تصادف اليوم السابع من ذي الحجّة ذكرى اليمة على قلوب محبي اهل بيت النبوة والرسالة سلام الله عليهم الا وهي ذكرى شهادة خامس اهل البيت الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام.

نسبه الشريف: محمد بن علي السجاد بن الحسين الشهيد بن امير المؤمنين علي بن اب طالب عليهم السلام. أما أمه فهي فاطمة بنت الإمام الحسن بن علي (ع) أي أن أباه زين العابدين (ع) كان متزوجاً من أبنة عمه ، فالإمام الباقر (ع) كان أول هاشمي من هاشميين ، وعلوي من علويين ، وفاطمي من فاطميين .

وكنيته أبو جعفر الأول ، والقابه شبيه النبي، الزاهر، الباقر، الشاكر لله، والهادي. لقب الامام محمد بن علي السجاد عليه السلام بالباقر، اي المتبحر بالعلم، المستخرج لغوامضه ولبابه واسراره والمحيط بفنونه.

ولد الامام محمد الباقر في غرة رجب الاصم من عام 57 للهجرة، ونقش خاتمه، العزة لله جميعاً، ومدة امامته بعد وفاة أبيه تسع عشرة سنة وشهرين.

وقد شهد عليه السلام في بداية حياته الشريفه واقعة الطف ، ومجزرتها على أيدي الجيش الاموي ، وعاش المحنة التي مرت على اهل البيت في طفولته ورافق الرزايا والمصائب التي توالت على أبيه زين العابدين (ع) وبعد أبيه ما يقارب العشرين سنة من حكام الجور في ذلك العصر..

وقد رحل أبيه الامام السجاد عليه السلام الى جوار ربه الاعلى سبحانه عام  95 هجرية شهيدا مظلوما فنهض الامام الباقر عليه السلام بأعباء إمامة المسلمين وقد امتدت امامته تسع عشرة سنة قضى زهاء السنتين منها في حكم الوليد بن عبد الملك وسنتين في عهد سليمان بن عبد الملك – هي مدة حكمه – ثم تولى عمر بن العزيز الخلافة فحدث تحول كبير في سياسة الدولة الاموية، ورغم قصر ايام الرجل المذكور في الحكم، الا ان مواقفه من اهل البيت عليهم السلام كان فيها شيء من الاعتدال، إذ عمل على رفع بعض المظالم التي لحقت بهم ، فرفع السبَ عن الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام من على المنابر، والذي سنَه معاوية وعمَمه على الامصار، فصار سنَة يستن بها خلفاء بني امية إذ كانوا يأمرون ائمة المساجد بسبَ الامام علي عليه السلام في خطبة الجمعة واستمر ذلك عشرات السنين حتى عهد عمر بن عبد العزيز الذي منعه.

كما اعاد فدك – وهي منحة الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله الى ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها – الى الامام الباقر عليه السلام معتبرا امر مصادرتها من لدن الحكام السابقين لامبرر له .

وبالنظر الى ان البيت الاموي لم يألف مهادنة اهل بيت الرسالة عليهم السلام، فان عمر بن عبد العزيز كان يواجه الضغط من بني امية بسبب سياسته الانفتاحية عليهم، ولم يدم حكمه اكثر من سنتين وخمسة اشهر إذ انه مات في ظروف غامضة ومريبة. 

وتولى الحكم بعده يزيد بن عبد الملك المشهور تاريخيا  بلهوه وخلاعته وغزله الماجن، وربما كان انشغاله باعماله الصبيانية ومجونه لم يعطه فرصة للتصدي لمسيرة الاسلام التاريخية التي يقودها الامام الباقر عليه السلام.

ثم جاء هشام بن الملك الذي تولي الحكم الاموي المنحرف وغير الوضع، فقد كان خشن الطبع شديد البخل ناقما على المسلمين من غير العرب، فضاعف من حجم الضرائب المالية عليهم واعاد ايام يزيد والحجاج الدموية، لذا تصدى له انصار اهل البيت عليهم السلام من خلال انتفاضة الشهيد زيد بن علي بن الحسين عليه السلام التي كانت صدى لثورة الحسين عليه السلام وامتدادا لها ، فاستشهد هو واصحابه وأمر الطاغية هشام بصلب جثته ومن ثم حرقها وذر رمادها في نهر الفرات.

وراح هشام بن عبد الملك يلاحق انصار الامام الباقر ومريديه واحدا بعد الآخر، فاصدر امرا الى واليه على الكوفة يقضي بقتل جابر بين زيد الجعفي الذي كان من كبار العلماء ومن ابرز تلامذة الامام الباقر عليه السلام .

غير ان الامام الباقر عليه السلام قد افشل المخطط بان امر تلميذه بالتظاهر بالجنون كطريق وحيد لضمان نجاته من القتل، وهكذا كان إذ راح جابر يلعب مع الصبيان متظاهرا بالجنون، فكتب والي الكوفة الى هشام عن جابر انه ( كان رجلا له فضل وعلم وجنَ ، وهو دائر في الرحبة مع الصبيان ، وبذلك نجي جابر من القتل ).

وكان هشام بن عبد الملك واثقا من ان مصدر الوعي الاسلامي الصحيح انما هو الامام الباقر (ع) وان وجوده حرا طليقا يمنحه مزيدا من الفرص لرفد الحركة الاصلاحية في الامة، لذا اتجه المكر الاموي نحو اعتقال الامام الباقر(ع) وإبعاده عن عاصمة جده المصطفى (ص) التي أجمعت هي والحجاز عموما على اجلاله والتمسك به .
وهكذا حمل الامام عليه السلام وابنه الصادق عليه السلام الى دمشق بأمر السلطة الاموية لايقاف تأثيره في الامة المسلمة ، وأودع في احد سجون السلطة هناك .
غير ان تأثيره الفكري فيمن التقى بهم حمل السلطة الاموية على اطلاق سراحه .
وعرف عليه السلام بمنطقه وقوة حججه في المجادلات الفقهية والكلامية وفي أحكام الشريعة الغراء ، وكانت له مجالس مع علماء زمانه الذين كانوا يقصدون لسألون ويناقشون ويستفيدوا منه سلام الله عليه .
ورغم إبتعاد الإمام الباقر ، ومن قبله أبوه الإمام السجّاد عليهما السلام ، عن كلّ ما يمت بصلة إلى السلطة ورموز بلاطها ، إلّا أنّه يمثل بالنسبة للسلطات الأُمويّة هاجساً من الخوف المشوب بالغيرة والحقد ونصب العداء ، ويدخل ذلك ضمن الثقافة التي توارثها الأبناء عن الآباء من رجالات السلطة ، ذلك لأنّهم يدركون خطورة النشاط الذي يمارسه عليها ، لكونه مصدر الوعي الإسلامي الصحيح ورائد الحركة الإصلاحيّة في الأُمّة ، التي تكنّ له التبجيل والإحترام ، فعملت السلطة على تصفيته جسديّاً ، ولجأت إلى سلاحها المعهود فاغتالته بالسمّ في زمان هشام بن عبد الملك ، الذي نقل أنّه كان شديد العداوة والعناد لأبي جعفر الباقر عليه‌السلام ولأهل بيته، وهكذا دس اليه السم بواسطة إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك بامر من هشام بن عبدالملك فرحل الي ربه الاعلي سبحانه شهيدا صابرا محتسبا يوم الاثنين السابع من ذي الحجّة سنة 114 هجريّة على المشهور، وعمره الشريف يومذاك سبعة وخمسون عاماً، فدُفن في البقيع بالمدينة بجوار أبيه زين العابدين وعمّ أبيه الحسن بن عليّ صلوات الله عليهم أجمعين .
وفقدت الامة بذلك إماما من اهل بيت النبي الاكرم صلي الله عليه وآله وسلم وغصنا شامخا من هذه الشجرة الطاهرة.
فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.

من اقواله عليه السلام
لا فضيلة كالجهاد ولا جهاد كمجاهدة الهوى
 أبلغ شيعتنا أنهم إذا قاموا بما أمروا أنهم هم الفائزون يوم القيامة .
وقال (عليه السلام): أيما عبد من عباد الله سن سنة هدى كان له أجر مثل من عمل بذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيء .
وعن محمد بن قيس عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى آدم (عليه السلام)، يا آدم: إني أجمع لك الخير في أربع كلمات واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فأجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي فيما بينك وبين الناس فترضى للناس ما ترضى لنفسك .
وكان (عليه السلام) يقول: بلية الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا. .
وقال (عليه السلام): إن أشد الناس حسرة يوم القيامة، عبد وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره .
وقال (عليه السلام): أشد الأعمال ثلاثة: مواساة الأخوان في المال، وإنصاف الناس من نفسك، وذكر الله على كل حال. .
وقال (عليه السلام): شيعتنا من أطاع الله عز وجل. .
وقال (عليه السلام): إياك والخصومة، فإنها تفسد القلب، وتورث النفاق. .
وقال (عليه السلام): ما دخل قلب امرئ من الكبر إلا نقص من عقله مثل ذلك .
وقال (عليه السلام): أعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك .
وقال (عليه السلام): لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان. .
وقال (عليه السلام): لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابدا. .
وقال (عليه السلام): الكمال كل الكمال، التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة.
وقال (عليه السلام): ما اغرورقت عين بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين لم يرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة يوم القيامة، وما من شيء إلا وله أجر إلا الدمعة فإن الله يكفر بها بحور الخطايا، ولو أن باكيا بكى في أمة لحرم الله تلك الأمة على النار. .
وقال (عليه السلام): من لم يجعل الله له من نفسه واعظا فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئا .
وقال (عليه السلام): صلة الأرحام تزكي الأعمال، وتنمي الأحوال، وتدفع البلوى، وتيسر الحساب، وتنسئ في الأجل. .
وقال (عليه السلام): المتكبر ينازع الله رداءه.
وقال (عليه السلام): الغلبة بالخير فضيلة، وبالشر قبيحة. .
وقال (عليه السلام): يأخذ المظلوم من دين الظالم، أكثر مما يأخذ الظالم من دنيا المظلوم. .
وقال (عليه السلام): ثلاث قاصمات الظهر: رجل استكثر عمله، ونسي ذنبه، وأعجب برأيه .
وقال (عليه السلام): بئس العبد أن يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه في الله شاهدا، ويأكله غائبا، إن أعطي حسده، وإن ابتلي خذله .
وقال (عليه السلام): إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.
وقال (عليه السلام): توقي الصرعة خير من سؤال الرجعة. .
وقال لابنه الإمام جعفر الصادق (عليهما السلام): يا بني، إذا أنعم الله عليك بنعمة فقل: الحمد لله وإذا أحزنك أمر فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا أبطأ عليك الرزق فقل: استغفر الله .
وقال (عليه السلام) له أيضا: يا بني: إن الله خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء، خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا تستصغرن أحدا (من عباده) فلعل ذلك الولي .
وقال (عليه السلام): ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم إذا جهل عليك .
وقال (عليه السلام): المؤمن أخو المؤمن لا يشتمه، ولا يحرقه، ولا يسئ بهالظن.
وقال (عليه السلام): إن الله عز وجل أعطى المؤمن ثلاث خصال: العزة في الدنيا، والفلح في الآخرة، والمهابة في صدور الظالمين، ثم قرأ: *(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)
وقال (عليه السلام): يا جابر: بلغ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله عز وجل، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له، يا جابر، من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا، ومن عصى الله لم ينفعه حبنا .
وقال (عليه السلام): البشر الحسن وطلاقة الوجه مكسبة للمحبة، وقربة من الله، وعبوس الوجه وسوء البشر مكسبة للمقت وبعد عن الله.
وقال (عليه السلام) بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، ولم يناد بشيء مثل ما نودي للولاية
وقال (عليه السلام) من أفتى الناس بغير علم ولا هدى، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه.