في حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم 22 أيلول عام 1980 كنت أمارس عملي كمعلم في مدرسة الخليج العربي في الكوت. حين سمعت هدير طائرات حربية في الأجواء. ولم يدم الإنتظار حتى قرأ المذيع ( مقداد مراد ) من دار الإذاعة العراقية وتلفزيون بغداد البيان رقم واحد الذي تضمن هجوما شديدا على الجمهورية الإسلامية الإيرانية .وطالب الشعب العراقي والعرب بالإشتراك في ( قادسية العرب الكبرى .) واعتبر تلك الحرب هي الطريق لتحرير فلسطين.

وبعد فترة قصيرة حضر إلى المدرسة أحد البعثيين بملابس الزيتوني و يحمل بيده رشاش كلاشنكوف. وطالب مدير المدرسة إخراج التلاميذ من المدرسة والذهاب إلى بيوتهم. وتوجه المعلمين إلى الفرقة الحزبية التي كانت قريبة من المدرسة. بعد أن سجل أسماءنا في ورقة ووضعها في جيبه. وقال لنا بالحرف الواحد .

( أنتم اليوم جنود في قادسية صدام التي هي قادسية العرب جميعا بأمر القائد المنصور بالله صدام حسين حفظه الله ورعاه. وهذه القادسية العظيمة هي وسام على صدر كل عراقي وعربي يشترك بها) واستعمل بعض الكلمات النابية ضد الجمهورية الإسلامية والإمام الخميني رحمه الله.

ومن الفرقة الحزبية تم حشرنا في بناية . وافترشنا الأرض لثلاثة أيام . ثم تم سوقنا إلى معسكر للتدريب تمهيدا لنقلنا إلى جبهات القتال.

وانكشفت بعض الأسرار العسكرية عن تلك الحرب التي شنها صدام ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية .حيث قامت أسراب من الطائرات الحربية العراقية تقدر بـ200 طائرة بالهجوم على كافة المطارات الإيرانية . وكان القصد من الهجوم شل الطيران الإيراني الذي كان يعاني من نقص كبير في قطع الغيار. وتدميره على الأرض مثلما دمر الطيران الحربي الصهيوني القوة الجوية المصرية في الخامس من حزيران عام 1967م. وزج النظام الصدامي عشر فرق عسكرية داخل العمق الإيراني .حيث كانت الحدود مفتوحة . والجيش الإيراني يعاني من التشتت والضعف بعد فصل العديد من قياداته. حتى إن بعض الضباط العراقيين أصابهم العجب من ذلك الأمر.

وقف العرب والغرب وعلى رأسها أمريكا مع النظام الصدامي تسليحيا وماديا وإعلاميا..وأخذت الأسلحة تترى على العراق من مختلف أنحاء العالم. وفتح العرب خزائنهم لبقاء أوار تلك الحرب مشتعلا حتى تدمر مقدرات البلدين الجارين .

لقد كتب المختصون في الشؤون العسكرية الكثير من الدراسات عن تلك الحرب العبثية التي أهلكت الحرث والنسل ودمرت إقتصاد البلدين. وقد عايشت تلك الحرب بكل مآسيها، ودونت مشاهداتي عن الأهوال الرهيبة لتلك الحرب على الطبقات المسحوقة من الشعب العراقي في كتابي : (حرب وسجن ورحيل .).

وضعت الحرب أوزارها في 8/8/1988 بعد أن أجهزت على الأخضر واليابس ، وقضت على مليون إنسان من البلدين ولم يبق أمام الدكتاتور المهزوم والجنرال المزيف وأجهزته القمعية بعد تلك الحرب المدمرة التي حولته إلى غراب ينعب على خرائب العراق وفي نفس الوقت إلى وحش كاسر تغلي نفسه المتعطشة إلى الدماء سوى شعبه الأعزل بملايينه المعدمة التي سفكت الحرب من دمائها أنهارا فبقي جاثما كالكابوس على صدور تلك الملايين المحرومة البائسة. فبدأت أجهزته الدموية فصلا جديدا في الإضطهاد والقمع.

