اكد الاكاديمي الايراني الدكتور ياسر قزويني ان خطاب داعش الإعلامي والفكري يفرض نفسه اليوم على الساحة الجهادية السلفية، لافتا الى محاولات تنظيم داعش إستقطاب الشباب الذين يبحثون عن ساحات للجهاد على حساب الجماعات الأخرى وبالأخص القاعدة من خلال التشكيك في الشرعية ومن خلال إعلام حرفي.

وافادت برس شیعة ان ياسر قزويني الاكاديمي الايراني رأى ان الأمر الذي يجعل المتابع لمجريات الساحة الجهادية لاسيما السلفية، أن يراقب عن كثب قضية البيعات بالاخص بعد مقتل الزعيم السابق لحركة طالبان ملا اختر محمد منصور قبل فترة “هو ما استطيع ان أسميه بـ”الصراع على الشرعية” فيما بين تيارات السلفية الجهادية الموجودة في الساحة”.

وتابع: لعلكم تعلمون بأن تمسك هذه التيارات بالنص الديني بغض النظر عن صحته ام عدمه مما يجعلنا ان نقارنهم بالحشوية في القرون الإسلامية، يجعلهم يسلكون سلوكا خاصا نستطيع أن نبحث عن جذوره في التراث القديم. فسلوكهم في مجال الإستخلاف وقضية “الشرعية” أيضا تعود إلى آليات تراثية مثل “البيعة” لأنهم يستندون إلى نص مضمونه أن “من مات ولم يكن له بيعة مات ميتة جاهلية”.

واضاف: على ضوء هذا النص نشاهد السعودية أيضا تتبع نفس الآلية في الإستخلاف وعلى الاوساط الأكادمية أن يبحثوا هذه القضية وكيفية تطبيقها في الزمن الراهن بشكل جدي ودقيق بدل ما أن ننظر إلى مثل هذه الأمور بنظرة دونية كاريكاتيرية.

وفيما يخص “الصراع على الشرعية” في الوسط السلفي الجهادي قال ياسر قزويني: بالنسبة الى موضوع مبايعة الظواهري مع هبة الله آخوند زادة، علينا أن نعود قليلا إلى الوراء لكي نعطي صورة أكثر تكاملا للموضوع، فبعد تأسيس ما تسمى بإمارة افغانستان الإسلامية في اواسط التسعينيات من القرن المنصرم من قبل حركة طالبان التي استولت على العاصمة الأفغانية كابول بايع أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان و أمير ما سميت بإمارة أفغانستان الإسلامية بوصفه اميرا للمؤمنين.

واكد قزويني ان هذه البيعة اثرت على أوساط السلفية الجهادية بشكل جدي كما أثارت خلافات داخل هذه الأوساط قائلا: فعلى سبيل المثال ان وزير خارجية حكومة طالبان أنذاك وكيل احمد متوكل كان من معارضي هذا التقارب لأنه كان يبحث عن إعتراف دولي لحكومة طالبان في حين قبول الملا عمر لمبايعة بن لادن كان يشكل عائقا أمام هذا المشروع، ولكن البيعة بقيت كما كانت وملا عمر لم يرضخ إلى المطالبات الدولية ببن لادن بالأخص بعد أحداث 11 أيلول عام 2001. ولكن بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 و مجيء الزرقاوي الذي كانت لديه خلافات عقدية مع العقيدة الجهادية السائدة في أفغانستان إلى العراق وبعدما شكل الزرقاوي قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين الذي استمد شرعيته من التنظيم الأم بعد مفاوضات مع زعيم التنظيم الأم اسامة بن لادن، الزرقاوي و مناصروه قبلوا مبايعة الملاعمر بقبولهم العمل تحت اسم تنظيم القاعدة.

واردف: لكن بعد مقتل الزرقاوي عام 2006 وتشكيل ما سميت بدولة العراق الإسلامية من قبل ابوعمر البغدادي و مبايعة ابو حمزة المهاجر الذي يقال بأنه كان ممثلا لتنظيم القاعدة الأم في العراق له كأمير للمؤمنين، اصبحت التيارات السلفية الجهادية أمام إمارتين تدعي الإسلام فهنا يكمن جذور التنافس على الشرعية التي نوهت إليه في أول الحديث. مع أن الساحة شهدت وجود إمارتين إسلاميتين في أن واحد إلا أن الخلاف لم يقع بعد حتى عام 2013 وبعد دخول دولة العراق الإسلامية إلى الشام و بعدما غيرت إسمها إلى دولة العراق والشام الإسلامية.

واوضح ان أبا عمر البغدادي و ابوحمزة المهاجر قد قتلا في عام 2010 من قبل القوات الأمريكية والعراقية و عين ابوبكر البغدادي أميرا جديدا لدولة العراق الإسلامية لكن مع وجود هذا التطور الهام إلا أن الخلاف على الشرعية لم يعد ساري المفعول بعد. إلا أن بعد التطورات التي شهدتها المنطقة من ثورات وإسقاط حكومات خلال سنة واحدة دخلت ما كانت تسمى بدولة العراق الإسلامية الساحة السورية وسمت نفسها الدولة الإسلامية في العراق والشام وترأس الجناح السوري للدولة ابومحمد الجولاني وأسس جبهة النصرة التي قررت الإنفصال عن الدولة ومبايعة أيمن الظواهري خليفة إسامة بن لادن الذي كان مازال في بيعة الملا عمر في أفغانستان. هنا ظهر الخلاف الذي كان لابد أن يظهر في يوم من الأيام والذي أجل لسنوات بسبب عدم رغبة الفرقاء في تسليط الضوء عليه وسعيهم لبقاء الضبابية وعدم تحديد المواقف يسود قضية “الشرعية” و”البيعة”.

واشار الاكاديمي الايراني الى ان البغدادي والظواهري سعيا بعد فك الارتباط بين الجولاني والبغدادي، لإظهار أنفسهم كالتنظيم أو الدولة الأم في أوساط السلفية الجهادية. فمن هنا بدأت التشكيكات في الشرعية من قبل الجهتين بالنسبة للجهة الأخرى وبالاخص بدأ الدواعش وبالتحديد بعد الإعلان عن وفاة الملا عمر وبعدما تسربت أنباء عن موته قبل عامين ونصف قبل الإعلان عن وفاته، بدأت المؤسسات الإعلامية التابعة أو المناصرة لداعش وعلى سبيل المثال مؤسسة ترجمان الأساورتي التشكيك في شرعية مبايعة القاعدة وكل أذرعها مع الملا عمر.

وعن تفاصيل هذا الصراع والى ماذا يستند الطرفان في اظهار شرعيته من جهة وإسقاط الشرعية الأخر من جهة أخرى اكد قزويني ان هذا الزخم الإعلامي كان يركز على عدة أمور منها الخطاب التبجيلي الذي استخدمه أسامة بن لادن حين تأسست دولة العراق الإسلامية بعنوان خلفية لما تسمي نفسها اليوم دولة الخلافة الإسلامية ويعتبر بن لادن اليوم الزعيم الأسطوري لكل التيارات السلفية الجهادية، كما سلط الإعلام الداعشي الضوء على الخطاب التبجيلي للظواهري نفسه تجاه الدولة. القضية الأخرى هي مبايعة ابوحمزة المهاجر مع ابوعمرالبغدادي كاميرللمؤمنين.

واضاف: يقول الدواعش بأن ابوحمزة المهاجر الذي يسمونه قائد تنظيم القاعدة تارة وممثل التنظيم تارة اخرى لما بايع ابوعمرالبغدادي فك تلقائيا بيعة التنظيم بأسره مع الملاعمر وكل القاعدة بأذرعها في الصومال المتمثلة بحركة الشباب المجاهدين بقيادة شیخ مختار عبدالرحمن ابوالزبیر و القاعدة في المغرب الإسلامي بقيادة ابو مصعب عبدالودود والقاعدة في جزيرة العرب بقيادة عدة أشخاص منهم ناصر الوحيشي وحارث النظاري و.. أصبحت تحت إمرة دولة العراق الإسلامية التي تزعمها ابوعمر البغدادي الذي كان يدعى بأنه قرشي ومن بعده ابوبكر البغدادي الذي أصبح خليفة بعدما كان أميرا فقط وبهذا استطاع ابوعمر وابوبكر من بعد التنويه إلى شرعية أكثر مما كان عليه الملاعمر على الأقل. بالاخص وأن ابوحمزة المهاجر وفي بيانه الذي بايع من خلاله ابوعمر البغدادي يؤكد على نسب ابوعمر الذي يعود إلى قريش.

وتابع: النقطة الأخرى الذي أكد عليها إعلام الدواعش في هذا المجال هو ما يصفونه بإرجاء الطالبان والملاعمر و عدم نقاء عقيدتهم بالأخص وهم يعتبرون من الماتريدية أو الأشعرية الأحناف الذين يعتقدون بزيارة القبور و كما فيهم من قيادات الصوفية الذين يعتبرون مرتدون من قبل الدواعش. وبهذا يسعون التأكيد على عدم شرعية الطالبان أنفسهم ولديهم علاقات بدول “مرتدة” و “كفرية” كما يدعي الدواعش مثل قطر وغيرها.

وحول هل ما اذا كان هناك خلاف ايديولوجي بين القاعده وداعش او خلافات التنظيمين تدور في تحديد ميدان العمل والجهاد رأى الاكاديمي الايراني ان جذور كلا التنظيمين تعود إلى أفكار واحدة ولكن بغض النظر عن مايجري اليوم بين التنظيمين نشاهد بأن مثل هذه الإزدواجية كانت موجودة من أيام أفغانستان أعني بإزدواجية الأولويات عند شريحتين من التيار السلفي الجهادي على أقل التقديرات، شريحة متساهلة مع بعض ما اعتبروها شكليات تظهرمن قبل بعض التيارات بالأخص الأفغانية منها.

واردف: هذه الشريحة في أفغانستان التي كانت الشريحة السائدة أنذك والمتمثلة بعبدالله عزام كانت تتساهل مع بعض ما كان يعتبره الشريحة الأخرى من نواقض الإسلام من زيارة للقبور و ما شابه التي كانت تصدر من بعض المشاركين في الجهاد الأفغاني. فالاولوية كانت للجهاد ضد الروس على حساب ممارسات بعض المشاركين في هذا الجهاد عند الشرحية السائدة بقيادة عبدالله عزام. ولكن في تلك الأيام كان هناك تيار هامشي والمتمثل بأبومصعب الزرقاوي والمقدسي وهذه الشريحة كانت تؤكد على ضرورة نقاء الصف قبل الجهاد ضد الروس. نستطيع القول بأن داعش اليوم إمتداد لهذه الشريحة الضعيفة أيام الجهاد الأفغاني.

وحول تداعيات ظهور داعش وسطوع نجمه على رؤية واستراتيجيات القاعده والسلفیه الجهادیه بشکل عام اكد ياسر قزويني ان داعش اليوم بإعلامه القوي وبقدرته على المناورة ينافس القاعدة بشكل جدي ونستطيع القول بأن خطاب داعش الإعلامي والفكري يفرض نفسه اليوم على الساحة الجهادية السلفية. بحيث يسعى تنظيم داعش إستقطاب الشباب الذين يبحثون عن ساحات للجهاد على حساب الجماعات الأخرى وبالأخص القاعدة من خلال التشكيك في الشرعية ومن خلال إعلام حرفي. ويمكننا القول بأن التيارات المنافسة لداعش في إطار السلفية الجهادية ورغم عدائهم للتنظيم إلا أنهم تأثروا بخطاب تنظيم داعش. ويكننا القول بأن هذه التيارات المنافسة يقتربون شيئا فشيئا إلى خطاب داعش في بعض المجالات مثل الخطاب العدائي ضد الشيعة، ونستطيع أن نعبر عن مثل هذه التطورات بالخطيرة.

اجرى الحوار: محمد مظهري