هناك علاقة سياسية متوترة بين سوريا و الإدارة الأمريكية ، هذا لم يعد سرا و لا أمرا جديدا ، متوترة لان المصالح متضاربة و متعارضة ، متوترة لان سوريا تمثل موقعا و حضنا لمقاومة كل المشاريع المجافية للمصالح الأمة العربية ، و سوريا باختيار هذا الموقع أو الكرسي الهزاز إن صحت العبارة ، لم تختره هامشيا و بدون مبرر ، بل كان اختيارا مدروسا نابعا من الفكر البعثى ، و من نظرة قياداتها السياسية المتعاقبة إلى واقع الشرق الأوسط ، لذلك لم تتغير سياسة سوريا و لا مبادئها و لا توجهاتها ، و الإدارة الأمريكية التي اختارت من البداية الاصطفاف مباشرة مع العدوان الصهيوني على العرب ، كانت تدرك و تحترم في الآن نفسه التوجه السياسي السوري رغم كونه يتعارض مع طموحاتها التوسعية في المنطقة ، على خلاف مواقفها من كل الأنظمة الإقليمية التي تتميز بالازدراء و اللامبالاة و قلة الاحترام .

منذ سبعة سنوات تقريبا ، قرر ” أصدقاء سوريا ” ، أعنى هنا الولايات المتحدة و إسرائيل تحديدا ، البقية هم كومبارس ، إسقاط النظام السوري ، رأس النظام تحديدا ، كان مطلوبا من توابع الخليج و تركيا تنفيذ هذه الخطة الدموية ، و هذا ما حصل ، مجلس اسطنبول ، الائتلاف السوري ، مؤتمر “أصدقاء سوريا ” ، الاعتراف بالائتلاف ، إعطاءه السفارات السورية ، تمكينه من ” الشرعية” ، الاستماع إلى معاذ الخطيب في مؤتمر الدوحة ، قطع العلاقات نهائيا مع سوريا ، المطالبة بالتدخل العسكري الغربي ، اصطناع مشكلة الكيمائي ، تهريب القيادات المتآمرة العميلة من سوريا ، الغطاء السياسي للضربة الصهيونية في سوريا من طرف الجامعة العربية بقيادة العميل نبيل العربي ، مطالبة العميل خالد مشعل و بعض القيادات الفلسطينية الأخرى بمغادرة سوريا إلى قطر ، استصدار القرار الدولي 1559 إضافة إلى قانون محاسبة سوريا الخ …كانت كلها مراحل تنفيذ هذه الخطة ، لكنها فشلت تماما في انتزاع انتصار واضح واحد يجر القيادة السورية إلى طاولة الاستسلام المعدة سلفا و التي كانت ستنقلها قنوات الصهاينة على الطريقة الهوليودية المعروفة .

مع الوقت ، تمت عملية الفرز ، و ظهرت عناوين المؤامرة ، و بات في حكم المعلوم أن ما حصل ليست ثورة ، و أن من واجه الجيش و النظام السوري هي مجموعات إرهابية سلفية مدربة ، مسلحة ، موجهة ذهنيا من القرضاوى و أتباع ملته مثل راشد الغنوشى و محمد المرزوقي إضافة إلى بعض رموز الخيانة الذين تمولهم السفارات الأمريكية و الأوروبية ، بل ظهر للعالم أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تساند و لن تساند يوما ثورة ، و أن الديمقراطية الأمريكية ليست إلا مزحة فاقدة للنكهة ، العراقيون يعلمون بالتجربة هذا الأمر ، و أن الصـــراع في سوريا هــو صراع بين النظام الرافض للهيمنة الأمريكية الصهيونية و الإرهاب ، بين المقاومة و محاولات التركيع ، بين محور القومية العربية و محور الرجعية الصهيونية العربية ،تلاحظون تراجع حدة التصريحات ، و النوايا ، بحيث لم يعد هناك مجال لمغادرة الأسد ، أو للحوار بدون الأسد ، أو لمؤتمر سياسي تحت الشروط و الضغوط ، أو لبديل للأسد يجلس مع أزلام المعارضة الاصطناعية السورية ، تلاحظون أنه لم يعد هناك حديث عن الائتلاف السوري المعارض ، عن سوريا ” المستقبل ” ، كل العناوين البراقة الجذابة الكذابة التي ملأت بها محطة الجزيرة صدور المتابعين الغفلة المغرر بهم ، و تلاحظون أن جماعة 14 آذار فى لبنان لم يعد لهم وجود فاعل فى الحدود السورية و لم يعد يهمهم ما يحصل ، و لم تعد هناك عناوين و خطب معــينة فـي نشرات أخبار محطة ” المستقبل” تخص “الثورة” السورية ، الكل يعانى حالة جزر في الخطاب ، الكل يبتلع لسانه ، الكل مرتبك ، الكل يحاول فهم و استقراء المستقبل ، الكل يسأل العرافة اللبنانية الشهيرة السيدة ماجى فرح عن احتمالات الغد .

لنترك الأمر لصاحب الأمر و نحاول فهم المشهد ، من وقفوا ضد سوريا هم نظام الخليج ، تركيا ، الأردن ، تيار المستقبل ، إسرائيل ، الولايات المتحدة الأمريكية و بعض الغرب ، هؤلاء جميعا دخلوا حربا خاسرة من البداية لأنهم لم يدركوا حقيقة التاريــخ و الجغرافيا، و في علم السياسة و الإستراتيجية السياسية هذه كارثة و مشروع كارثة ، فالنظام السوري ، خلافا لكل أنظمة الخليج ، هو نظام عقائدي لا يتغير مهما حصل ، و هو يخير المجابهة مهما كانت عنيفة أو دموية إلى النهاية و لا يتراجع، تراجعه تكتيكي محض و ليس تراجعا في الإستراتيجية و لا في التوجه السياسي ، تذكرون موقف الرئيس حافظ الأسد في لقاء جينيف مع الرئيس كلينتون على سبيل المثال ، لذلك فمن يواجه العقيدة السورية عليه معرفتها و سبر خفاياها و استنتاج ما يجب استنتاجه قبل الدخول في معركة مع النظام ، و المتأمل في خطب الرئيس الأسد من البداية كان يلاحظ تصاعد نبرة التحدي ليس انخفاضها ، و هذا مؤشر هام و معبر لم يلتقطه حلفاء المؤامرة و ربما فهمه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري متأخرا في تلك المواجهة الشهيرة مع نظيره السوري وليد المعلم ، هذا الأمر يلاحظ في خطب سماحة السيد حسن نصر الله فترة عدوان جويلية (تموز) 2006 لأنه حزب عقائدي لا يتراجع ، هذا الأمر مهم في فهم طبيعة الطرف المقابل لم يصل إلى فك شفرته أعداء سوريا ، لذلك كانت الخيبة لأعوان الخليج و تركيا و 14 آذار و الأردن تحديدا .

ثم إن مفهوم المقاومة كخيار سوري لم ينطلق من فراغ ، فالشعب السوري له تاريخ مع مقاومة الاستعمار ، و سوريا تعرضت إلى العدوان الخارجي مرات عديدة بحيث نشأت في الوجدان السوري ثقافة المقاومة ، و أصبحت جزءا لا يتجزأ من شخصية المواطن السوري، بحيث أن القيادة السورية ملزمة بخيار الشعب و مع الوقت تحول هذا الخيار إلى مشروع يحتاج إلى مقومات النجاح و من ثم حاول الرئيس الراحل حافظ الأسد رحمه الله أن يكيف القدرات العسكرية و الاقتصادية و السياسية السورية مع متطلبات هذا المشروع ، و أن يبحث عن إسناد من حلفاء يعتقدون في خيار المقاومة و يستعدون دائما لمواجهة الصهيونية العالمية في الوقت و الزمان المناسبين ، هذه العقيدة و الخيار لا يملكهما أعداء سوريا ممن ذكرت و ممن لم أذكر ، لذلك فشلت المؤامرة قبل أن تبدأ و كان جليا من البداية أن النظام سيصمد و أن “الثورة الذريعة ” ستنتهي إلى مزبلة التاريخ ، و أن متآمرى الخليج سيصطدمون بالحائط في نهاية المطاف.

ماذا بقى من المؤامرة اليوم ؟

فلول إرهابية تتقاتل فيما بينها ، قرضاوى في العراء ، قطر منبوذة، قنوات بلا متابعين ، إخوان محظورون ، ائتلاف ممزق ، و “هاربون” من سوريا يتجرعون مرارة الخيانة و سقوط الوعود القطرية الكاذبة ، تركيا مشتعلة مع اقتصاد متآكل منهار، فشل مشروع الإسلام السياسي و سقوطه في أكثر من بلد عربي بما فيها سوريا ، رجوع مصر العربية إلى حضن العروبة ، جماهير عربية ترفع العلم السوري ، رحيل حمد بن خليفة ، هيلارى كلينتون ، نيكولا ساركوزى ، فرانسوا هولاند ، باراك اوباما و سعود الفيصل الخ ، الأردن في مهب الريح ، 14 آذار تقضم الأصابع ، سقوط سياسة النأي بالنفس اللبنانية و رحيل الرئيس اللبناني العميل ميشال سليمان ، كتاب الأجرة و محللون الضلالة مثل محمد كريشان و عزمي بشارة و عماد الدين أديب يتلعثمون، انتهى كل شيء ، نهاية المحطة أيها العملاء الخونة ، فلينزل جميع الخونة و العملاء إلى الجحيم .