ومن المؤلم لكل عراقي شهد تلك المأساة وما زال حيا يرزق وهو يرى بعينيه كيف أن جراح الشعب العراقي مازالت تنزف وتنزف إلى هذه اللحظه رغم أطنان الوعود التي سمعها و شبع منها من الذين استلموا الحكم بعد سقوطه إلى يومنا هذا.

وعلى أثر تلك المؤامرة الكبرى على الشعب العراقي مدت أمريكا أذرعها الأخطبوطية في المنطقه، وصدرت الأسلحة التي تقدر بعشرات المليارات من الأسلحة ألى الكويت والسعودية والإمارات والبحرين وقطر وقدرها الخبراء عام 1993 ب 46 مليار دولار .

يقول الصحفي البريطاني روبرت فيسك : (أن القوات العراقية لم تكن سر قوة صدام . بل العالم الغربي هو الذي زوده بالقوة .. كانت بريطانيا ترسل إليه مواد نوويه كما لو كان يخطط لإنتاج ترسانة ضخمة من الأسلحة . وكانت أمريكا تدفع الأموال . ويزوده الاتحاد السوفيتي بالدبابات والمدرعات التي احتل بها الكويت . وبعد هزيمته في الكويت سمح له الغرب بتدمير شعبه في الجنوب والشمال وفي ذكرى غزوه الفاشل في عام 1991 قال : ( أن العراق ربح صراعا تأريخيا كبيرا ) أما الرابح الحقيقي فكان الغرب الذي روج لأسلحته ومعداته ووضع قدمه في المنطقه. )

وبعد أن فتحت الحرب على إيران شهيته في شن حروب أخرى. فاحتل الكويت بعد عشر من الأعوام وكانت التكملة لتدمير العراق تدميرا كاملا.

بدأ وزير خاجية النظام الصدامي (ناجي صبري الحديثي ) ومن قبله (طارق عزيز ) و(محمد الدوري ) مندوب العراق في الأمم المتحده ووزير إعلامه ( محمد سعيد الصحاف ) والآلة الإعلامية يغازلون أمريكا والغرب بعد الحرب الثانية بسنة واسترجاع الكويت. وقدموا نظامهم على إن ( نظام سيدهم نظام وديع لايرغب في الحروب التي فرضت عليه فرضا !!! )و(إن احتلال الكويت كان حالة إضطرارية بعد أن أغلقت جميع السبل بوجهه. وكان من الممكن حل القضية بالحوار العقلاني لولا تعنت شيوخ الكويت . وعلى أمريكا أن تدرك الخطر الكبير الآتي من الشرق ومن نظام الخميني في طهران الذي يهدد المنطقة. ومن أجل أثبات حسن نواياه فأنه مستعد لإعادة جميع المسروقات الكويتية وأن العراق يمد يده لجميع دول العالم التي تتفهم موقفه، وتبتعد عن الروح العدوانية !!! .)

لكن أمريكا رفضت تلك الادعاءات جملة وتفصيلا بعد أن خبرت الابن الضال. ولم تعد تطمئن إلى مزاجه المتقلب والوثوق به. وكانت تلك الدعوة من النظام العراقي مطابقة للرسالة التي وجهها رئيسه للرئيس الإيراني المرحوم ( هاشمي رفسنجاني ) في بداية احتلاله للكويت. وخاطبه بجملة: (نحن وإياكم اليوم في خندق واحد ضد أعداء الله وطغاة العصر الحديث أمريكا ومن يسير في فلكها!!! .) أما في داخل العراق فكان الأمر يمضي بصورة معكوسة تماما فقد أطلق النظام عصاباته لقمع الشعب حيث كان يقبض على الجنود الهاربين من جحيم تلك الحرب. وتجدع أنوفهم، وتقطع آذانهم ويعدم بعضهم في زنزانات سرية. وتذوب أجسادهم في أحواض التيزاب. والتهمة (الهروب من المعركه ).

وعن الحصار يقول أحد الباحثين: ( إنهار الاقتصاد العراقي وبلغ معدل التضخم في عام 1994 (24000 %) وتم تسريح ثلثي القوى العاملة، وتمزقت الحياة العائلية نتيجة ارتفاع معدلات الجريمة والعنف الاجتماعي وحالات الانتحار والسرقات، وجنوح الأحداث وظواهر أخرى تؤكد الخلل الخطير في بنية المجتمع العراقي .

المصدر: ألمعرفه –ملفات خاصة 2001-آثار الحصار على العراق. إعداد (أمين شحاته).

ثم يستطرد الباحث في كلامه ليقول: (لقد عانى العراقيون من تدمير البنية التحتية لبلادهم من محطات أتصالات ، وكهرباء ، ومصانع ، ومعامل، ومنشآت نفطية ، ومخازن للحبوب ،ومواد تموينية ، وأسواق مركزية ، ومحطات ضخ المياه، وترك العراق أكثر من 23 ألف باحث وعالم وأستاذ جامعي وطبيب متخصص ومهندس مرموق تركوا العراق لينضموا ألى مليونين ونصف يعيشون في المنافي. ) نفس المصدر.

وبدأت مجموعات كبيرة من العراقيين تبيع كل ماتملك لتحصل على جواز سفر. وقسم منهم يهرب عن طريق شمال العراق أو إيران في اتجاهات الأرض الأربعة تبتلع بعضهم حيتان البحار ووقعوا بأيدي عصابات التهريب الإجرامية لتحشرهم في مراكب متهرئة قديمة بحثا عن مكان يأويهم بأمان لأن وطنهم تحول إلى كتلة من الجحيم يعيث فيه الحاكم وعائلته وعشيرته وأزلامه فسادا وظلما.

وأشارت تقارير اليونسيف إلى أن الوفيات بين الأطفال قد بلغت حدا مخيفا وأصبحت من أعلى المعدلات في العالم. وبدأ سوء التغذية يؤثر في كل طفل دون الخامسة في العراق. وقد ارتفع عدد أبناء الشوارع من الأيتام الذين فقدوا آباءهم في الحرب بعشرات الآلاف ودمرت شبكات الصرف الصحي ومحطات المياه الصالحة للشرب. وبدأ العراق يفقد 4500 طفل دون الخامسة من العمر في كل شهر حسب تقديرات المراكز البحثية المتخصصة .وزعيمة العالم الحر أمريكا تتفرج على المشهد الكارثي الذي سببته آلتها الحربية وكأن الأمر لايعنيها لامن بعيد ولا من قريب بعد أن رجعت حبيبتها الكويت إلى حضنها وعاش شعب بأكمله في أتون كارثة إنسانية كبرى أمام أنظارها وأنظار حلفائها. فلماذا فرض الأمريكان وحلفائهم وأتباعهم ذلك الحصار الرهيب على الشعب العراقي وتركوا حاكمه يصول ويجول ويجرب كل ساديته على شعبه؟ وكيف يمكن لشعب جائع مريض أن ينتفض على طاغية متمرس في سفك الدماء لايأبه بملايين الأرواح في حروبه من أجل بقائه على كرسي الحكم إلى نهاية حياته؟ والجواب على هذا لقد كانت كل الدلائل تشير إلى أنها كانت مؤامرة كبرى محكمة الخيوط على الشعب العراقي ليصبح شعبا ضعيفا جائعا تفتك به الأمراض ويعيش حالة بؤس حقيقية بحرمانه من كل ضروريات الحياة لعشرات السنين.

ولا أدري كيف أن أمريكا تريد اليوم ( الديمقراطية ) للعراق بعد كل هذه الكوارث الرهيبة التي سببتها وما زال ضحايا حروبها بين طيات الثرى. ومن بقي حيا فقدت أعضاء حيوية من جسمه ودخل مرحلة الكهولة بعد أن كان شابا يافعا وما زال يعيش عيشة القرون الوسطى وله أولاد ولا يملك غرفة واحدة يأوي إليها هو وعائلته. وأعرف منهم الكثير.

لقد كانت الحرب التي شنها صدام على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بداية مؤامرة تدمير العراق وهذا الذي حدث.