“حديقة حيوانات… وخزانة أحذية”، عنصران إضافيّان في السهرة، وضَيْفان يحضران في الجلسات، حيث من المفترض أن “العقلاء” يتحادثون، يتبادلون الكلام، يطرحون المعطيات، يسردون ما لديهم من هنا وهناك، أحدهم قد يُشَرِّق والآخر قد يمضي غرباً، فبالكلام يصبح السفر سهلاً والسياحة يسيرةً والبعيد قريباً، وتتذلل العقبات أمام التجول، ويغدو الإسهابُ بمتناول الألسنة لا عائق يردعه ولا حواجب تحول دون استفحاله واستعماقه.

وفي إطار هذه التسهيلات التي يوفرها عنصر الكلام، والعروضات التي يُؤمِّنها بسخاء مُيَسَّر، لا يفوت على البعض أن يغرف من هذا العطاء المُستَفيض ويستفيد من خدمة “الاستنساخ”، ويستخدمها بسلاسةٍ دون أن يعترضه أي حياء في البَيْن، لِيُطلق العنان لعمليات استنساخية كذائيَّة يُحَوِّل من خلالها – وبسرعة فائقة – هذا الى “حمار”، وذاك الى “جحش”، والآخر الى “دب”، ولا ينسى العروج الى “البغل”، “الكلب”، “الخنزير”، “الحَيَّة”… كما يمكن الاستعانة ببعض الجمادات: “سرماية”، “تْرين (القطار)”، “شَتْلي”، “طَفّاية”… وغيرها من المصطلحات المُستعان بها لتحويل الكائن البشري الى كيانات أخرى لها صفات معينة تُلَبّي مطالب الناعت وتشفي غليله.

بعد هذا السَّرْد، لا بأس بالتوقف اليسير وتوجيه تعليق عام عساه يكون مفيداً لنا في دنيانا وآخرتنا.

حالتان عريضتان قد تُطرحان في هكذا سياق:

  • أولاهما: أن يكون المنعوت بريئاً ولا يستحق أي توصيفات كذائية أو تقييمات سلبية، فهنا يكون الناعت كاذباً مُفترِياً… والويل له من عذاب الله وغضبه.
  • ثانيتُهما: أن يكون المنعوت قد أخطأ مع الناعت، بطريقة أو بأخرى (غَصْبُ حقٍّ أو أي ظلم آخر)، فهذا ليس مُسَوِّغاً لأن يطلق العنان للسانه قد يبدأ باستنساخ الطرف الآخر مُحَوِّلاً إياه لكيانات آخرى، وهنا نستحضر بعض التفريعات المفيدة في هذا الصَّدد. عند التفوه بتعابير غير لطيفة والتوغل باستنساخات غير مؤدبة سنجد ما يلي:
    • أولاً: لن يتم استرجاع الحق المغصوب.
    • ثانياً: يقوم “المُتَفَوِّه” بهذا الكلام بتشويه صورة نفسه والهبوط الى مرتبة متدنية في الحوار والى وضعية هابطة من التعبير بحيث يصدق عليه أنه إنسان “غير مؤدب” و”غير محترم”.
    • ثالثاً: الشخص المنعوت لن يتضرر – مبدأيّاُ وظاهريّاً – بالكلام المُوَجَّه إليه، بل أنه قد يخرج مستفيداً من الناحية الأخروية. وعليه، إذا كان الناعت صاحب حقٍّ في البداية، سيصبح – بعد النعت – في وضعية ليست صافية لصالحه، من حيث أن المنعوت أصبح – بدوره – صاحب حقٍّ من زاوية مختلفة كونه تعرَّض لنوعٍ من الإساءة والتوهين من “صاحب الحق الأساسي”. فَيُصْبِحان – أي الناعت والمنعوت – كأنهما “شبه متعادلَيْن” بالنتيجة مع فارق أن الناعت سجل هدفاً في مرماه (نقول “شبه” مراعاةً لاختلاف حجم الحق بين الطرفَيْن).

وعليه، نستطيع تشبيه عملية “الاستنساخ اللفظي الدَّنيء” كَمَنْ يقوم بإطلاق الرصاص على نفسه، أو بتسجيل هدف في مرماه (كما أُشير أعلاه)، فهو يقوم بتخفيض شأنه ومكانته ولعله يرفع من شأن “خصمه” ومكانته (من حيث يدري أو لا يدري).

استطراداً، لا بأس بهذا المثل المُجَسِّد: فَلْنَفترض أن مجموعة من الأشخاص ذهبوا للقاء مرجع ديني، وأثناء الجلسة وخلال كلام المرجع، تطرَّق – الأخير – لبعض الظلمة في إطار تقديم موعظة أخلاقية ونحوها، فهل يتوقع أحد أن يقوم المرجع بتوصيف هذا الظالم أو ذاك بتوصيفات غير مؤدبة أو ما شابه؟ قطعاً أنه من المستبعد استبعاداً شديداً أن يصدر من المرجع تعابير نابية، وطبعاً ليس احتراماً للظالم، وإنما مقتضيات التأدب والاحترام والانضباط المسلكي تفرض على المتكلم أن لا يتفوه بكلمات رديئة بصرف النظر عن الطرف المنعوت وماهيَّته الأخلاقية والمسلكية ومنحاه الأدبي والتعاملي.

ومن المفيد التوضيح لمسألة مهمة، منعاً للاشتباه ولعدم أخذ الأمور بطريقة خاطئة: ليس المطلوب – أبداً – أن يتم السكوت عن الخطأ، وإنما المراد أن يُسلَك السبيل المناسب والمشروع لاسترداد الحق وتصويب الأمور. ومن المتوقع أنه باستخدام “الاستنساخ اللفظي المقيت” لن يتم استرجاع الحق، وسيُصار الى تصغير الذات وإلحاق الشخص الضرر بنفسه… فَتَنَبَّهوا رحمكم الله.

إِذاً، الموضوع يُعايَن من جهة نوعية الكلام المُوَجَّه بصرف النظر عن المُرْسَل إليه، فعندما يكون الكلام ذات طابع انحطاطي فهو مرفوض عند ذوي الألباب والعقول الراقية ويَحُطّ من مكانة “المتكلم” وإن كان المخاطَب أو المعني بالتوصيف ظالماً ويستحق العقوبة… فأين المُتَأَمِّلون؟

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ].