقوق الإنسان، ورُبما ستكون كلُّ روايةٍ بمثابة موضوعٍ يصلح لكتابة اطروحةٍ علمية.

النظرية الليبرالية

وتُعدّ هذه القضية من أكثر الأمور اجماعاً بينَ الأديان الإلهية، حيثُ وعدت جميعها بها، وذكرَ الجميعُ أنَّ العملَ لم يُنجز بعد وسيتمُّ على يد رجلٍ كبير، وقيلَ أنهُ أكبرُ التكاليف التاريخية التي ستُنفذُ على أكبر الرجال في التاريخ، ونرى هذه القضية واردةً في المذاهب التي نفت وجوبّ الرد، ورغم أنها لم تذكر اسماً لكنها أشارت إلى مثلِ هذا الأمر، لا بل تعدَّى ذلك إلى المذاهب الإلحادية مثل الماركسية والبوذية وبعض التيارات المسيحية التي تنتظرُ ظهورَ المسيح، كما تنتظر مع العديد من الفرق والمذاهب نهاية التاريخ.
قالوا إنَّ الإصلاحات التي جاءَ بها الإنسان وكذلكَ تاريخ البشر ليس له بداية ولا نهاية واضحة، ولا تحكمهُ أصولٌ محددة، وأعني هنا النظرية الليبرالية التي تطرح تنظيراتها منذُ خمسين أو ستين عاماً، وتُريدُ الإيحاءَ أن لا غاية من التاريخ وقد تحدثَ أخرُ مُفكريهم ويُدعى فوكاياما عن نهاية التاريخ، ولكنها النهاية القائمة على نهايتهم هم.

صفات الإمام عليه السلام

ومن التحيات التي ذَكَرَت للإمام الحجة المنتظر عجَّلَ الله تعالى فرجهُ الشريف: السلامُ على ربيع الأنام ونضرة الأيام. وقد روى من شاهدَ الإمام أنَّ له صفات بارزة ومميّزة وقد ذكرها الأئمة والصالحون ومن جملة ما ذكروا أنَّ لونَ بشرته يميل إلى الحنطي، وحواجبهُ هلاليةٌ ممدودة، وله عينان سوداوان كبيرتان وهو جذابٌ ونافذ، عريضُ المنكبين ذو أسنانٍ برَّاقةٍ وأنفٍ مُمْتد، وطلعةٍ بهيةٍ ووجهٍ مُشع ذو قالبٍ صخري، ذو وجهٍ يميلُ إلى الصُفرة من كثرة السهر، وعلى كتفه الأيمن خال، ذو يدين عضليتين، وذو شعرٍ طويل أرخى سدائله حتى أذُنيه، ومُحياهُ جميلٌ يغرقُ في هالةٍ من الحياء الذي هو من صفات العظماء، وهيئتهُ مليئةٌ بالحشمة والعظمة والقيادة، رؤيتهُ تقلبُ الإنسان، وصوتهُ جَهوَرْيٌّ كالبحر.

تاريخ الإنسان والمهدوية

فيما يخصُ القسمَ الأول فقد قالوا إنَّ الانتظار هوَ عمليةُ التضاد بين الواقع والحقيقة، فالواقع عبارة عن الأمور الموجودة، والحقيقة تعني الشيءَ غيرَ الموجود ولكن ينبغي أن يكونَ موجوداً، وهناكَ زاويتان للنظر في التفسير التاريخي للبشر، وهناك عملية المسيانيس أو المسيحية وانتظار المسيح، وهوَ يعني الدعوة للانتظار انتظارٌ لما هوَ موجود، واعتراضٌ على الوضع الموجودِ على سطح البشر والذي يترافقُ والوعدَ بالنصرة القاطعة للحق والعدل في نهاية التاريخ.
لقد عبَّروا عن ذلكَ الأساس باسم النظرة المستقبلية، أي أنهم يرونَ أن الأيديولوجية معطوفة على الغد وأنَّ كُلَّ الأنباء والحوادث ستكون في المستقبل وأنَّ العالم لم ينتهي بعد، وأنَّ على المحرومينَ ألّا يقنطوا، وأنَّ على مجاهدي طريق الحرية والعدالة والوعي ألَّا ييئسوا حتى ولو فَشلوا في نضالهم مرتين وثلاثاً وأربعَ من أجل تحقيق العدل، وعليهم النظر إلى المستقبل وأن يكونوا مرفوعي الرؤوس فإن قدَّموا الشهداء والخسائر وفشلوا في بعض الأزمنة عليهم أن يبقوا شامخين، إنَّ الأملَ بالمستقبل بعدَ غيابٍ استمرَّ طويلاً وينبغي انتظار الطلوع ليوم غدٍ، وتصوُّر طلوع الغد بابتهاج وليست هذه النظرية فكرةً لِإقبال الرأي العام مثلما يقول بعض البراغماتيين أنَّ الإمامَ المنتظر غير موجودٍ أصلاً، وإنَّ مُجردَ الإيمان به هوَ مُفيد، فالإمام حقيقة والإيمان به مفيدٌ، إذن فهو حقيقة مفيدة ومن لم يستطع دركَ هذه الحقيقة أو التصديقَ بها فهوَ من أنصار عالم الحس، ولم يكونوا على استعدادٍ لفتح نافذةٍ من عالم المادة إلى ما وراءَ العالم المادي والنافذة التي فتحها الأنبياء، وربما اعتبرَ هؤلاء أنَّ الإمام المنتظر يفتقرُ إلى الحقيقة وربما كانَ مُفيداً وحسب. لكنَّ في الواقعَ أنَّ قضية الإمام المنتظر ليست أسطورة وقصةُ الإمام حقيقةٌ مُفيدة وإنَّها خليطٌ من أمرين وهيَ خطٌّ للرؤية المستقبلية للإنسان ونظرةٌ إلى التاريخ الذي يتمُّ التعبيرُ عنه بالمسيانين في الغرب، وقد تمَّ وصفهُ بهذا التعبير وهذا المنهج التاريخي له ديناميةٌ محدَّدة حيثُ يقولُ إنَّ التاريخَ حيٌّ وفاعلٌ ومن جهةٍ فهوَ موجودٌ ذو شعورٍ يهدي التاريخ، ويرى أنَّ عاقبة الإنسان لن تجرَّهُ إلى الحضيض، وهيَ تأملُ خيرٍ في التاريخ وترى أنَّ شمسَ الحقيقة والعدالة ستسطع، وأنَّ الله لن يتركَ الإنسان مع الظالمينَ وحيداً.
وهناكَ منهاجٌ أخر يطرحه الفكر الليبرالي الرأسمالي من جهة الغرب، ويتمُّ ضخهُ إلى الأكاديميات والجامعات ويتمُّ التسويق له في العالم، وعندما أقولُ الغرب لا أعني الإنسانَ الغربي، فهناكَ مسيحيون يؤمنونَ بعودة المسيح، ورغمَ أنَّ كُلَّ المد الفكري ضدهم ورُغمَ أنهم أقليةٌ ولكنهم موجودونَ في الغرب، وفي الولايات المتحدة تحديداً ما زالوا يحتفظونَ بباطنهم الطيّب.

ظلم النظام الغربي لمواطنيهم

أذكرُ أنني ذاتَ مرةٍ شاهدتُ بإحدى بوابات الكنائس الكبيرة والقديمة في واشنطن، وكانت فتاة جامعية أمريكية تعزفُ على الناي وتبكي، وبعدَ جولةٍ في هذه الكنائس السبع المتداخلة في هذه المنطقة استمرت لساعتين خرجت وإذا بالفتاة تقفُ وهيَ تواصلُ العزفَ على الناي وتبكي فتقدمت إليها وسألتها عن سرِّ ما تفعلهُ فقالت: إنها نذرت أن تفعلَ ذلكَ صباحَ كُلِّ يوم أحد مادامت حيَّة حبَّاً بالموعود الذي سيأتي لإنقاذ العالم. فهناكَ أيقنتُ أنَّ كُلَّ المد الذي يواصلهُ الفكر الليبرالي على الروحانيات والإنسانية والعدالة في الولايات المتحدة لم تستطع التغلب على فتاةٍ مؤمنةٍ جامعيةٍ في وسط واشنطن.
فأغلب المواطنين في الغرب حتى الفاسدونَ منهم مظلومون، وإنَّ نظامَ السلطة الحاكم والذي يُسيَّرُ من قبلِ نواةٍ رأسماليةٍ يهوديّة هو الذي يتحكم برقاب الناس والمجتمع في الولايات المتحدة وسائر بلدان العالم، وهم الذينَ طلبوا إعادةَ فرز الأصوات، وأعلنوا أنَّ تزويراً شابَ الانتخابات في الفترة الثانية من رئاسة بوش الابن.
وقد صرفوا ثلاثةَ ملياراتِ دولارٍ لغسلِ أدمغةِ الرأي العام من أجلِ انتخاب شخصٍ من بين اثنين، وأخذوا هذه الأموال من الشركات الرأسمالية حيثُ يعيشُ الغربُ نظامَ عبيدٍ جديد.
إنَّ أكثرَ الأنظمة المحافظة تتركزُ في الولايات المتحدة حيثُ باتَ الفكرُ الليبراليُّ يُسيطرُ على الولايات المتحدة والعالم لما أصبحوا مُحافظين لأنَّهم يُريدونَ ابقاء الوضع الموجود كما هوَ، فيريد أولاً أن يسيطر على الناس والجامعيونَ في كُلِّ الدنيا ويقبلوا أنَّ الوضعَ الموجود والليبرالية والمصالح الرأسمالية العالمية والصهيونية هوَ الأفضلُ عالمياً، وأن يقبلَ الإنسان في الشرق أنَّ الوضع الموجود هو الأكثرُ عصريةً وهوَ أخرُ الخط التاريخي.

نهایة التاريخ والمجتمع الأميركي

قالَ فوبر في لقاءٍ مع صحيفة دير شبيغل: (إنَّ المدينة الفاضلة في كُلِّ التاريخ البشري هيَ المجتمع الأمريكي).
وعندما سألَ المُراسل أنَّ حادثةَ قتلٍ واحدة تقعُ كُلَّ ثماني ثوانٍ في هذا البلد، واعتداءً جنسياً في كلِّ تسع ثوانٍ، وهوَ أكبرُ مُجتمع مُصدّرٌ للمخدرات والسلاح الحربي والكيمياوي والنووي. أينَ هذا المجتمع من المدينة الفاضلة في كل التاريخ؟
فيردُّ فوبر بالقول: إنَّ أصلَ التفكير بالمدينة الفاضلة كذبةٌ كبيرة، ولا وجودَ للمدينة الفاضلة في نهاية التاريخ، أي لا ينبغي أن يكونَ كذلك. وأضافَ أنَّ هذا انحرافٌ فكريٌّ استولى على الذهن البشري وأنها أساطير ليست إلّا. وقالَ فوكوياما: إذا كانت للتاريخ نهايةٌ فإنهُ في المجتمع الحالي في الولايات المتحدة الأمريكية.
إنَّ هذا الفكر هو ما نُطلقُ عليها اسمَ الفكر المُحافظ أي الدفاع عن الوضع الموجود في العالم وعن هرم السلطة فيها وهوَ اليوم بيد الرأسمالية، حيثُ باتت كلُ شعوب العالم وشعوب الشرق وأفريقيا قاعدة الهرم والعالم عبيدٌ ينبغي أن يرفعوا قواعد الهرم إلى الأمام. كيفَ تمَّ توزيع الثروة في العالم اليوم؟ وكم هيَ نسبةُ الأثرياء فيه؟ وكم هي الثروة التي بحوزتهم؟ وما معنى هذه الأرقام وما معنى من يقول ينبغي أن يظلَّ العالم على ما هو عليه اليوم؟

المهدوية والعولمة والرأسمالية

رويَ أن الإمام المنتظر سيأتي لضرب الفواصل الطبقية في المجتمع البشري، وفي الروايات أنهُ لن يبقى جائعٌ في زمانهِ على وجه الأرض، وهذا يعني أنَّ المهدوية التي نُؤمنُ بها ويؤمن بها أتباعُ كلِّ المذاهب في العالم بالطبع ليسَ بمقدارِ ما يؤمن ُويصرح بها الشيعة، لقد تحدَّثَ الشيعة بشفافيةٍ كاملة حتى إنهم ذكروا اسمَ المنقذ وطريقةَ حُكمه وهوية الحكومة بكلِ وضوح، ولم نشهد مثلَ هذه التفاصيل في المذاهب الأخُرى. لو أنكم راجعتم أفكارَ ومُعتقدات الأوبا ديشيمية في الإنجيل وفي التوراة لوجدتم أدلة على ظهور المنجي في آخر الزمان، ولكن دونَ الشفافية التي تحدثَ بها الشيعة في مظهره العام وأقوالهِ وشعاراته وثورته وحاكميته.
إنَّ النظامَ الليبرالي الذي يُعارضُ وجودَ المدينة الفاضلة والأصولية الدينية والراديكالية الثورية وكل أنواع الأيديولوجيات وكل أنواع الأصولية حتى غير الدينية منها، والهدفُ من هذه النظرية منع حضور الفكرة لدى الإنسان خاصةً في الجامعات الشرقية، أي أن لا يكونَ مُتأملاً أو مُنتظراً. عجباً لهؤلاء. إذن فالرأسمالية المحاصرة ليست آخرَ الخط فينبغي أن يتبادرَ إلى ذهن الطلبة هذا التساؤل، هؤلاء يُريدونَ القول أن لا شيءَ أبعدَ مما هو موجود، وهذا عينُ العلم والعقلانية، إنهُ آخرُ الخط وهذه نهاية التاريخ، وهذه هي المحطة الأخيرة وعلى الركاب النزول من القطار، لكنهم لا يقولونَ ينبغي أن تعيشوا مثلنا في رفاهية مثل الناس، وفي الولايات المتحدة خصوصاً لا يقولونَ ذلك لأنَّ معنى العولمة سيتغير ويصبحُ توزيعاً عادلاً للثروة في العالم والاحترامَ المتبادل وهذا ما لا يُريدونهُ، بل إنَّهم يُريدونَ أن يكونَ العالم بأجمعه تابعاً لهم.
إنَّ الرأسماليين الحاكمين في الولايات المتحدة يُريدونَ قيادة العالم ويرونَ أنَّ على جميع البشر أن يكونوا قاعدةً لهم.
هؤلاء يُعارضونَ المهدوية، ولا يُعارضونَ الرأسمالية الأمريكية، وإن كانت العالمية والعولمة تعني إمارة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم من خلال مصالح الرأسمالية التي تحكم الولايات المتحدة والصهيونية وبريطانيا فإنَّ هؤلاء يوافقونَ على العولمة وينبغي لهذه العولمة أن تبتلعَ كافة الثقافات والأيديولوجيات المعارضة والمقاومة في الدنيا، وإذا قلنا لهم إننا نقبلُ بهذه العولمة لا المعايير الرأسمالية لليهود بل المعايير التي يدعو لها مهديُّ الأمة، فإنهُ لن يبقى إنسانٌ جاهلٌ على وجه الكرة الأرضية ولا ينبغي أن يظلَّ جائعٌ في القارة الإفريقية.
العولمة التي يدعو لها الإمام المنتظر تعني أن يتوفرَ الأمن للجميع وليسَ من أجل الرأسماليين وحسب، وعندنا في الروايات أن الأمنَ يتوفر في حكومة الإمام المهدي العالمية بالقدر الذي يمكن ُ من خلاله لفتاةٍ أن تُسافر لوحدها من هذا الطرف من الدنيا إلى ذاك دونَ أن يهددها أحد، أي أن يتوفرَ في عولمة الإمام المنتظر الأمن للفتيات في أفريقيا والمكسيك و أفغانستان، وليسَ فقط لفتيات الرأسماليين في الولايات المتحدة، ويُقومُ الفكرُ العولمي الليبرالي الرأسمالي، وكذلكَ المحافظونَ على مستوىً عالمي على مُعارضة الأصولية التي تدعو لمدينةٍ فاضلة تحكمُ فيها الأيدلوجية والمبادئ، فهؤلاء يقولونَ إنَّ المبادئ أصلاً مفاهيمُ ومقولاتٌ غيرُ عقلانيةٍ وغيرُ علمية ولأنها غيرُ علمية فهيَ أمورٌ شخصية ولأنَّ المبادئ شخصيةٌ أيضاً فهيَ شخصية ولأنها كذلك فلا علاقة لها بالحكم والأمور العامة. هذا باختصار معنى العلمانية. هم يقولونَ إنَّ الحديثَ عن المهدوية والعولمة على شاكلة العدل العالمي هوَ مُجرَّدُ خيالٍ ونسجِ أوهامٍ ولا يمكن تحقيقه، إنهم يُرددونَ هذا الكلام في جامعاتهم ويقولونَ بما أنَّ الأيديولوجية هي أمرٌ توتالي عليه فهيَ أمرٌ عبثي، وتنشد السيطرة التامة هذا يعني أنهم يعترضونَ على أن يأتيَ شخصٌ يُدعى المهدي ويُريدُ أن يحكم الدنيا من خلال حكومةٍ واحدة لأنَّ رواياتنا تُشيرُ إلى أنَّ الإمام يحمل البراهينَ بيدٍ والسيفَ باليد الأخرى، وعندما يحكم الإمام العالم يُحاججُ المسيحيينَ بإنجيلهم الحقيقي واليهود بتوراتهم الحقيقية ولن تبقى هناكَ حجةٌ لأحد، وعندما يُسلمُ هؤلاء بالحق من خلال المنطق والبرهان والموعظة والرحمة تُحفظُ دمائهم، وبخلافه فإنهُ سيتمُّ التعامل ُمعهم بحد السيف.

سياسة الإمام بعد الظهور

هناكَ روايةٌ تقول إنَّ المهديَّ هو نموذج الرحمة العالمية يقومُ بطرح استدلالاته واحتجاجاته ويذكرُ كلامَ الله، ويتحدثُ مع الناس بلطافةٍ وباستدلال لكنهُ سُرعانَ ما يُجددُ سيفه، وهناكَ يتبينُ الفرقُ بينَ المهدي والأنبياء حيثُ لا يتركُ الأمورَ دونَ حل فهوَ يُكمِّلُ ما بدأوه، حيثُ يرى أن المهلة التي ينبغي فيها التحدث مع الظالمين قد انتهت وليس هناك مشكلة في الجانب النظري ولا يستطيعونَ إطالةَ أمدِ المباحث النظرية وطلبَ عقدِ لقاءاتٍ جديدة علَّها توصلُ إلى حل. وهنا يلمع بريقُ السيف الذي سيجبرهم على التراجع وسحبِ أيديهم من أفواه المظلومين.
ثمَّ يخرج علينا من يقول وماذا عن Pluralism (التعددية) في حكومة المهدي؟ أي عندما تقولونَ إنَّ الحكومة العالمية للمهدي تدعو الجميعَ لاعتناق الإسلام فماذا يعني هذا؟ هل يعني أنَّه على الجميع اعتناقَ دينٍ واحد؟؟ وفي هذا ظُلم، وهذا يعني حسبَ قولهم إنَّ حكومةً استبداديةً ستأتي في آخر الزمان. هذه واحدةٌ من الاستدلالات ضدَّ المهدوية، حيثُ من المعلومَ أنَّ اليهود والمسيحيين بانتظار عودة المسيح، وفي رواياتنا فإنَّ المسيحَ ابنَ مريمْ يكونُ في ركاب الإمام المنتظر وأنَّ فتحَ القدس سيكون بيد الإمام الحجة عجلَ الله تعالى فرجه الشريف، وهناكَ يرفعُ المسيحُ صوتهُ ويقول افتحوا بيتَ المقدس، وهناكَ يتصدَّى سبعونَ ألفَ مسلحٍ يهوديٍّ للمسيح وتقومُ حربٌ مُدمّرةٌ يُبادُ فيها اليهودُ عن بِكرةِ أبيهم. هذه هي الفئة الثانية التي تقولُ عن الفئة الأولى من المؤمنين في فكرةِ ظهورٍ مُجددٍ للمسيح، وهؤلاء يواصلونَ النَّهبَ على الصعيد الدولي حيثُ يقولونَ إنَّ الإيمانَ بالمهدي والذي سيقودُ ثورةً عالمية وينشرُ العدلَ في المعمورة من وحي الخيال وهوَ خلافٌ للعقلانية لأنَّ تعريفَ العقلانية في النظام الليبرالي الرأسمالي يعني عمليةً حسابيةً رياضيّة تقولُ إنَّ أصحاب المال والقوة هم سادة العالم، أمَّا نحنُ فنقولُ إنَّ المهديَّ سيظهرُ و سيُغيرُ ملاكات العقلانية وسيضعُ هذه المحاور الجديدة محلَّ العقلانية الشيطانية التي حكمتموها على البشرية.
العقلانية التي يدعو لها المهديُّ عجل الله تعالى فرجهُ الشريف تقولُ: إنَّ الإنسانَ مأوىً لأخيه الإنسان والكلُّ مُحترمٌ بنفس المقدار، وهذه رواياتٌ وردتنا من المعصومينَ عن المهدي الموعود وسأنقلُ لكم بعضاً من هذه الروايات لتَّتضحَ لكم الصورة عن جماليَّة الثورة العالمية آخرَ الزمن.
إنَّ النظامَ الليبرالي العالمي والرأسمالي الحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا يدارُ اليوم من قبل الرأسماليين اليهود والصهاينة، ولدينا في الروايات أنَّ أكبرَ عمليات المقاومة ضدَّ الإمام المنتظر تكونُ من جانب الرأسماليينَ اليهود في آخر الزمان، وتلاحظونَ اليوم أنَّه نحو ستة وتسعينَ بالمئة من وسائل الإعلام في العالم هي بأيدي الرأسماليين اليهود وأنَّ أكثرَ من خمسةٍ وثمانينَ بالمئة من الجامعات المُهمَّة في العالم تُدارُ من قبلهم بدأً من جامعة هارفارد في أمريكا إلى أوكسفورد و كامبريدج حيثُ تقفُ خلفها شركاتٌ يهودية، وعندما ننظر إلى جدول الرأسمال في العالم نرى أنَّ الثروة العالمية هي بأيديهم حيثُ يُسيطرونَ بشكلٍ مُباشرٍ وغيرِ مباشرٍ على اثنين وثمانين بالمئة من ثروة العالم.
وهؤلاء تراهم أنهم يُروجونَ أنَّ كُلَّ من ليسَ معنا فهوَ فاشيٌّ، وكلَّ من يؤمن بنظريةٍ غيرِ ليبرالية فهوَ فاشي وكل من يقف في وجه النظام الرأسمالي في العالم ولا يخضعُ له فهوَ من مؤيدي الفكر الشمولي المغلق.
هذا هوَ إعلامهم على مدى أكثرَ من نصف قرنٍ في العالم وهم يقولونَ من لا يؤمن بأصالة اللَّذة فهو مصابٌ بالوهم وكلُّ من يتحدثُ عن ثورةٍ ضدَّ النظام الحاكم في العالم فهو مريضٌ ويُعاني من مشاكل ثمَّ إنهم يُحاولونَ الإلقاءَ بأنَّ المجتمع العالمي كان على هذه الشاكلة منذُ اليوم الأول.
عن أيّ آخر زمانٍ بصبغةٍ قدسيةٍ تتحدثون؟ إنَّ هذا الكلام عبارةٌ عن خيالٍ تمزجونهُ بأنفسكم. هكذا تُريدونَ إلقاءَ الأمور للناس؟ يقولونَ أنكم المؤمنون تحاولون إعطاء صبغةٍ قُدسيةٍ لأول الدنيا وآخرها لأنكم تُريدونَ تخريبَ وسطها، يقولونَ إنَّ المؤمنينَ يقولون إنَّ أولها كانَ صحيحاً لأنَّها كانت بأيدي المؤمنين، أمَّا وسطُها فهو بيدنا اليوم، تُريدونَ القول إنها غيرُ صحيحة وتُريدونَ السيطرة على الآخرة وتقولونَ إنهُ سَيُصلح لكنَّ الأمورَ كانت على الدوام بهذه الطريقة. كانَ هناكَ ظالمونَ ومظلومون ولم يُحرِّك أحدٌ ساكناً ولم يحصل أيُّ مكروه.
وحالنا اليوم هو كذلك حيثُ يُريدُ البعضُ أن يقولَ لنا إنَّ الأوضاعَ هي هي منذُ البداية، وفي جوابنا لهم نقول: ما تقولونهُ ليسَ صحيحاً، فالعالمُ يُدارُ دونَ تناسقٍ طبقي، لقد تحولَ العالم بفعل تصرفاتكم إلى عالمٍ مُضطربٍ تقومُ فيه الانقلابات والاغتيالات والانفجارات وكل أنواع الجرائم. وهم يقولونَ ينبغي عدم السماح لأحدٍ حتى بمجرَّد التفكير في مجتمعٍ أيديولوجيٍّ، فالمجتمع الذي تحكمهُ الأصولية والمِلاكات الواضحة والأصول سيصبحُ خطراً ولأنهم لا يستطيعونَ التصريحَ بخطر ذلك على مصالحهم تراهم يقولونَ إنَّ من يُفكّر بمثل هذه الأمور مُصابٌ بالأوهام والفاشية، وهي أفكارٌ مُعقدةٌ ومغلقةٌ ومخالفةٌ للعقل وعليه فمن يُعارض الرأسمالية الغربية والعولمة على الطريقة الأمريكية فهوَ ضدَّ التطور والهدف يكمن في حِفظ حاكميَّة الرأسمالية اليهودية والوضع الحالي في الدنيا.

أصالة اللذة وأصالة الكمال

دعونا نسأل هل أنَّ الدينَ أمرٌ غيرَ الوصف المحافظ؟ دعوني أختم الشطر الأول من المحاضرة بالقول إنَّ الليبراليين كانوا يُسفِّهونَ مبدأ الحكومة العالمية والثورة العالمية والإيديولوجية والمدينة الفاضلة، وأضافوا أنَّ الحديثَ عن مبدأ القيم والعدالة والثورة والإيديولوجية كلامٌ فارغ، وإنَّه على الناس أن يُفكِّروا في اللذات والنسبية والحساب خطوة بخطوة، يقولونَ لا تتحدثوا عن أصالة الكمال بل عن أصالة اللذة، ولا عن أصالة القيم بل عن الربحية، وأنَّ الأمورَ الواقعية العلمية عقلانية، هذا هوَ اللسان الذي يفهمه اليهود. العولمة عندهم أن يتحول العالم إلى ببغاءٍ يُقلِّدُ طريقتهم في العيش وعندما يحينُ الكلام عن المصالح فعلى الجميع أن يُقرُّوا بمصالحنا، هذه هي اللغة التي ينبغي أن يفهمها العالم. لكنَّ الإمام الخميني جاءَ وغيَّرَ هذه المعادلة وقالَ للجميع إنَّ ما تقولونهُ هوَ لسانُ الحيوانات وليسَ عالمياً، وعندما انتشرت لغةُ الإمام الخميني في العالم وباتت تُصدَّر كُل الأفكار تحرَّكوا لِتطويقها وبدأوا من عبارة أنَّ الدهرَ عفى على الثورات وأنَّ الحديثَ عن الاستعمار وضرورة الاستقلال كلامٌ فارغ خاصةً مسألة الاستقلال في يومنا الحاضر، وأشاعوا أنَّ المطالبينَ بالاستقلال يُريدونَ الانعزالَ في جزيرةٍ لوحدهم ويضعونَ الحواجزَ ولا يقبلونَ من أحدٍ أيَّ نُصح.
وقالوا أنه لا وجودَ للاستعمار حتى تكونَ هُناكَ حاجةٌ للحديثِ عن الاستقلال، وأنَّ ما أطلقَ عليه الاستعمار هوَ نموذجٌ عصريٌّ ونحنُ تقليديون، إنهم قادةٌ عُظماء ونحنُ أناسٌ مُتخلفون وعليه ينبغي أن يركبنا هؤلاء على الدوام وإذا أردنا أن نتطوَّر علينا أن نتحمَّلَ الإهانات والتنازل عن حقوقنا وبخلافه سنُتهم بأننا غيرُ واقعيين أو أننا ممن ينشدُ الأحلامَ مثلَ أصحاب المبادئ، لأنَّ أمثالَ هؤلاء في قاموسهم يعني الإنسان الأحمق الذي لا يعرفُ كيفَ أنَّ اثنين في اثنين يُصبح أربعة، وأنهُ لم يكن ليقفَ بوجه العمالقة وإذا استطاعَ ذلكَ فلفترةٍ قصيرة ولو حصلَ ذلكَ فإنهُ من سوء الفهم والاتفاق غير العادي وينبغي حلَّ ذلك بشكلٍ أو بآخر.
لقد تحدَّثَ أصحابُ النظرية الليبرالية لنا بهذه المبادئ ليُعرفُوننا على النسبية واللذَّة وليسَ الأصول وقالوا إنَّ نهايةَ التاريخ والمجتمع النظيف مئة في المئة والمدينة الفاضلة كلها أمُورٌ تافهة. قالوا ذلكَ لنزع أسلحة القيم والمبادئ وليقول مُتَّتبعُها بعد ذلكَ عجباً إننا حمقى، أطلقنا شعاراتٍ جُزافاً واستُشهدنا من أجلها وعليه فإنَّ من أستُشهدَ قبلنا من الرجال كانوا أناساً يُعانونَ من مشكلةٍ دماغيَّة.
لقد طَرَحوا هذا الأمر عندما كانوا يتحدثونَ عن شعار النسبية أو أنَّ كُلَّ أمرٍ قابلٌ للتشكيك، وأنَّ كُلَّ شيءٍ باتَ شخصياً وعندما تقول إنَّ الوقتَ مساء ربما كانَ هذا بالنسبة لك وليسَ معلوماً بالنسبة لي، إنهُ ليل وليست هناكَ أيةُ حقيقة قطعية بينَ الأذهان العامة حتى يتمَّ التوافق بصددها أو الوقوفُ خلفها ، كُلٌّ نسبيٌّ وكلٌّ مشكوكٌ به، وهكذا استطاعوا استمالةَ بعض الثوريين الذينَ بدأت الدنيا تُصبحُ محطةَ راحةٍ واستجمامٍ لهم، لا مثلَ الشهيد رجائي الذي لم يتأثَّر بأمور الدنيا وظلَّ يركبُ الدراجة البُخارية حتى بعدَ أن أصبح رئيساً للجمهورية للمرور على أقاربه، وقيلَ أنه عندما وافقَ مجلسُ الشورى على وزرائهِ طلبَ من وزرائه جمعَ السجَّاد الباهظ الأثمان المفروشِ تحتَ أقدامهم في الوزارات وأمهلهم نصفَ يومٍ فقط لإخراجه. الغربُ يُريدُ ألا يبقى شيءٌ اسمهُ حُكومةٌ من فئة رجائي في ذاكرة الرأي العام ويُصورُ أن هذا الرجل كانَ لا يفقه شيئاً، حتى إنَّ الإمامَ الخميني عندما قال: كُلما كانَ هُناكَ مظلومٌ فهناكَ جهادٌ وتضحية، وكُلما وجدَ مثلُ هذا الوضع فنحنُ حاضرون، هذا النوع من الثقافة خطرٌ على الليبرالية، لِذا تُحاول الولايات المتحدة ويُحاول الغرب النيلَ منهُ عبرَ القول إنَّ العالمَ ليس فيه ظلمٌ أبداً، وعليه لا حاجة للجهاد. لماذا ينبغي علينا أن نكونَ السباقينَ للجهاد على الدوام، ومن يقولُ أنه علينا الحضورَ في مواطن الخطر على الدوام ما دخلنا نحن فليفعلوا ما يفعلوه بأهالي البوسنة والهرسك، ما لنا و ما يفعلوه بالفلسطينيين! يُريدونَ إملاءَ هذه الثقافة علينا، لأنَّ الإمام الخميني رحل ورجائي قُتِل، ولأنَّ الشهادة ليست ذاتَ معنى في ثقافتهم وقد ماتت وليرحم الله الأموات، إننا نقولُ إنَّ العصرَ عصرَ الأحياء وليسَ عصرَ الأموات والحياةُ توجبُ على الناسِ مُستلزماتٌ وواجبات، فهل يا ترى يعني ذلكَ أن نُساومَ مع الدول الكبرى التي تحكم الدنيا؟

