يصادف اليوم ذكرى ولادة الامام علي الهادي عاشر ائمة اهل البيت عليهم السلام في الخامس عشر من شهر ذي الحجة عام 212 هجرية، وبهذه المناسبة نسلط الضوء على جانب من سيرته المباركة.

الإمام الهادي (ع)، هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى الكاظم عاشر أئمة الشيعة الإمامية ومعروف بالنقي والهادي، وقد امتدت فترة إمامته 34 سنة منذ وفاة أبيه الامام محمد الجواد (عليه السلام) سنة 220 هجرية حتى استشهاده (عليه السلام) سنة 254 هجرية.

ومن ألقابه عليه السلام التي تعبّر عن محياه الكريم وسيرته الزكيّة النجيب والمرتضى والهادي والنقي والعالم والفقيه والأمين والمؤتمن والطيب والمتوكل.
يكنى بأبي الحسن الثالث ، وأبي الحسن الأخير تمييزاً له عن الإمام الكاظم (ع) المكنى بأبي الحسن الأوّل وعن الإمام الرضا (ع) المكنى بأبي الحسن الثاني.

ولادته وشهادته

ولد الإمام الهادي (ع) حسب رواية كل من الكليني والشيخ المفيد والشيخ الطوسي وابن الأثير بـصُريا – قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر (ع) – على ثلاثة أميال من المدينة المنورة، للنصف من ذي الحجّة سنة 212 هـ.

واستشهد سلام الله عليه – كما نقل الشيخ المفيد وغيره – بسرّ من رأى (سامراء) في رجب سنة أربع وخمسين ومأتين، وله يومئذ إحدى وأربعون سنة وأشهر، وكانت مدة إقامته في سامراء عشرين سنة وتسعة أشهر. وحددّت بعض المصادر الثالث من شهر رجب تاريخاً لشهادته عليه السلام .وهناك من أثبتها في الخامس والعشرين أو السادس والعشرين من جمادى الثانية.وكانت شهادته في عصر الخليفة العباسي الثالث عشر المعتز العباسي.

وقضى أكثر سنوات إمامته في مدينة سامراء، وكان ذلك بأمر من خلفاء بني العباس، وعاصر بعضهم أشهرهم المتوكل العباسي، وللإمام مرقد في سامراء يقصده المسلمون، وقد تعرض سنة 2006 و2007م لعمليتين تخريبيتين قامت بها مجموعات وهابية تكفيرية أدّت إلى تدمير القبة والمنائر بالكامل.

سجّلت المصادر الحديثية الكثير من الأحاديث المروية عنه في مجال تفسير القرآن والفقه والأخلاق بالإضافة إلى الزيارة الجامعة التي تحتوي على مضامين عقائدية، وتلقي الأضواء على قيمة الإمام ومكانة الإمامة في الفكر الشيعي.

واهتم الإمام الهادي عليه السلام بشأن اتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام، وعمل على تربّية واعداد الكثير من الشخصيات، منهم: عبد العظيم الحسني (المدفون في شهر ري جنوب طهران)، وعثمان بن سعيد (المدفون في بغداد وأحد سفراء الامام المهدي (عج) ، وعلي بن مهزيا (المدفون في اهواز).

موقف المتوكل من الإمام الهادي (عليه السلام)

كانت السياسة المعتمدة في البلاط العباسي قبل تولي المتوكل لسدة الخلافة قائمة على تأييد المعتزلة ودعم رجالاتها وهي عين السياسة التي اعتمدها المأمون العباسي من قبلُ في مقابل التضييق على أهل الحديث، مما وفرّ الأرضية المناسبة لتحرك العلويين سياسياً، إلاّ أنّ تسنم المتوكل لمسند الخلافة قلب الأمور على عقب، وعادت السطحية في التفكير والتضييق على المفكرين والمبدعين مرة أخرى حيث قرب المتوكل إليه أهل الحديث، وأقصى الاتجاه المعاكس لهم المتمثل بالمعتزلة والشيعة مع التضييق عليهم بشدة.

استدعاء الإمام (عليه السلام) إلى سامراء

سار المتوكل على نهج من سبقوه في التعامل مع أئمة أهل البيت (ع)، بل زاد على ذلك باستدعائه الإمام الهادي [عليه السلام] إلى دار الخلافة في سامراء وعزله عن أوساط الأمة، إنطلاقاً من التقارير التي وصلت إليه من قبل الوشاة والتي تحكي عن ميل الناس إليه (عليه السلام)

وأقام الامام أبو الحسن علي الهادي (عليه السلام) بـسر من رأى أكثر من عشرين سنة، وكان – كما ذكر الشيخ المفيد – مكرماً في ظاهر حاله يجتهد المتوكل في إيقاع حيله به، فلا يتمكن من ذلك. وقد تمكن الإمام الهادي (ع) طيلة وجوده في سامراء من النفوذ إلى قلوب الناس وانتزاع إعجاب كبار العلماء والمؤرخين من مسلمين وغيرهم على اختلاف نزعاتهم ونحلهم وميولهم من عبارات التقدير والإكبار لشخصه الكريم وشخصيته الفذة، والتي تمثل بعض صفاته الرفيعة وسجاياه الحميدة، وتفوّقه على سائر المعاصرين له، فلم ير مثله في عبادته وتهجده وطاعته لربه بالإضافة إلى زهده وتقواه، وحسن سيرته، وسلوكه القويم، ورسوخ اليقين في نفسه، وعلمه الجم وحكمته، وفصاحته وبلاغته.

إنّ المتوكل وإنْ حاول التظاهر بإكرام الإمام (ع) وتبجيله إلاّ أنّه بذل قصارى جهده للتقليل من مكانة الإمام [عليه (ع) والحطّ من منزلته بطريقة خفية في الأوساط العلمية والاجتماعية مظهراً للناس أنّه أحد رجال القصر والخادمين للسلطان، وأنّه لا يختلف عن غيره من هذه الناحية.

وفي الوقت نفسه كان يشدّد الرقابة على الإمام الهادي (ع) فقد نقل سبط ابن الجوزي عن المسعودي في كتاب مروج الذهب قال: نمي إلى المتوكل بعلي بن محمد (ع) أنّ في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم، وأنّه عازم على الوثوب بالدولة، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهاجموا داره ليلاً، فلم يجدوا فيها شيئاً، ووجدوه في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصى، وهو متوّجه إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن. وعلى هذه الحال حمل إلى المتوكل العباسي، وأدخل عليه، وكان المتوكل في مجلس شراب، وبيده كأس الخمر، فناول الإمام الهادي [عليه السلام] ، فردّ الإمام (ع) : «والله ما خامر لحمي ولا دمي قط فأعفني»، فأعفاه. فقال له: «أنشدني شعراً»، فقال الإمام [عليه السلام] : «أنا قليل الرواية للشعر». فقال: «لا بد». فأنشده الامام عليه السلام:
باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهم غُلْبُ الرجال فما أغنتهمُ القُلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم فأودعوا حُفَراً، يا بئس ما نزلوا
ناداهُم صارخ من بعد ما قبروا أين الأسرة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت منعمة من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا
وطالما عمروا دوراً لتحصنهم ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادخروا فخلفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت مَنازِلُهم قفْراً مُعَطلة وساكنوها إلى الأجداث قد رحـلوا
قال الراوي: «والله لقد بكى المتوكل بكاءً طويلاً حتى بلّت دموعه لحيته!. وبكى من حضره، ثم أمر أن يرفع الشراب، وأمر بإرجاع الإمام (عليه السلام) إلى داره مكرماً».

بعد وفاة المتوكل العباسي تولى الحكم ابنه المنتصر ستة أشهر، وهو الذي أحدث الانقلاب على أبيه المتوكل بالاشتراك مع قواد جيشه فقطعوه إربا إربا مع وزرائه وندمائه وحاشيته وهم على مائدة الشراب والغناء، وذلك سنة 248 ه‍. وبمجيئ المنتصر خفّ الضغط على الإمام (عليه السلام) خاصة والعلويين عامة في سامراء وأحسن إليهم، حيث كان المنتصر يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادة مذهبه طعناً عليه ونصرة لفعله، وإن بقي موقف بعض الوزراء والأمراء خارج سامراء على حالة من الضغط على اتباع اهل البيت ومحاربتهم.
وكان لهذا التخفيف ورفع القيود النسبية عن حركة الإمام (عليه السلام) دور في إعادة تنظيم واقع اتباع اهل البيت في سائر البلدان.

ثقافة الدعاء والزيارة
اعتمد الإمام الهادي [عليه السلام] الدعاء والزيارة كطريقة للتثقيف على معارف الدين والتربية وفق معارف المدرسة الإمامية حيث ضمن تلك الأدعية التي تمثل الانفتاح على الله تعالى والتوسل إليه مجموعة من الأفكار والمضامين العقائدية والسياسية والاجتماعية مما كان له الأثر الكبير في حياة الشيعة الإمامية على جميع المستويات.

زيارة الجامعة الكبيرة
هذه الزيارة من أشهر زيارات الأئمة الطاهرين (ع) وأعلاها شأناً وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، فقد حظيت بأهمية خاصة بين الأدعية والزيارات المأثورة عن أئمة الهدى (ع)، وقد أقبل أتباع أهل البيت (ع) وشيعتهم على حفظها وزيارة الأئمة (ع) بها؛ لأنها تشتمل على كلام فريد يزخر بالمعارف الإلهية السامية، ويبيّن حقيقة الإمام الذي يمثل الحجّة التامة للحق على جميع العالمين، والجامع لكل الخير والمحاسن، والنموذج الكامل للإنسان، وقد جاء كل ذلك في أرقى مراتب البلاغة والفصاحة.

من أقوال وحكم الإمام علي الهادي (ع)
● قال (عليه السلام): من اتقى الله يتقى ومن أطاع الله يطاع ومن أطاع الخالق لم يبال سخط المخلوقين ومن أسخط الخالق فلييقن أن يحل به سخط المخلوقين.
● 
قال (عليه السلام): إن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحده والأبصار عن الإحاطة به نأى في قربه وقرب في نأيه كيف الكيف بغير أن يقال كيف وأين الأين بلا أن يقال أين هو منقطع الكيفية والأينية الواحد الأحد جل جلاله وتقدست أسماؤه.
● 
قال (عليه السلام): الشاكر أسعد بالشكر منه بالنعمة التي أوجبت الشكر لأن النعم متاع والشكر نعم وعقبى.
● 
قال (عليه السلام): إن الله جعل الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى وجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا.
● 
قال (عليه السلام): إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه وإن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه.
● 
قال (عليه السلام): من جمع لك وده ورأيه فاجمع له طاعتك.
● 
قال (عليه السلام): من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره.
● 
قال الإمام الهادي (عليه السلام): الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون.
● 
قال (عليه السلام): خير من الخير فاعله، وأجمل من الجميل قائله، وأرجح من العلم عامله.
● 
قال (عليه السلام): من سأل فوق قدر حقه فهو أولى بالحرمان.
● 
قال (عليه السلام): الحلم أن تملك نفسك، وتكظم غيظك مع القدرة عليه.
● 
قال (عليه السلام): الناس في الدنيا بالمال، وفي الآخرة بالأعمال.
● 
قال (عليه السلام): من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه.
● 
قال (عليه السلام): شر الرزية سوء الخلق.
● 
قال (عليه السلام): الجاهل أسير لسانه.
● 
سئل (عليه السلام) عن الحزم؟ فقال (عليه السلام): هو أن تنظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك.
● 
قال (عليه السلام): العتاب مفتاح التعالي، والعتاب خير من الحقد.
● 
قال (عليه السلام): الحسد ماحق الحسنات، والزهو جالب المقت.
● 
قال (عليه السلام): العجب صارف عن طلب العلم، وداع إلى الغمط في الجهل.
● 
قال (عليه السلام): البخل أذم الأخلاق، والطمع سجية سيئة.
● 
قال (عليه السلام): اللجاجة مسلبة للسلامة، ومؤدية للندامة.
 

المصدر :شبكة الكفيل