بعد غربةٍ طالت مقداراً لا بأس به من هذا الزمن، عاد الى وطنه، أهله وأحبابه، أعزائه وأقربائه وأرحامه، حطَّ في مكان، وتنقَّل بين آخرٍ ونظيره، التقى بِمَنْ التقى، دردشاتٌ هنا و”سَوْلفاتٌ” هناك، مائدة وسهرة، نزهة ونقاهة، والى آخره مِمَّا هو متعارف عليه في هكذا محافل.

وفي خِضَم هكذا سياقات، قد يستوقفه البعض ليناقشه حول عبارة “بلاد الكفر” التي صدرت منه في “موردٍ ما” خلال تواجده الاغترابي في تلك البقاع البعيدة، مُتَسَلِّحاً “النّاقِد” بِوَضْعِيَّتَيْن قد يظهر عليهما أنهما تُغَلِّفان المشهد العام وتُعطِيان إيحاءً كذائيّاً يصبّ في اتجاه دون آخر، والوَضْعِيَّتان تُخْتَصران بالتالي:

  • الأولى تقول أن الوضع المعيشي في “بلاد الكفر” يغلب عليه أنه في أفضل حالاته، وأن المواطن في تلك البقاع يعيش حالةً من الاستقرار واستتباب الأوضاع على كافة الأصعدة التي تتعلق بحياة المواطن: اقتصادية، أمنية ونحوهما.
  • والثانية تُظهِر لنا أن الأوضاع المعيشية خانقة في أرض الوطن، وأن البنيان السياسي للدولة مُنهار ويصدق عليه مقولة “الغائب – الحاضر”، وأنَّنا في باحةٍ غير صالحة للسكن، والى آخره من التوصيفات المُتَعارَفة في هذا المضمار.

“العائدُ الى وطنه” سيترك حبَّه للوطن جانباً، ويُعَلِّق مفاعيل قوميته المتحمسة، ويقوم بمناقشة هادئة ذات طابع موضوعي حيادي، ويبوح بما يلي:

  • أولا: عبارة “بلاد الكفر” ناظرِةٌ الى الشق العقائدي بصرف النظر عن الواقع العملي، فعندما تكون العقيدة خاطئة وغير صحيحة، يصدق على مُعتَقِدِها بأنه “كافر”، وهنا لا بأس باقتطاع عبارة من الرسالة العملية لسماحة السيد “علي السيستاني” (حفظه الله) – كدليل على هذا التوجه – ومفادها: “ﺍﻟﻜﺎﻓﺮ، ﻭﻫﻮ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﻨﺘﺤﻞ ﺩﻳﻨﺎً، ﺃﻭ ﺍﻧﺘﺤﻞ ﺩﻳﻨﺎً ﻏﻴﺮ ﺍﻹﺳﻼم”.
  • ثانيا: نحن لا ننكر أن بلاد الغرب تحتوي على أمور إيجابية، بل نعترف بذلك ونزيد بالقول أن تلك البلاد تُقَدِّم تسهيلات حياتية للعباد تُشكَر عليها، وتفرض إيقاعاً نظاميّاً مُنضَبِطاً لتيسير أمور المواطنين… وجزاهم الله خير الجزاء على ذلك.
  • ثالثا: الى الذين يغوصون في المدح ببلاد الغرب، عليكم أن تكونوا مُنصفين وتُظهِروا – أيضاً – السلبيات الموجودة فيها، وأن تُشيروا – أيضاً – الى الإيجابيات المتوفرة في أرض الوطن العزيز.
  • رابعا: تَذكَّروا أن الوطن يُقَسَّم الى ثلاثة أقسام: أرض، شعب ودولة، فانتبهوا الى مَنْ توجهون الانتقاد، ولا تنسوا التضحيات التي قَدَّمها أهل الوفاء حفاظاً على هذه الأرض المقدسة وترابها الطاهر.
  • خامسا: لا بأس أن نقترح على البعض بأن لا يكونوا غربيين أكثر من الغربيين أنفسهم.
  • سادسا: من اللطيف الإشارة الى ما ورد في كتاب “أمل الآمل” – تأليف الشيخ “محمد بن الحسن (الحر العاملي)”، وفي سياق ذكره لوجوه تقديم ذكر علماء جبل عامل على باقي علمائنا المتأخرين، حيث ورد المعنى التالي:
    • ( أحدها ) قضاء حق الوطن ، لما روي « حب الوطن من الايمان » وروي « من إيمان الرجل حبه لقومه ».
    • ( وثانيها ) أنها داخلة في الأرض المقدسة أو متصلة بها ، كما يظهر من الأخبار ومن أقوال أكثر المفسرين في قوله تعالى : « ادخلوا الأرض المقدسة » . انتهى النقل.
  • سابعا: المطلوب عدم نسيان كيف ينظر بعض الغرب الى مقاومتنا الباسلة والتوصيف الباطل الذي ينسبونه إليها ظلماً وزوراً.

وآخر الكلام، تحيةٌ لكم من جنوب لبنان – جبل عامل، ومن قرية جميلة وأرض بَهِيَّة ذات مناخ مميز وتاريخ عريق، بين “سِينِها” و”دالِها”… “جيمٌ” تتوسَّطُ… ألا وهي “سجد”.

[ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون].