هذه المقالة نشرت في جريدة “جمهورييت” الشهر الماضي، وهي تعليق لثلاثة كُتّاب أتراك، وهم: أورهان باموق وأحمد أوميت وسيراي شاهينار ، حول فضّ اعتصام “أمهات السبت” بالقوة من قبل الشرطة التركية. وهو اعتصام شهير يقام كل سبت في ساحة غلطة سراي باسطنبول، للأمهات اللواتي اعتقل أبناؤهن منذ التسعينيات من أجل الكشف عن مصير أبنائهن المعتقلين. بدأ أول اعتصام عام 1995، والاعتصام الذي تم تفريقه بالقوة هو الاعتصام رقم 700.

أورهان باموق:

منذ سنوات وهنّ يقمنَ اعتصام “أمهات السبت” في ميدان غلطة سراي، على بعد عشر دقائق من منزلي. أمهات يبحثن عن أبنائهن المفقودين. الضحايا الذين قيل لهم: “هل من الممكن أن تأتوا معنا لدقيقة واحدة؟”، وفي نهاية المطاف قُتِلوا وفُقِدَت أجسادهم.

كثيرًا ما مررت بهنّ وأنا أشعر بالإجلال والكدر، حتى أنني كنت أخجل منهنّ. وقديمًا، كان كثيرون من الذين يخجلون مثلي من رجال الدولة والسياسيين يلتقطون معهنّ الصور، لكن وقت التفاهم والتعاطف والاستماع إلى الأوجاع قد ولّى. وجاء زمن القسوة والظلم هذا.

أحمد أوميت:

سبعة أشخاص تحت سماء زرقاء، في يوم حار من أيام أغسطس، كانت أجسادهم تلامس الأرض وتتشابك أيديهم وأجسادهم وأرواحهم. لم يكن في عيونهم خوف أو يأس، فقط كان هناك بعض القلق والثبات قدر الإمكان. ثبات آتٍ من إيمانهم بأحقية قضيتهم؛ ليس فقط في عيونهم، ولكن على جباههم وشعرهم ولحاهم، وعلى شفاههم المتوترة التي تخفي أسنانهم المتشابكة. على رمق النزيف المتبقي بكفوفهم، وعلى الرسوغ المجروحة، والأكواع المُغبّرة، والأكتاف المتوترة، والركب المخدوشة، وعلى ثنايا ملابسهم الثبات نفسه على الحق.

أراد رجال الشرطة أن يفرقوا هذه السلسة البشرية المكونة من سبعة أشخاص، كأنهم جسد واحد. فإذا تمكنوا من خطف شخص واحد منهم ستنفرط حلقات السلسلة البشرية. لم يكن في عيون رجال الشرطة الثبات نفسه، مع أنهم جاؤوا متأهبين ومسلحين وخلفهم تجهيزات كاملة. يبدو على وجوههم الانزعاج من تأدية المهمة التي كُلّفوا بها. يحدّقون بعيونهم في السلسلة البشرية، لكن وجوههم لا تحمل أي معنى وهم يفعلون ذلك. ولأنهم غير متأكدين من صواب العمل الذي يقومون به، يخفون أفكارهم ومشاعرهم خلف هيئة الموظف الرسمية، ولأجل ذلك كانت رؤوسهم مائلة.

المعتصمون الجالسون على الأرض لا يريدون فقط حماية الشخص الذي تريد الشرطة خطفه من بينهم، لأنه إذا سُحِب من بينهم سينفرط عقدهم. المشهد فيه أكثر من ذلك. فهذا ليس شجارًا عاديًا سينتهي في مخفر الشرطة. فعندما يلتقي أصحاب القوة وجها لوجه مع أصحاب الحق، وتلتقي الشجاعة مع الضمير، وتتحول مسألة الكرامة إلى مقاومة، وقتها تحدث المعجزة. لكن المعجزات لا تُسجّل دائمًا، إلا أن الأمر مختلف هذه المرة؛ حيث تمكن المُصوّر من رؤية الحقيقة، واستطاعت الكاميرا تسجيلها، فصار من الممكن أن تتحقق المعجزات.

ومع ذلك فلا أحد في هذه الصور ينظر إلى الكاميرا. وفي منتصف هذا الهرج والمرج، كان صوت التقاط الصور ينهمر بين الضوضاء. وفي هذه اللحظة التي تقف فيها الحياة في وجه الموت تنتصر الأبدية.

ستخرب هذه اللحظة، كما ستتلاشى هذه الصورة، ولكن ليحدث ما يحدث، سينتصر المقاومون، لأن المعنى الفني للصورة هو تسجيل المقاومة التي أصبحت الآن صورة فوتوغرافية في أيدينا إلى الأبد. وهذه الصورة تعكس أوضاع البلد والمدينة والإنسان.

سراي شاهينار:

لأن همومهن واحدة، أصبحن كالأقارب في اعتصام “أمهات السبت”، عندما تجتمع الأمهات في ميدان غلطة سراي، يُفتح ألبوم العائلة. بأيديهن صور مغلفة بلا براويز. مغلفة لكي لا تبتل لأنه من المحتمل أن يلقوا عليهن الماء أو الغاز، وبلا براويز لأن الزجاج من الممكن أن ينكسر، يتساءلن عن مصير أبنائهن.

الأسبوع السبعمائة لاعتصام “أمهات السبت”: حوالي الساعة الثانية عشر في ميدان غلطة سراي، وهن يجلسن بجوار ظل حاجز الشرطة. منذ سنوات وهن يأتين إلى هذا الميدان ويزرعن ظلالهن بعناد مثل الجذر. هذه المرة لم يكن في أيديهن صور لأبنائهن. حتى رفع صور الأبناء كان ممنوعًا هذا اليوم، ومنذ الصباح بدأت عمليات الاحتجاز على يد الشرطة.

المعتصمون يشرحون أسباب اعتصامهم، والشرطة ترش الغاز المسيل للدموع. كنا نحاول التنفس لكننا لم نستطع ورجعنا إلى ميدان غلطة سراي، والشرطة تستمر في رش الغاز. اختبأنا داخل المحلات في الشوراع الجانبية، ووقفنا ثابتين بجوار “المانيكانات” خلف الزجاج. وبدلا من أن يفرّقنا رجال الشرطة من أمام عيونهم، قاموا بعرضنا في “الفاترينات”. وباسم تفريقنا أحدثوا هرجًا ومرجًا وكان من الممكن أن يكسروا الزجاج فوقنا. أما المارّة الذين لا يعرفون شيئًا عن اعتصام “أمهات السبت” من الأساس فلم يكترثوا لنا.

صوّبت الشرطة سلاحها تجاهنا، وبدأ إطلاق الغاز والرصاص المطاطي، لم يصوبوا علينا فقط، ولكن على ذاكرتنا أيضًا. في الآونة الأخيرة تحاول الدولة تجريم اعتصام الأمهات من خلال الحواجز والاعتقالات. يريدوننا أن نشاهد اعتصام “أمهات السبت” كأننا “مانيكانات” خلف زجاج “الفاترينات” جنبًا إلى جنب، كأنهم يقولون لنا: لا تشهدوا على ذلك ولا تتذكروه.

والذين يقفون خلف “الفاترينات” إلى جانب “المانيكانات”، ربما جاؤوا إلى اعتصام “أمهات السبت” أو ربما كانوا عابرين فقط. الوحشية تتمدد مثل الشعاع، عبر الغاز والرصاص المطاطي والشتائم والضرب والاعتقالات. وطرفا الزجاج يعتبران شاشة لبعضهما البعض، لقد شاهدنا من خلف الزجاج ما لم تعرضه لنا شاشات التلفزيون؛ شاهدنا الظلم المستمر منذ عشر سنوات!

ترجمة أحمد زكريا