لا أحد من المفكرين والمؤرخين والباحثين والعلماء بإمكانه إنكار حقيقة أن التأريخ الاسلامي كتب بإدوات أموية عباسية بغيضة حاقدة إجارمية تكفيرية، سعياً لقلب الحقائق حتى أبسطها وتشويه وتزييف الدين الاسلامي المحمدي الحنيف وما آلة اليه مسيرة الدولة الاسلامية النهج الرسالي للنبي محمد بن عبد الله الصادق الأمين صل الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة، وما أوصى به ذلك الذي وصفه القرأن الكرين [وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] – النجم: 3و4.

الجرم المشهود لكل تلك المحاوىت هو سلب الحق السماوي في قيادة الأمة من الآئمة الأطهار الذين أوصى بهم خاتم المرسلين (ص) بداية من أبن عمه ووصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعد أن نصبه بأمر إلهي لايدع مجالاً للشك في حجة الوداع وفي غدير خم التي حضرها أكثر من 130 ألف حاج وفي مقدمتهم كبار القوم والصحابة أولئك الذين نقضوا بيعتهم وقولهم “بخٍ بخٍ لك ياعلي لقد أصبحت مولاي ومولا كل مسلم ومسلمة” وفي أخرى ” بخٍ بخٍ لك ياعلي أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة” مشددين على عضده متعهدين إتباعه بعد أن نزلت الآية الكريمة على نبيه محمد المصطفى (ص) [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] – المائدة:67؛ فما كان منه صل الله عليه وآله وسلم إلا أن يرفع يد صهره علي بن أبي طالب (ع) معلناً إياه بأنه الوصي دون فصل من بعده .

وما أن أخذ النبي ألأكرم البيعة من القوم بيمين وعهد موثق حتى نزلت عليه الآية المباركة [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]- المائدة:3، تأكيد من الخالق المتعال على تنفيذ رسوله الأمين (ص) للرسالة الملقاة على عاتقه بتسليمها لصاحب الأمر المفروض طاعته سماوياً ووجوباً دينياً ما يدلل على إكما الدين وإتمام النعمة الإلهية بمولاته وطاعته والتمسك بحبله ونهجه القويم المنقذ للأمة بعد رحيل حبيب رب العالمين أي بعد سبعين يوماً من واقعة الغدير المباركة.

رغم مساعي أصحاب السقيفة بقيادة بني أمية وأبناء آكلة الأكباد صاحبة الراية الحمراء الفراعنة الطغاة ومن بعدهم بنو العباس سلاطين الاجرام، إلا أن مسألة الغدير بكل إيحاءاتها وإشاراتها، تركت آثارها العميقة في الكيان الاسلامي العام، حيث استطاعت ـ في كل تفاعلاتها وكل المواقف السلبية والايجابية منها ـ أن تختصر التاريخ الاسلامي في حركة التنوع والاختلاف والصراع ومن أهم خصوصياته انه لا مجال للعذر مرة أخرى بعد ان تم إكمال الدين على يد الرسول الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم) حيث أتمها بولاية امير المؤمنين وأهل بيته( عليهم السلام).

فرغم أننا نعيش عصر العولمة لكن وبغية التصدي للهجمة الثقافية الشرسة التي تستهدفنا وأبنائنا وعقائدنا ورسالتنا، نجد أن هناك حاجة ملحة وكبيرة لتكريس الجهود ومضاعفتها نحو الفهم الصحيح والإفهام المناسب لمعتقداتنا الاسلامية الحقّة ومفاهيمنا الدينية الرفيعة، ممّا يستدعي الإلتزام الجاد بالبرامج والمناهج العلمية التي توجد حالة من المفاعلة الدائمة بين الاُمة وقيمها الحقة، بشكل يتناسب مع لغة العصر والتطور التقني الحديث.

تبليغ الرسول محمد (ص) بقيادة علي بن أبي طالب للأمة في واقعة غدير خم في 18 ذي الحجة من سنة 10 للهجرة المباركة، شهدها 130 ألف حاج وأقرها القرآن الكريم كما ذكرها ونقلها كبار علماء ورواة العامة من أمثال ابن عساكر في تاريخ ابن عساكر ج2و ابن المغازلي : المناقب ص31و ابن كثير : تفسير القرآن ج2 ص15و الآلوسي : روح المعاني ج4 ص282و السيوطي : تاريخ الخلفاء ص169و الطبري : ذخائر العقبى ص67والذهبي : التلخيص ج3 ص109و اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي ج1 ص422وابن كثير : البداية والنهاية ج5 ص209 والنيسابوري : ثمار القلوب ج2 ص906و السمهودي : جواهر العقدين ص236و النسائي : فضائل الصحابة ص15 والخوارزمي : المناقب ص156 وابن طلحة الشافعي : مطالب السؤول ص4 والشهرستاني : الملل والنحل ج1 ص163 وابن خلدون : المقدمة ص246 وعشرات أخرين منهم ، حيث لا يسع المقال لذكرهم جميعاً .

ومن بين أهم المعتقدات التي أستهدفها أعداء الله سبحانه وتعالى والدين الحنيف والأمة الاسلامية على طول العصور والقرون الماضية ومنذ اللحظة الأولى لـ”سقيفة بني ساعد” وحتى يومنا هذا حيث الظلم والطغيان والإجرام والدمار والعبث بمقدرات ومقدسات وأعراض المسلمين، كله لطمس حقيقة حقانيت خلافة وولايت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وأبنائه المنتجبين عليهم السلام أجمعين بإستهدافهم لحديث الغدير المبارك ووصايا رسول الله (ص) متوسلين بذلك بجهلاء القوم ومنحرفيهم وكذابيهم ووعاظ السلاطين وهواة الدنيا ومالها ومفاسدها .

فقد أمر رسول الله (ص) الناس لصنع منبر له في أطراف بركة الغدير ومن ثم أعتلاه وخطب فيهم خطبة قيمة وغراء، ثم رفع يدي الامام علي (ع) حتى بان بياض إبطيهما للناس:”ألا مَنْ كنت مولاه فعلي (ع) مولاه. اللهم والِ مِنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه… وأدِرْ الحق معه حيثما دار”؛ معلناً إياه أميراً للمؤمنين دون غيره من القوم، وأبناءه من بعده كل ذلك بأمر رباني وأقرار قرآني وبيعة عامة المسلمين في ذلك اليوم الميمنون؛ وتأكيداً من المصطفلا الأمين (ص) على علي (ع) يمثل الحق على نحوٍ لا يبقى هناك للباطل أي دور في حياته، ولهذا فإنه إذا انطلق، فسينطلق الحق معه، وإذا وقف فسيقف الحق معه، وإذا حارب فسيحارب الحق معه، وإذا عارض فسيعارض الحق معه، لأنه لن ينفصل عن الحق، ولن ينفصل الحق عنه في أي مجال.

ومن هذا المنطلق نرى ان واقعة الغدير تنطوي بعنوانها كميثاق للأمة ودستورها على خصوصيتين مهمتين :

  • الأولى: ظرفيتها فقد تزامنت مع آخر لحظات الرسالة الخاتمة حيث تجلت من خلالها أرقى حقيقة وجودية ألاّ وهي ” الولاية “؛ فقد كان لسان الحال فيها يقول “لا دين بلا ولاية “؛ لأنّ الدين المفرَّغ منها ماهيته مغايرة للحق والقانون الإلهي.
  • الثانية: مصداقها هو “ولي الله” المتصدي للدفاع عن حريم هذه الحقيقة الدينية والمتجلي في شخص من فدى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بنفسه.

إنّ مفهوم القيادة الذي جسدته واقعة الغدير يمكّن الأمة الإسلامية من صياغة وجود جديد يقيها الضياع ، ويشدّ على يدها مؤمنا لها المسير على صراط مستقيم، يضمن لها أطرا سليمة وقوانين إسلامية كانت قد هجرتها ردحًا من الزمن، رغم تحذيرات نبيها فعن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في خطبة حجة الوداع: “… لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض …

وطالما أن الدين وصل إلى كماله في واقعة الغدير ، فتبعا يكون الغدير محورا كماليا للأمة جمعاء وضربة قاضية للمشركين والكفار ومن سار على ديدنهم. وفي الوقت نفسه إغلاقاُ لباب الإعتذار أمام من سوّلت وتسوّل له نفسه تزييف الحقائق؛ وقالت سيدتنا فاطمة (ع): “… وهل ترك أبي يوم الغدير لأحدٍ عذرا …”.