• أسم المؤلف : حامد الحمداني
  • جهة النشر: فيشون ميديا- السويد
  • سنة الطبع : 2006م
  • عدد الصفحات :254 من القطع المتوسط

لمحة تأريخية:

العراق هذا البلد العريق الذي عاش في قلب التأريخ منذ أقدم العصور، وشغل أذهان المؤرخين والرحالة والأدباء، واحتل اسمه صفحات مشرقة من الموسوعات العالمية، وجاء إليه الرحالة الروس والصينيون والهولنديون ،وانتقلوا في جهاته الأربع ليكتبوا عنه. وقلما يجد المرء متحفا عالميا لايوجد فيه أثر من آثاره ولموقعه الاستراتيجي، ووفرة مياهه واحتلاله موقع الصدارة في الحضارة الإنسانية .

ففي الألف الخامس قبل الميلاد بدأت فيه حضارة الأكديين، ثم أتى البابليون وحكموا ثلاثة قرون. وكانت شريعة حمورابي ومن قبلها شريعة أورنمو ثم تلاهم الكيشيون فالآشوريون. كل أولئك الأقوام أضافوا إضافات هامة لمجمل المسيرة الحضارية لتأريخ البشرية .إنه العراق الذي ملأ الدنيا وشغل الناس .

والذي يهمنا من هذا العرض هو تسليط الضوء على البحث الهام والجهد القيم الذي بذله الأستاذ المؤلف السيد حامد الحمداني حين تناول حقبة مهمة وخطيرة من تأريخ العراق.

لقد قسم السيد الحمداني كتابه إلى عشرة فصول تناول في الفصل الأول تأريخ العراق الحديث منذ احتلاله من قبل العثمانيين ذلك الاحتلال البغيض الذي دام أربعة قرون. وكان بحق عصر الظلم والظلام. وبعد أن دب الضعف في كيان ( الرجل المريض ) دخل العراق في حقبة جديدة مظلمة، هو الاحتلال البريطاني بقيادة الجنرال مود حين دخل بغداد يوم 11 آذار 1917م تحت شعار ( جئنا محررين لافاتحين ) بعد أن دخل في معارك ضارية ضد الأتراك أثناء زحفه على بغداد. وقد شغل حصار الكوت الشهيرالكثير من الباحثين لأنه أطول حصار في التأريخ قام به العثمانيون ضد الانكليز وحدثت فيه أحداث رهيبة لم تخطر على بال أحد.

لعل أهم كتاب في هذا المضمار هو كتاب ( حصار الكوت ) للدكتورعادل البكري مدير صحة لواء الكوت سابقا. ومقابر الانكليز والعثمانيين لازالت شاهدة في موقعين من المدينة. ومن القصص التي كتبت عن هذا الحصار إن زوجة أحد الجنرالات أكلت قطتها ( ازمولدا ) من شدة الجوع .

لقد كانت الجملة التي أطلقها الجنرال مود ( جئنا محررين لافاتحين ) مجرد كذبة كبيرة كان هدفها الرئيس التغطية على مساوئ الاحتلال. وحين إحتل الأمريكان العراق عام 2003م كرروا نفس الادعاء. وهذا هو شأن المحتلين على مر العصور. لقد كانت أمنية كل عراقي شريف أن يسقط الدكتاتور صدام حسين بأيد عراقية نظيفة ولو حدث هذا الأمر لتجنب العراق الكثير من الويلات والمحن التي ألمت به منذ خمسة عشر عاما ولكن كما قال الشاعر:

ماكل مايتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لاتشتهي السفن .

لقد قام الشعب العراقي بثورات عديدة ضد الاحتلال البريطاني وأبرزها ثورة العشرين تلك الثورة الشعبية العارمة التي أقضت مضاجع الانكليز، وجسدت وحدة الشعب العراقي بأجلى وأنبل مظاهرها، حتى إن العديد من قادة الثورة دخلوا إحدى الكنائس وأخذوا يهتفون ( عاشت الوحدة العراقية ) (عاشت الوحدة الوطنية) ( عاش مجد سيدنا المسيح ) وكان للمرجعية الدينية في النجف الأشرف الدور الأساسي في توحيد كلمة الشعب وجعلها نبراسا لكل القوى الوطنية التي انتفضت ضد الاحتلال وكان السيد ( محمد تقي الشيرازي )بمثابة قطب الرحى في تلك الثورة الوطنية الكبرى وكذلك الزعيم الوطني البارز ( جعفر أبو التمن ) و ( محمد الصدر ) و( الشيخ ضاري ) وغيرهم الكثير حيث لاتتسع الصفحات لذكر كل الأسماء .وبعد أن أخمد الانكليز تلك الثورة بقوة الحديد والنار إستمر الشعب العراقي في ثوراته وانتفاضاته رغم أن الانكليز قد جاءوا بالملك فيصل الأول ونصبوه ملكا على العراق. لكن العراق بقي محتلا وكانت للانكليز اليد الطولى في التحكم بمقدرات البلد خاصة بعد معاهدة بورت سموث الاستعمارية عام 1930م .وتوالت الثورات والانتفاضات فكانت ثورة العشائر العراقية في الفرات الأوسط عام 1935 م تلاها انقلاب بكر صدقي الذي أدى إلى هروب نوري السعيد ثم عودته من جديد بعد اغتيال بكر صدقي، ثم مقتل الملك غازي وانقلاب رشيد عالي الكيلاني. أعقبها وثبة كانون المجيدة عام 1948م كرد فعل على محاولة حكومة ( صالح جبر – نوري السعيد ) فرض معاهدة بورت سموث. ثم قيام حرب فلسطين وتخاذل الحكام العرب أمام وعد بلفور الاستعماري التي أدت الى وثبة تشرين وأعدم على أثرها يوسف سلمان ( فهد )وحسين محمد الشبيبي ( حازم ) وزكي بسيم ( صارم ) .

لقد عاد الجيش العراقي من تلك الحرب وهو ناقم على تلك الحكومة العميلة التي تواطأت مع الانكليز لمنح فلسطين للصهاينة على طبق من ذهب. وكان من بين أولئك الضباط العراقيين الأحرار ( عبد الكريم قاسم ) الذي أبلى بلاء حسنا في معركة ( كفر قاسم ) والذي صمم منذ ذلك اليوم أن ينقذ العراق من ربقة النفوذ الاستعماري البغيض والحكم الملكي الفاسد. ومما زاد الطين بلة إقامة حلف بغداد عام 1954م الذي ضم العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا واشتراك الولايات المتحدة الأمريكية في جانبه العسكري. ثم بدأ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مما أدى إلى اشتعال المظاهرات في كل أنحاء العراق تأييدا للشعب المصري وقائده جمال عبد الناصر. كل هذه الأحداث أدت ألى قيام ثورة الرابع عشر من تموز تلك الثورة الوطنية الكبرى التي سيخلده التأريخ بحروف من نور . وقد حظيت ثورة الرابع عشر من تموز وقائدها الوطني عبد الكريم قاسم باهتمام عدد هائل من الكتاب والسياسيين منذ قيامها وإلى يومنا هذا. وتناول المؤلف حامد الحمداني هذا الحدث الكبير في تأريخ العراق بكل أمانة وموضوعية، وعزز مواضيعه بمصادر لها اعتبارها.

كل هذه المعلومات التأريخية الهامة دونت في الفصلين الأول والثاني .

أما الفصل الثالث تناول المؤلف فيه نشوء حركة الضباط الأحرار وتنظيماتهم وتشكيل اللجنة العليا لحركتهم وقيام جبهة الاتحاد الوطني.

وفي الفصل الرابع يتناول المؤلف كيفية الإعداد للثورة،وشخصية قائدها عبد الكريم قاسم وأسلوب حياته البسيطة وزهده وتعففه. حيث كان يردد دائما بعد قيامه بالثورة إنه إبن ذلك النجار البسيط ويفتخر إنه كان في بداية حياته معلما ثم تحول إلى الجيش الذي كان يرى فيه أمل الشعب من أجل أجراء التغيير المنشود.

ثم يتناول المؤلف الشخص الثاني للثورة عبد السلام محمد عارف وكتب عن تهوره وعصبيته ،وضعف مستواه الثقافي . ثم يتطرق إلى خطبه الفوضوية الصاخبة في بداية الثورة.

وفي الفصل الخامس يتناول المؤلف تحديد ساعة الصفر وحادثة مهاجمة قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة، وردود الفعل العربية والدولية على تلك الثورة العملاقة التي قصمت ظهر الاستعمار. ثم يذكر المؤلف البيانات والمراسيم التي صدرت في اليوم الأول للثورة، وصدور الدستور المؤقت، وقانون الإصلاح الزراعي وغيرها من القوانين والتحولات الإقتصادية والإجتماعية العميقة.

وعن مقتل العائلة المالكة أكد الزعيم عبد الكريم قاسم في عدة لقاءات إنه لم يصدر أمر بقتلها وهذا ما أكده ( النقيب عبد الستار السبع) الذي تصرف تصرفا شخصيا حيث أطلق النار على أفرادها وأرداهم صرعى وكان في مقدمتهم الوصي على العرش وخال الملك عبد الإله والملك فيصل الثاني.

أما الفصل السادس فهو من الفصول المهمة حيث يتحدث فيه المؤلف عن الانشقاق الذي حدث بين قادة الثورة ومحاولة عبد السلام عارف اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم ثم تعيينه سفيرا في بون وعودته المفاجئة ومحاولته الثانية لآغتيال الزعيم. ثم أعقب تلك الأحداث انقلاب العقيد عبد الوهاب الشواف وكيف أن محمد نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة كان يتآمر على عبد الكريم قاسم. وتتوالى الأحداث وينعقد المؤتمر الأول لنقابة المعلمين ويستقبله عبد الكريم قاسم ويلقي خطبته التي يفتخر فيها أنه كان معلما ثم يتحدث ( يحيى الشيخ عبد الواحد ) باسم نقابة المعلمين وينبه عبد الكريم قاسم بأن الثورة باتت في خطر، وإن عبد الوهاب الشواف عدو للثورة فيجيبه عبد الكريم قاسم:

(إننا ندرك الأمور إدراكا جيدا وإن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار، وأنتم تهولون الأمور وتضخمونها. نحن أقوياء واثقون من أنفسنا .)

حينذاك تأكد أعضاء المؤتمر أن الزعيم يعيش في عالم من الوهم وأن أحداثا خطيرة سيشهدها العراق. ثم يتحدث المؤلف عن انقلاب الشواف والبيان الذي أصدره والأحداث الرهيبة التي تلت ذلك الإنقلاب الدموي الفاشل .

ويورد المؤلف قولا لجلال الأوقاتي قائد القوة الجوية آنذاك حيث قال:

( إن الزعيم عبد الكريم قاسم سوف يدمر نفسه ويدمر الشعب معه بسياساته الخاطئة ) وقد أصدق القول.

وفي الفصل السابع يتطرق المؤلف إلى أحداث كركوك والموصل حين هوجم قطار أنصار السلام وقتل المحاميين كامل قزانجي وتوفيق منير. ثم انقلاب عبد الكريم قاسم على الشيوعيين والهجوم الكلامي الذي شنه عليهم.

وفي الفصل الثامن يتطرق المؤلف إلى موجة الاغتيالات التي حدثت في الموصل ويذكر بعض الأسماء التي قامت بتلك الاغتيالات والنتائج التي تمخضت عنها وموقف الحزب الشيوعي منها .

وفي الفصل التاسع يتطرق المؤلف إلى إصدار قانون الأحزاب وتصفية الشيوعيين وعدم منح الحزب الإجازة ليمارس نشاطه العلني. والمؤامرات التي كانت تحيكها القوى الرجعية والإقطاعية بالتعاون مع شركات النفط التي ضُربت الثورة مصالحها ومن ثم التمهيد لاغتيال الثورة وتصفية قائدها .

وفي الفصل العاشر والأخير أسهب المؤلف في الظروف التي ساعدت على اغتيال الثورة، وانغماس الزعيم عبد الكريم قاسم في أخطائه، وتوجهه نحو الحكم الفردي .

وعندما تعرض له مجموع من البعثيين القتلة المجرمين في رأس القرية في شارع الرشيد يوم 7 تشرين الأول عام 1959 وهو في طريقه إلى بيته في العلوية ومعه مرافقه الخاص قاسم الجنابي. وكان المجرمان عبدالوهاب الغريري وصدام حسين من جملة الذين تعرضوا له. وبعد المحاولة الفاشلة لاغتياله دخل الزعيم مستشفى دار السلام للعلاج فزاره شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري للاطمئنان على صحته،والتهنئة بسلامته. وقد انشد عنده قصيدة عصماء محذراً اياه من التهاون مع البعثيين والقوميين الذين كانوا يسعون لاغتيال ثورة الفقراء ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة وقد جاء في القصيدة :

فضيق الحبل واشدد من خناقهمُ
فربمــا كـان في ارخائـه ضـررُ

أقدِمْ فأنتَ على الإقدامِ مُنطَبـِعٌ
وابطُشْ فأنت على التنكيل مُقتدرُ

لكن الزعيم أعلن قولته المعروفة لدى العراقيين وهو يعاني من إصابته في ساعده المكسور:

( عفى الله عما سلف )

ويشرح المؤلف في الفصل العاشر كيف حلت الكارثة وحدث الانقلاب الدموي في الثامن من شباط عام 1963م واستسلام الزعيم وإعدامه بطريقة وحشية في دار الإذاعة العراقية وهو صائم.

كلمة أخيرة أقولها إن هذا الكتاب هو وثيقة تأريخية مهمة نؤكد وطنية عبد الكريم قاسم ونزاهته وعفته وسعيه الحثيث للنهوض بالعراق نهضة حضارية كبرى رغم التشويهات والإساءات الكبيرة التي حاول البعثيون وأعوانهم من القوى الرجعية إلصاقها به.

لقد كانت حياة عبد الكريم قاسم حافلة بالزهد والبساطة والابتعاد عن بناء القصور واقتناء السيوف الذهبية وركوب العربات المذهبة، وحياة البذخ التي سار عليها الدكتاتور المقبور صدام وأعوانه.

لقد استشهد عبد الكريم قاسم وهو لايملك من حطام الدنيا شيئا غير بدلته العسكرية التي كانت معلقة في إحدى غرف وزارة الدفاع .

وكانت الغلطة الكبرى التي وقع بها الزعيم عبد الكريم قاسم وبالا على الشعب العراقي حيث بدأت بعد إستشهاده حقبة دموية مظلمة دامت 40 عاما عانى فيها الشعب العراقي الويلات والأهوال، وفقد الملايين من أبنائه في تلك الحروب العبثية الرعناء التي قام بها الطاغية المقبور صدام حسين. ثم أعقب تلك الحروب ذلك الحصار الظالم الذي دام 12عاما فقد فيه العراق مليون إنسان معظمهم من الأطغال. وتفشت الأمراض والأوبئة بين أبنائه الصابرين المحتسبين. وأخيرا وقوع العراق تحت نير الاحتلال الأمريكي البغيض. حيث دمر الإحتلال البنية التحتية وأدخل الإرهاب من أوسع الأبواب ليفتك بالأبرياء. وارتكبت مجازر يندى لها جبين الإنسانية خجلا نتيجة صراعات السياسيين التي لاتنتهي . وسفينة العراق اليوم تتقاذفها الأمواج من كل حدب وصوب والسياسيون مشغولون بمكاسبهم ومصالحهم الضيقة دون أن يبدو أي ضوء في نهاية النفق.

ترى متى سيدرك هؤلاء السياسيون إنهم يسيرون في الطريق المعاكس لمصلحة الشعب. وإلى متى سيبقى الشعب العراقي يعيش في عمق الفواجع والجراح.؟

أقول رغم وطنية الشهيد عبد الكريم قاسم ونزاهته إلا أنه يتحمل جزءا من المسؤولية لما آل إليه العراق. فرب غلطة يقع فيها حاكم تكون لها نتائج وخيمة على مصير شعبه لعشرات بل لمئات من السنين.