حين تُجرى الإنتخابات في الدول الديمقراطية وتكون نسبة الذاهبين إلى صندوق الانتخاب ضئيلة بالنسبة لعدد الذين يحق لهم التصويت. يعكف المسؤولون على دراسة تلك الظاهرة ، ويقدمون الدراسات لمعالجة الأسباب التي أدت إلى عزوف المواطنين عن العملية الإنتخابية ، ويبحثون عن الحلول اللازمة لإصلاح الخلل، ويضعون المناهج والخطط والأساليب الجديدة التي تحفز المواطنين على الإقبال عليها باعتبارها حق من حقوق المواطن. وفي معظم الأحيان لايكتفون بما سبق بل يقومون بعقد ندوات شعبية لهذا الغرض ليستمعوا مباشرة من شعبهم عن الأسباب التي أدت إلى ذلك العزوف. أما في العراق فالأمر مختلف.

ففي الإنتخابات الأخيرة رفض مايقارب 70% من المواطنين العراقيين الذين يحق لهم الإنتخاب الذهاب إلى صناديق الإقتراع. وإن دلت هذه الظاهرة على شيء فمن المؤكد إنها إدانة واضحة للطبقة السياسية التي حكمت طيلة الأعوام السابقة والطامحة إلى الوصول للسلطة مرة أخرى رغم كل ذلك الفشل الكبير في إدارة الدولة العراقية. وقد مرت تلك المقاطعة الشعبية دون أن تلقى الإهتمام من هذه الطبقة مادام القاسم المشترك لها هو الوصول للمنصب بأي ثمن. ومن ثم تعبئة الجيوب والبطون بلذائذ الحياة على حساب الفقراء الذين خدعتم بالوعود المعسولة على مدى أعوام وأعوام دون أن تنتج شيئا يذكر.

فلا عزوف المواطنين،ولا نداآت المرجعية، ولا إحتجاجات الشعب، ولا تحذيرات ذوي الحكمة والمثقفين لها أثر يذكر في سيرة وسلوك هذه الشخوص الساعية للظفر بالمكاسب الشخصية والوصول عن طريقها إلى الثراء المحرم عن طريق إمتصاص دماء الفقراء. ومن تسيطرعلى عقله وروحه شهوة الظفر بالسلطة، ويتناسى مسؤولياتها وتبعاتها الأخلاقية، يستولي عليه هوس الرغبة الجامحة للسلطة وبالتالي يتعامى عن رؤية الحقيقة.

لقد مرت الأعوام وهي تلقي بكلكلها الثقيل على ملايين النفوس المتعطشة لحياة آمنة كريمة دون جدوى، وظلت حالة المواطن تراوح في مكانها إن لم تنحدر نحو الأسوأ.والذين يدعون إنهم نواطير الشعب لاهم لهم سوى إطلاق الوعود في الهواء على شاشات الفضائيات التي لو نطقت لقالت لهم كفاكم زيفا وكذبا هيا اغربوا عن وجهي لابارك الله بكم.

وثالثة الأثافي إن السمة الرئيسية لهؤلاء السياسيين على مدى هذه الأعوام الصعبة التي مرت هي إهدار الوقت ، وقتله في إتصالات مملة عقيمة لاتنتج إلا الخواء،والرجوع إلى الوراء وأحيانا يشدون الرحال إلى هذه العاصمة العربية أو تلك لأخذ المشورة من رؤوس تتآمر على العراق وتتباكى عليه وعلى شعبه وتصف العملية السياسية بـ ( المهزلة). ولو ذهب هؤلاء إلى جبهة المعارضة وفق الأساليب الديمقراطية السليمة لكشف الخلل وإصلاحه لصدقنا أقوالهم. لكنهم يعضون عليها بالنواجذ، ويتقاتلون من أجل الظفر بالمناصب حتى النفس الأخير ويتنصلون من عثرات وضعف العملية السياسية معتقدين إنهم كلما ماطلوا وراوغوا، وقضوا الأيام والأشهر في مباحثاتهم الداخلية والخارجية فإنهم سيحققون المزيد من المكاسب لهم ولأحزابهم .

وبات المواطن الذي يتباكون عليه في كل إطلالة من إطلالاتهم الكثيرة على شاشات الفضائيات يعيش في دوامة من الأزمات والتكهنات والإنتظار القاتل، ويتمنى من الله غروب هذه الوجوه التي ملأت الصدور قيحا ، والنفوس قذى نتيجة لعدم تطابق أفعالهم مع أقوالهم، وكما يقول المثل المعروف ( أسمع كلامك يعجبني ،أشوف أفعالك أتعجب .).

واليوم دخل تأريخ الإنتخابات الأخيرة في شهره الرابع، ووافقت المحكمة الإتحادية على النتائج ولم يزل مشروع الحكومة الميمونة المرتقبة يقبع خلف المسرح المجهول بعد أن ملأ الخاسرون فيها ساحات العراق صخبا وضجيجا، وأطلقوا لألسنتهم العنان في رفضها رفضا مطلقا ، حتى إنهم هددوا بتدويل شكاواهم واللجوء إلى الأمم المتحدة. ونتيجة لتلك الصرخات والإحتجاجات تم تشكيل لجنة عليا من لدن رئيس الوزراء لملاحقة المزورين وتقديمهم للمحاكمة ولم يظهر مزورون ولا محاكمات. وأسفر ذلك الصخب الذي أستغرق أسابيعا من الترقب والإنتظار عن تغيير بسيط لايتناسب مع تلك الضجة الإعلامية الكبرى التي أحدثوها، وضاع الكثير من الجهد والوقت والمال تلبية لرغبة أشخاص يسعون للفوز بأي ثمن.

وهاهي العديد من الندوات التلفزيونية اليومية تدور حول موضوع التحالفات والكتلة الأكبر ، ويتكرر الكلام الممل لمرات ومرات ، والأيام والأسابيع تمر، وصار المواطن العراقي يسمع عدة تصريحات متناقضة من نفس الأشخاص خلال يوم واحد ، والشعب يسمع ويرى ويتألم ويتحسرعلى هذا الوضع المزري. وأخذت شروط بعض الكتل تترى للدخول في الحكومة العتيدة القادمة، وهي تطالب بتعهدات مكتوبة من شركائها لتنفيذ مطالبها ومعظمها تدور في بوتقة التكتل الطائفي والعشائري والحزبي بعيدا عن مصلحة الوطن. وتؤكد الأنباء المتسربة من هذه الإجتماعات المارثونية إن الأحزاب الكردية على وشك تأليف وفد يضم 60 نائبا ويحمل معه حزمة ضخمة من الشروط للدخول في الحكومة القادمة.

فقيادات هذه الأحزاب تجيد ممارسة لعبة الإبتزاز إلى الدقائق الأخيرة للحصول على الهبرة الدسمة من جسد العراق المنهك. وبعض قادة السنة في محورهم الجديد لايختلفون عن قادة الأحزاب الكردية في شروطهم واشتراطاتهم. وكل هذا يدل دلالة واضحة إن حكومة المحاصصة تطرق الأبواب بعنف كسابقاتها من حكومات المحاصصة السيئة الصيت التي أوصلت الوطن إلى شفير الهاوية. ورأى المفسدون في تكوينها ضالتهم لنهب المزيد من أموال العراق ، وتحويل الوزارات إلى إقطاعيات للأحزاب والعشائر لتعيث فيها فسادا، وتُسحق فيها حقوق المواطن سحقا. أما الكتل الشيعية فإنها تعيش في حالة لاتحسد عليها من التخبط والصراعات والإنقسامات العلنية والسرية ومثلها كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة.

ورموزها بارعة في إلقاء اللوم على بعضها وكلما تتلقى النصائح من مسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تتحمل الكثير من الإساءات من وسائل الإعلام المعادية للوصول إلى كلمة سواء تخفف من تعنت شخوصها نحو بعضهم لكنها تُقابل بالجفاء والطعن في الظهر نتيجة لمواقفها المشرفة.ويتحول شعار (كلا كلا أمريكا) إلى (إيران بره يره) ولله في خلقه شؤون.وأنا هنا لاأدافع عن أحد بل أدافع عن الحقيقة.فكلما تزداد هذه الجبهة ضعفا تتكاثر عليها شروط شركائها .

فسائرون ومن معها سارعت إلى عقد إجتماع في فندق بابل باحثة عن (الكتلة الأكبر) ورغم المحاولات الأمريكية المتواصلة للخروج بنتيجة، والإتفاق على حيدر العبادي مرشحا للولاية الثانية لكنها فشلت بعد أن وجدت ( النواة ) فقط. وجماعة فتح ودولة القانون تقول إن (الكتلة الأكبر) في متناول أيدينا لكننا لسنا في عجلة من أمرنا لتكوينها. وقبل ذلك سمع الشعب منهم أقوالا كثيرة عن حكومة (التكنوقراط) و(الأبوية) و(حكومة الفضاء الوطني). و(حكومة الأغلبية السياسية) و(حكومة الأغلبية الوطنية) وربما ستظهر مسميات جديدة وهلم جرا.

وقد أخذت بعض الفضائيات تردد إن إحدى الجهات صارت تشترى النائب الذي ينضم إليها بمبلغ 250 مليون دينار لتكوين الكتلة الأكبر.ولو تأكد هذا الأمر فهو الطامة الكبرى.

ومصيبة المصائب إن كل من فرسان العملية السياسية يقدم نفسه على إنه عدو للفساد ومنقذ للشعب من محنته والعراق غارق في الفساد والمحن من رأسه إلى قدميه. ومن العار على حكام هذا الوطن أن تعيش البصرة عاصمة العراق الإقتصادية اليوم بدون ماء، ويتسمم بعض أهلها من شرب الماء الملوث وهي التي تنتج 60% من نفط العراق. وهذا مثل واحد على تردي حالة الشعب في الكثير من مدن العراق. ولا أجانب الحقيقة لو ذكرت إن كل هذه الصراعات هي سباق محموم من أجل السلطة والمال . ولو كانت من أجل الشعب والوطن لأصبح العراق بألف خير. ورحم الله الشاعر أحمد شوقي حين قال :

لايلم بعضكم على الخطب بعضا
أيها القوم كلكم أبرياءُ.

إن الزمن يمضي والعراق يعيش وسط عواصف هوجاء تهب عليه من كل مكان. والتدخلات الخارجية على قدم وساق. ورئيس الوزراء لم يترك فرصة إلا ويغازل بها الأمريكان ليمنحوه ولاية ثانية.والعراق يترنح نتيجة لهذه العواصف. فالمبعوث الأمريكي (بريت ماكغورك) يصول ويجول بين الأقطاب كمعلم يوجه تلاميذه في المرحلة الإبتدائية . وينقل لهم تعليمات سيده ترامب الصارمة ولا يخفي الناطق باسم القوات الأمريكية في العراق الكولونيل (شون رايان) أهداف أمريكا السرية والعلنية حين قال في مؤتمر صحفي:

(إن القوات الأمريكية سنبقي في العراق طالما رأينا أن هناك حاجة لها.)

ويشم من هذا التصريح أن أمريكا هي اللاعب الأول في العراق، وإن وراء الأكمة ماوراءها، وبإمكانها تغيير المسار السياسي وفق ماتشتهي سفينة ترامب وعصابته اليمينية المتصهينة مادام الشركاء على هذا المستوى من الضعف والتنافر العبثي الذي ينخر في جسد الوطن.ولا يمكن فصل دعوات (حكومة الطوارئ ) و(الإنقاذ الوطني ) التي تنطلق من بعض الأفواه المعروفة التي لها باع طويل في العمل مع وكالة المخابرات الأمريكية عن الرغبة في الوصول إلى حكم العراق بتدخل من القوات الأمريكية .

وإذا حدثت المعجزة، وإنتهى هذا المخاض العسير على خير وتم تأليف الحكومة فعلى الحكام الجدد أن يفهموا إن الشعب العراقي لايمكن أن يخدع مرة أخرى. ولم تعد لعبة مقولة (إني فاعل ذلك غدا) ستنطلي عليه بعد اليوم.

فياأيها السياسيون كفاكم الرقص على جراح الشعب العراقي، وعليكم أن تعلموا إن حكومة المحاصصة هي عدوة للشعب والوطن،وهي السبب الرئيسي لتفشي الفساد والفوضى والنكوص والسقوط في الهاوية. والشعب العراقي سيشن عليها الحرب بلا هوادة وبكل الطرق الممكنة لأنها معادية لآماله وهو قادر على إسقاطها لأن إرادته أقوى من إرادة الأمريكان ومن يسير في فلكهم .فلصبره حدود بعد أن طفح الكيل وبلغت القلوب الحناجر.