الانتصارات التي حققها الجيش السوري غيّرت الكثير من المعادلات السياسية و الميدانية ، لتتغير بالتوازي السيناريوهات التي كانت مُعدة لقلب الموازين في الميدان ، لكن مع تراكم المنجزات الميدانية لتلحق بها السياسية ، قُلبت الطاولة على محور أعداء سوريا ، و لا نبالغ إن قلنا بأن اسرائيل العمود الفقري لهذا المحور قد رَفعت الراية البيضاء ، بدليل أنها تخلت عن بيادقها و هرعت إلى أصحاب القرار الدولي لتفادي النتائج الناجمة عن تدخلها في الميدان السوري ، و هذا يدل على يأس العدو و فشل مخططاته ، و على اعتبار أن اسرائيل مُحرك محور أعداء سوريا فشلت ، فهذا و بالقّطع له تأثير مباشر على باقي أركان المحور ، لنشاهد قريبا سيناريو الجنوب في الشمال السوري .

” انهيار الفصائل الإرهابية .. أين الداعمين ؟ “

حالة التخبط و الانهيار التي كنت السمة الأبرز لإرهابيي الجنوب السوري ، و لا شك بأن هذه الفصائل كانت تعتمد على الدعم الاسرائيلي لجهة ما يمثله الجنوب من أهمية استراتيجية نظرا لقربه من الكيان الاسرائيلي ، لكن الغطاء رفع عنهم نطراً لتهديدات الدولة السورية باستهداف الأصيل و في العمق ، فباتت الفصائل الإرهابية في مرمى نيران الجيش السوري لتتساقط قلاعهم كأحجار الدومينو ، من السويداء إلى درعا و وصولا إلى القنيطرة ، لم تكن الفصائل الإرهابية قادرة على المواجهة المباشرة بفعل الإحاطة والتطويق اللتان فرضهما الجيش السوري على مناطق تواجدهم ، إضاقة إلى الاستراتيجية المحكمة التي نفذها الجيش السوري عبر قضم المناطق و عزلها ناريا لتثمر عمليات الجيش السوري انتصارات تقابلها انهيارات متتابعة في صفوف المجموعات المسلحة .

” القنيطرة .. القلق و الرعب الإسرائيلي “

إعادة تمركز القوات السورية في القنيطرة سيناريو لم يكن في الحسابات الاستراتيجية للكيان الاسرائيلي ، خاصة أن اسرائيل كانت تسعى إلى قضم الجغرافية المتاخمة لحدودها لتشكيل طوق أمني و بالاعتماد على الفصائل الإرهابية ، لكن هذا المشروع سقط أمام أعين دولة الكيان ، و بات الواقع مختلفا ، فالصورة الواضحة و التي عجز الكيان عن تغير ملامحها بأن هذه الجغرافية سورية و ستبقى ، من هنا تعالت الأصوات في اسرائيل مطالبة بالعودة إلى اتفاق فصل القوات عام 1974 ، ليبقى الجولان السوري المحتل خاضعا لسلطة الاحتلال ، لكن الوقائع التي فرضها الجيش السوري تخوله التقدم أكثر بما يملكه من زخم هجومي و قوة نارية تَفرض على الكيان الاسرائيلي قراءة منطقية للوقائع المستجدة ، حيث أن إعادة تمركز القوات السورية في القنيطرة لن يكون كما السابق ، فالمعادلات تغيرت و كذلك قواعد الاشتباك ، و بالتالي سيكون الجولان السوري في الفترة المقبلة موضوعا سيتم حسمه إما بالتفاوض أو فالعمل العسكري سيكون حاضرا .

” ما هو السيناريو السوري القادم “

نبقى في الميدان ، فما تم تحقيقه في الجنوب سيكون له تداعيات ستنعكس بشكل مباشر على باقي الجغرافية السورية ، و لن نقول بأن المشهد السوري يقف على مفترق طرق لتشكيل معادلات سياسية أو ميدانية أو أمنية جديدة ، فالمشهد واضح للدولة السورية ، تحرير كامل التراب السوري من المحتلين و أدواتهم ؛ أمريكا فهمت القاعدة التي فرضها الجيش السوري ، لكن أردوغان لا زال يناور في ربع الساعة الأخير ، و يحاول جاهدا القبض على ورقة ميدانية تمكنه من الحصول على مكسب سياسي يحلم به ، فما كان يُخطط له أردوغان في إدلب سقط بناء على معطيات ثلاث : الأولى المطالبات التي أطلقتها الفعاليات الأهلية بالسير في طريق المصالحة ، إضافة إلى ان الكثير من شرفاء إدلب ضاقوا ذرعاً بالإرهابيين و ممارساتهم ، و الثانية ادلب تخضع لاتفاق خفض التصعيد و الذي كان بضمانة روسيا و ايران و تركيا بناء على مخرجات استانا، هنا إما سيخضع أردوغان لهذا الاتفاق أو يتجاوزه ليكون و إرهابييه هدفا مباشرا لنيران الجيش السوري ، و أعتقد جازما بأنه لن يكون أمام أردوغان إلا الانسحاب من الجغرافية السورية لارتباط هذا الانسحاب بالمعطى الثالث و الأهم من بين المعطيين السابقين ، فالمعطى الثالث يقول بأن الدولة السورية لديها قوات عسكرية مُتحررة من جبهات انتهت عسكريا ، و هذه القوات قادرة بما تملكه من قوة نارية و زخم هجومي من تغطية مناطق الشمال بالكامل ، بالتالي فإن ورقة إدلب قد سقطت من يد أردوغان .

نختم .. تبقى الكلمة الفصل للجيش السوري في الميدان السوري .