محمد علي جعفر | ما في سوريا منذ 7 سنوات “هو حرب تموز أخرى وتهدف إلى الغايات نفسها” و.. “قريباً سنخرج منتصرين في هذه الحرب الكبرى في منطقتنا”. بهذه الكلمات اختصر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله مشهد الصراع، رابطاً بين حرب تموز والحرب المُحتدمة في المنطقة لا سيما الحرب السورية. يكفي هذا الربط للتعبير عن حجم الرهانات التي وضعها المُخطط خلال حرب تموز 2006. رهاناتٌ لم تكن أقل من الرهانات على الحرب السورية. لكن الفشل الإسرائيلي الذريع عام 2006، كان مقدمة لفشل المشروع الأمريكي الأكبر في المنطقة، والذي باتت اليوم الحرب السورية إحدى نتائجه.

بالأمس أعاد السيد نصرالله رسم معادلات تفوق محور المقاومة، واضعاً اياها ضمن محتواها الدقيق وفي سياقها الاستراتيجي. انطلق السيد من تراكمٍ لانتصاراتٍ صنعها هذا المحور، يُعتبر انتصار آب 2006 أحدها. لكنه كان ضمن سياق انتصاراتٍ سابقة ومُستمرة. عَمَد السيد لوضع الأمور ضمن مسارٍ ترتبط فيه المعادلات، مُظهراً نقاط القوة التي بات يتمتع فيها محور المقاومة اليوم. فما أبرز هذه النقاط؟ ولماذا يجب البناء عليها؟

عدة قواعد أرساها السيد بالأمس مُنطلقاً من حقائق باتت مُسلماتٍ تدخل في حسابات الأطراف. وهو ما يَصبغ خطاب السيد – كجزءٍ أساس من خطاب محور المقاومة – بالواقعية والقوة. عبّر الخطاب عن عدة نقاط تُعتبر بحد ذاتها نقاط قوة محور المقاومة اليوم ونقاط ضعف الأعداء. نُشير الى أبرزها فيما يلي:

  • أولاً: فشلت “تل أبيب” في بناء حزامٍ أمني على الحدود الفلسطينية مع الجولان. ما يعني أن “تل أبيب” لم تخرج بأي انتصارٍ ولو جيوعسكري مباشر. وهذا الوضع أسوأ للكيان من الحال التي كانت عليه قبل الحرب على سوريا.
  • ثانياً: خسر المشروع الأمريكي والجيش الإسرائيلي نتيجة الحرب في سوريا كافة رهاناتهم الاستراتيجية. من الرهان على الحلفاء سياسياً الى الرهان على المجموعات الإرهابية عسكرياً. ما أفرز معادلاتٍ جديدة على الصعيدين السياسي والعسكري تتجاوز بحجمها دول المنطقة.
  • ثالثاً: يتخذ العدو خياراتٍ ضد الأطراف في المنطقة، يراهن فيها على ضعفهم مُعترفاً بتراجع قوته الذاتية. وهو ما يمكن إضافته على الفشل المتراكم للأعداء والذي تظهر تجلياته من خلال استهدافه المدنيين في الحرب على اليمن، مروراً بمحاولة فرضه لصفقة القرن وصولاً الى افتعال الحرب الاقتصادية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
  • رابعاً: إن أصل قوة محور المقاومة في المعركة، كان دوماً الصمود، بصرف النظر عن طبيعة المعركة (ناعمة أو صلبة)، ما ساهم في تحقيق الانتصارات في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن. وهو ما يفتقد له العدو. ولأن هذا المحور انتصر في معاركه السابقة، فهو سينتصر حتماً في معركته الحالية.

هذه بعض نقاط القوة التي أشار اليها السيد. فكيف يمكن ربطها بواقع الصراع الحالي؟

لا شك أن الواقع الحالي مليء بالتحديات التي عادةً ما تُشكل الاهتمام الأبرز. لكن قراءة الواقع بدقة، تحتاج أيضاً إلى تسليط الضوء على المتغيرات الإيجابية، ومحتواها داخل الصراع وتأثيرها الاستراتيجي عليه. قدَّم السيد بالأمس المبنى الأساس لذلك، واضعاً محور المقاومة في مسارٍ سينتهي حتماً بالانتصار. لماذا؟

  • أولاً: شكلت الحرب في سوريا النموذج الأمثل، للتعاون العسكري والسياسي والأمني بين واشنطن وحلفائها الغربيين والعرب. ربط المُخطط الغربي هذا الحشد، بالرهان على النتائج، والقدرة على تكريس معادلات دولية استراتيجية لحساب مشروع الهيمنة الغربية وإعادة ترميمه بعد حروبه الفاشلة. فكانت النتيجة أن فشل هذا النموذج أيضاً وهو الأمثل؟!
  • ثانياً: ترسَّخت الهزيمة في عقل ووجدان الكيان الإسرائيلي ومن خلفه واشنطن والغرب. قيادات الجيش الإسرائيلي والمسؤولون الإسرائيليون، يتحدثون بألسنتهم اليوم حول واقع الصراع الحالي، بما يُشبه اعترافهم بالإخفاق والفشل بعد حرب تموز 2006. يوافقهم الرأي منظرو ومفكرو الغرب الذين باتوا منشغلين بعالم ما بعد الهيمنة الغربية!
  • ثالثاً: تعيش المنطقة واقعاً جديداً تُرسم فيه معادلاتٌ أخرى ليست ظرفية. هي معادلاتٌ بنيوية يتخطى تأثيرها السنوات القليلة المقبلة.

روسيا الحالية بنفوذها وتأثيرها لم تكن موجودة قبل الحرب السورية. من جهتها تتحكم الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسياسات المنطقة كعرَّابٍ جديد يُدرك حجم التوازنات ومصالح الأطراف. تتبلور التداعيات التدريجية للتوازنات الإقليمية والدولية الجديدة. وهنا فإن الحرب الاقتصادية على إيران، تأتي ضمن هذا السياق، فيما الحرب الاقتصادية على تركيا تتعلق مباشرة بحسابات الجغرافيا الاقتصادية.

بين الحاضر والمستقبل، خطَّ السيد نصرالله بالأمس معادلات القوة التي باتت تصبغ محور المقاومة. خطابٌ يربط بين ماضي الانتصارات والواقع الحالي ومسارات المستقبل. أراد السيد أن يصنع مادةً جديدةً للإعلام، تتخطى التوصيف السياسي الى التأثير العملي للمعادلات. هو واقع القوة الذي أراد السيد أن يعرف العالم أنه بات أمراً واقعاً!