الشيوعية والصحوة الإسلامية

إنها ثقافةٌ يُريدونَ إدخالها في عقول و آراء الرأي العام، ولتعلموا أنَّ ما يُروّجونَ له من فكرٍ يعني فيما يعنيه مُحاربةَ المهدوية، لأنهم يعلمونَ أنَّ الإمام المنتظر سيُغيّرُ المعادلة الموجودة في العالم، وعليه فهم بدأوا منذُ خمسينات القرن الماضي بطرح مفهوم عبثية الثورات، ولتتضح في أذهانكم أسبابُ مُحاربة الأيديولوجية في إيران خلالَ الفترة السابقة، وبعدَ الحرب العالمية الثانية توصلت الولايات المتحدة ونظام السلطة في العالم الغربي إلى نتيجةٍ مؤدَّاها أن هناكَ عائقينِ يقفانِ بوجه تنامي القوة الغربية والرأسمالية، الأولى الشيوعية ولا نقصد بذلكَ موسكو الدولة بل موسكو الفكر الشيوعي واليساري في عموم الكرة الأرضية، حيثُ فُوجئ الغرب أنَّ اليسارية زُرعت في عموم جامعات العالم، ورفع الطلبة الشعارات اليسارية.
أمَّا العائق الثاني فلم يكن واضحاً لهم وهو حصولُ صحوةٍ إسلامية وثورةٍ بقيادة الإمام الخميني الراحل قُدِّسَ سِرّهُ الشريف، لكنهم عرفوا أنَّ نوعاً من التحركات المذهبية ستواجههم ولكن ليسَ على مستوى العالم، وستتعرّض المصالح الخاصة للولايات المتحدة والصهيونية إلى الخطر في بعض المواطن، لذلكَ حاربوا هذه الأيديولوجية باعتبارها نُقطةً مُشتركة، وقالوا لابد لنا أن نقرأ الفاتحة على الأيديولوجية، أقصدُ أنَّ الغربيينَ يُفهمونَ جامعات العالم الثالث أننا لن نتوصل إلى أية أصولٍ قاطعةٍ وواضحةٍ لصناعة المجتمع، لأنَّ التاريخَ ليست له غايةٌ خاصة. هذا ما يقولهُ الأوربيون والغربيون وليسَ هناكَ شعورٌ حاكمٌ على تاريخ البشر وأنَّ الصالحَ والطالحَ إلى الأعمال أمرٌ نسبي وليسَ هناكَ فرقٌ بين الحكومة الجيدة والسيئة. ولذا فإنَّ العدالة أمرٌ غيرُ مفهوم، لأنَّ العدالة تعني بمعناها الرئيسي ايصال الحقوق لمستحقيها وليسَ معلوماً ما هوَ منشأُ الحقوق وما هوَ الحق ومن هو المحق، وتصوروا أنهم كسبوا الجولة هنا فإنَّ بإمكانهم الاجهازُ على الثورات وجعلها عقيمة، وعليه جمعوا أنصارهم إلى مؤتمرٍ في خمسينيات وستينيات القرن الماضي من أوروبا والولايات المتحدة وخرجوا بنتيجةٍ أنهُ ينبغي الإعلانُ أنَّ دورةَ الأيديولوجيات قد انتهت ولا يجوزُ بعد هذا لأحدٍ أن يتحدثَ بالأيديولوجية، وصارت المذمةُ والملامةُ تُطرحُ على الفاشية سواءً كانت باستحقاقٍ أو بِغيره، لماذا؟ لأنَّ الحرب العالمية الثانية كانت قد وضعت أوزارها للتو، وكانَ على كلّ من يأتي باسم هتلر أن يبصُقَ على الأرض وكان ينبغي فعلُ ذلكَ لأنه ارتكبَ العديدَ من الجرائم. وهكذا صبّوا اليومَ جامَ غضبهم على الأيديولوجية، وهكذا حملوا على مبادئ الآخرين التي كانت تدعوا إلى العمل الاجتماعي وبناء المدينة الفاضلة وظلُّوا يُردِّدونَ أنهُ كلامٌ فارغٌ وضار وقالوا من يُريدُ صناعة الجنة في الدنيا فإنه سيصنع الجحيم لا محالة، فكانت هذه شعاراتهم وتحركاتهم ضدَّ الأيدلوجية.

الثقافة الغير العقلانية

من يُكررُ اليوم أقوال السلف الليبرالي ويقول مالكم وثورةً عالميةً تنشدونَ فيها حُكم الإسلام والعدالة والاقتصاد وتصدير الثورة إلى كل الدنيا وتحرير البشر، كانت هذه الأقوال تُقال وأبنائنا في جبهات القتال يُعانونَ أحياناً من ظروفٍ صعبة، حتى أذكرُ ذات مرةٍ في عمليات خيبر كنا نفتقد إلى الماء والطعام والسلاح فلجأ بعضُ المُقاتلينَ إلى تناول الخبز اليابس، وأخذَ بعضهم بحلب الأبقار المتروكة في المنطقة التي سرعان ما قتلها قصف العدو، وفي ظلِّ هذه الظروف الصعبة ترى روحَ الدعابة لدى المقاتلين، حيثُ كتبَ أحدهم على ملابسه (يمنع دخول الطلقات والشظايا) وآخر كتبَ على ملابسه (الثورة لن تنتظرَ حتى يصدر لها إذن الدخول). وهناكَ قلتُ للشباب: إنَّ هذا المقاتل يُقاتلُ باسم البشرية جمعاء.
لقد كانت ثورتنا تخصُّ كُلَّ الدنيا وهكذا عملَ الاستكبارُ على القضاء على هذه الثورة واقتلاع جذورها من الأعماق ومن أجل تخريب هذه الثقافة أطلقوا عليها لقب الثقافة غير العقلانية أو غير العُقلائية. لكننا في المقابل نعتبر حقاً أنَّ منطقهم القائم على أساس أصالة ومبدأ اللذةِ مُحضُ الجنون ويتساءل البعض هل إنَّ الإمام الحسين عليه السلام كانَ عاشقاً للشهادة أو يتصرف ُبعقلانية؟ يُجيبونَ هؤلاء على الفور أنَّ الإمام الحسين عليه السلام كانَ يُنشدُ القتلَ والموت! عجباً لقولهم! وعليه يقولون إنَّ عملهُ كانَ غيرَ عُقلائي! هذا الجوابُ يصحُّ إذا كانَ مِلاكُ التحكيم ِ رأسمالياً يهودياً حتى وإذا كانَ العاقل يهودياً، لكننا نقولُ إنَّ الإمام الحسين عليه السلام كانَ عقلانياً وتواقاً للشهادة بنفس المقدار واختار الطريقَ الأمثل بالنسبة له.
لقد خشيت الليبرالية التي بدأت حرباً ضدَّ الأيديولوجية في خمسينات القرن الماضي تحتَ شعار محاربة الأيديولوجية اندلاع الثورات من خلال مقولات الإيديولوجيين وتبدأ الأنظمة العميلة بالتهاوي واحدةً تلو الأخرى، ومن حاربَ الإيديولوجية في الخمسينات يُحاربها اليوم بعد أن اكتست وشاحاً دينياً، وبدأوا بالقول إنها قتالية ولا ينبغي إشراك الدين لأنَّهُ هالةٌ من نور ولا ينبغي له أن يتدخَّلَ لإحقاق العدل ولا حقوق الإنسان ولا المظلومين، والدين يتجلى في الذهاب إلى الكنيسة يومَ الأحد وترتيل الأناشيد والذهاب من حيثُ أتى المصْلّي وبدأوا يقولونَ لماذا يتحدث المسلمون عن حكومة عدلٍ عالمية هذا ليسَ بأمرٍ ديني وهم يواصلونَ حربَ الإسلام الذي يُريدُ إشراكَ الدين في عالم السياسة.
العجيب! إنَّ الغرب الليبرالي الذي كان يُنكرُ موضوعَ نهاية التاريخ وكانَ قد نهى الآخرين عن التحدث عنه بدأ اليوم يتحدث عن هذا الموضوع ويطلق عليها اسمَ جبر التاريخ.
لقد عادوا يُرددونَ ما قالهُ الماركسيونَ من أنَّ مُجتمعَ آخر الزمان هو جبرٌ تاريخي، وأنَّ التاريخ يمضي باتجاه الاشتراكية والشيوعية وأنَّ الثوارَ لن يكونوا أكثرَ من قابلةٍ ليسَ إلّا وأنَّ الولادة ستتمُ بطريقةٍ تاريخيةٍ وقهريةٍ والبعضُ وللأسف يؤمن بأنَّ الولايات المتحدة هي آخر الخط التاريخي المنتهي بالجبر والقهر وكلُّ مُجتمعٍ يرفضُ العبودية للولايات المتحدة يُنعت بالمجتمع التقليدي غير العصري.
لقد قسَّمَ الاستعمار ومنذُ القرن التاسع عشر الميلادي العالمَ إلى قسمين: الأولُ مطيَّةٌ يركبها القسم الآخر وهوَ سيد العالم، وأساسُ نظريتهم في هذا المجال أنَّ العالمَ ليسَ بحاجةٍ إلى سوبر مان أو مُنقذ ٍوهذا من مُسلمات الفكر الرأسمالي المحافظ في العالم، وأنه ليسَ هناكَ انقاذٌ في آخر الزمان وأنَّ هذه الدعوة تتعارضُ وثقافتهم لعدم وجود إنسانٍ كامل وهؤلاء يقبلونَ بمبدأ الحيوان الكامل وحسب وخلال السنوات الأخيرة قالوا: أنه ليسَ لأيّ إنسانٍ أن يكونَ نموذجاً للآخرين! ماذا يعني ذلكَ يا تُرى؟ أي أنَّ من يؤمن بالإنسان الكامل فهوَ واهمٌ. فليسَ هناكَ مدينةٌ فاضلة لكنَّ العجبَ أنَّ مُحاربي الأيديولوجيات بدأوا بالتنظير إلى الأيديولوجية الليبرالية وباتوا كمن أسنانهم التالفة ويفتح فمهُ ضاحكاً على الدوام.

الروايات الواردة عن الإمام عجل الله فرجه الشريف

أما فيما يخصُّ القسمَ الثاني من المحاضرة المتعلق بالروايات الواردة عن الإمام الحجة، حيثُ تُفيدُ بأنَّ البشرية جمعاء تُصبحُ ذاتَ حكمةٍ ومنطقٍ وذكاء، وفي مجال العمران يتمُ بناءُ كل الأرض ويتمُّ إحياءُها ولن يظلَّ هنالكَ حيوانٌ أو نباتٌ مُتعطش ولن يظلَّ في عهد حكومته إنسانٌ فقيرٌ على وجه الأرض، وتُراعي العدالة حتى في الصلاة، حيثُ يُروى أنَّ المتحدثينَ باسم الإمام في المسجد الحرام بمكة المُكرمة يُنادونَ من أتمَّ الصلاةَ والفرض الواجب إلى جوار الحجر الأسود ويُريدُ إقامةَ فروضٍ مُستحبَّة عليه أن يذهبَ جانباً ويفسح المجال للآخرين لأداء الفروض الواجبة وتكون خزائن الأرضِ وثروة العالم تحتَ تصرف الإمام ويخطب في الناس ويقول هلمُّوا، خذوا هذه ماكنتم تظلمونَ بعضكم بعضاً من أجلها، إنها ذاتُ الأموال التي أذيتم أرحامكم من أجل الحصول عليها، إنها الأموال التي تقاتلتم من أجل الحصول عليها، إنها الأموال التي ارتكبتم المعاصي من أجلها، هلمُّوا تعالوا وخذوا من هذه الأموال التي فعلتم ما فعلتم من أجلها. وهناكَ رواياتٌ حولَ الهبات الغير المسبوقة التي يمنحها الإمام وتزدهرُ حركت الزراعة وتمطر السماء بشكلٍ لم تمطر قبلهُ وتُخرجُ الأرضُ أثقالها وخزائنها، ويمنح الإمام المال لكُلِّ من يطرقُ بابه سائلاً، ويُساوي في تقسيم الأموال بين الناس وتزول أفكار الحرب والظلم والنهب والحقد وإراقة الدماء، وبظهوره تخفُ نيران الفتنة والاضطرابات وتنتهي حالةُ الضياع عند البشرية ويفتحُ أعوانهُ وأنصارهُ العالم ويُحكمونَ سيطرتهم على كافة المواضع وتُطيعهم حيوانات الصحراء وطيور البحر، وتفتخر الأرضُ بأنَّ أعوان الإمام يطؤونها وقيلَ أنَّ لِأنصار الإمام قلوبٌ فولاذية وكلٌ منهم يعدلُ أربعين. ويَنشرُ المصلح الكبير التوحيد والعدل والإنسانية في كُلِّ مكان وكذا القرآن والسنة. يقول الإمام عليٌّ عليه السلام إنَّ الحجة ينشرُ فكرَ العبودية لله عِوضاً عن الغريزة في جميع البشر.
وفي مجال القضاء تحكم محاكم الإمام بالعدل ولا يضيعُ حقُّ أحدٍ مقدارَ أنمُلة ويحكم بما أنزلَ الله ويعلمُ خائنةَ الأنفُس. كما هوَ النبيُّ داوود عليه السلام بالنظر إلى وجوه الناس ويعلم الخطط المتخفية عليه ويكشفها لأصحابها.
جاءَ أحدهم إلى الرسول وسأله: تقولونَ أنهُ سيأتي ويملئ الأرضَ قسطاً وعدلاً، كيفَ يتمُ ذلك؟ فأجابهُ الرسول مثلما تدخلُ الحرارة والبرودة إلى البيوت لا يستطيعَ أحدٌ الوقوفَ في وجهها. فيقول ماذا يعني هذا؟ فيردُّ الرسول صلى الله عليه وآله: أي لا يدَعُ بيتاً ولا أسرةً إلّا وأذاقها طعم العدالة. هذا هو الحال في أيام حكومة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وهنا دعوني أذكرُ لكم عدَّةَ أمثلةٍ، حيثُ تُشيرُ الروايات أنهُ يُوسِّعُ الطريقَ الأعظم، ويهدم كُلَ مسجدٍ على الطريق ويسدُّ كل كُوَّةٍ إلى الطريق وكل جناح وكنيسٍ وميزابٍ إلى الطريق، أي يُغلقُ المنافذَ الخاصة التي تُطلُّ على حدود عامة الناس، وفي هذا معنىً كبير، حتى أنهُ يُغلقُ طُرقَ مياه الدفع الصحي التي يُوجدها الأثرياء صَوبَ الطرق والمجاري العامة ويمكن تصور ذلك من خلال مُراجعة استغلال البعض لذلك بصورةٍ أكبر بكثيرٍ من استفادة عامة الشعب. والثقافة السائدة اليوم هي أن تقومَ فئةٌ قليلةٌ من الرأسماليين بالاستفادة من كل الامكانات وتظلُ الفُتاتُ لعامة الناس. ويأتي الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ليسمحَ للأقلية من تناول كل الخيرات.
وهنا يُروى أنَّ الإمامَ عجلَ الله تعالى فرجه الشريف يقوم بعزل القُضاة المسيئين ليقبضنَ عنكم وليعزلنَ عنكم أمراء الجور وليُطهرنَّ الأرضَ من كلِ غاشٍ، عندها يكون الإنسان شفافاً وينتهي الكذب في المجتمع سواءً من الحاكم إلى الرعية أو العكس ويسقط الكذب والبغضاء عن المجتمع. تقول الرواية: لو قامَ قائمنا لذهبت الشحناءُ من قلوب العباد، واضمحلَّ القطائعُ فلا قطائع، أي لا يستطيعُ الحاكمُ أن يقتطعَ شيئاً ولو قطعة أرضٍ لأصحابه أو مُحاربيه.