ناصر قنديل | لا يمكن النظر لما يدور من تحضير وترويج وتمهيد تحت مسمّى صفقة القرن أو صفقة العصر، والمقصود الرؤية التي تتبناها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحلّ القضية الفلسطينية بذعر، مردّه الانطلاق من أنّ مجرد تلاقي واشنطن وتل أبيب ومعهما الرياض وعدد من العواصم العربية على صيغة لتصفية القضية الفلسطينية، قوامها تثبيت احتلال القدس وإنهاء عودة اللاجئين، يعني نهاية هذه القضية، أو يعني أنّ المحور المعادي لمحور المقاومة يستردّ أنفاسه ويستعيد زمام المبادرة وينتقل إلى الهجوم المعاكس، ودون ذلك الكثير من العقبات والتعقيدات التي يحكيها الميدان في ساحات المواجهة كلها بين قوى محور المقاومة والمحور الذي تقوده واشنطن.

وحيث الكفة الراجحة لا تزال تسجل المزيد من الانتصارات لحساب محور المقاومة، كما لا يمكن التعامل مع هذا المشروع باستخفاف يضعه في منزلة المشاريع الكلامية التي لا قيمة لها على أرض الواقع، في حين يبدو أنّ تحوّلاً في العلاقات العربية – «الإسرائيلية» يسجل كلّ يوم جديداً لصالح التطبيع. فالتحالف العلني بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية وفي طليعتها الرياض، وتستهدف صفقة القرن إسباغ الشرعية على هذه التحوّلات وتزخيمها لتحويلها حلفاً جديداً في الجغرافيا السياسية للمنطقة، يعلن نهاية الصراع العربي الإسرائيلي بالتوافق على خيار سياسي في مواجهته، ولو كان هذا الخيار غامضاً بصورة تحفظ ماء وجه الشريك العربي وتخفي الالتزامات الممنوحة لـ«إسرائيل» على حساب القضية الفلسطينية، لكنها تضمن الذهاب إلى أعلى درجات التنسيق العربي «الإسرائيلي»، للتعايش مع ملف هامشي هو القضية الفلسطينية، والتفرّغ لملف رئيسي مشترك هو الصراع مع قوى محور المقاومة، وعلى رأسها إيران.

أيّ مناقشة في السياسة لعنوان صفقة القرن توصل إلى الاستغراب، لأنها صفقة يغيب عنها الشريك المعني. وهو الشريك الفلسطيني الفاعل الذي يتحقق بوجوده منح الصفقة صفة واقعية، وبغيابه تفتقد الصفقة صفة الصفقة أصلاً، ولا يبدو في الأفق أنّ هذا الشريك سيكون سهلاً إيجاده في ظلّ الطبيعة الفاضحة في تنكّرها لأبسط الحقوق التي يجمع عليها الفلسطينيون ومعهم أغلب دول العالم.

ولهذا تجب مناقشة المشروع في الاستراتيجيا، وليس في السياسة، حيث كان شرط الإشهار الأميركي لتبنّي الرؤية «الإسرائيلية» لحلّ القضية الفلسطينية، هو التخلص من قوى المقاومة وتحقيق نصر حاسم عليها، ولأجل هذا الشرط خيضت الحروب كلّها منذ العام 2000، وجرى تأجيل نقل السفارة الأميركية إلى القدس منذ أن تمّ إقراره بقانون عام 1998، والسير بعكس ما كان معمولاً به في الماضي يعني شيئاً واحداً هو العجز عن تحقيق ما كان مأمولاً به في هذا الماضي، لكن القرار بإدارة الظهر لما هو سياسي والتفرّغ لمواجهة ما هو استراتيجي، ولو بدون خريطة طريق واضحة، بل بإعلان خط الاشتباك والإضاءة عليه والتفرّغ لحشد القوى في مواجهته، فتصير لـ« صفقة القرن » صلة بالانسحاب الأميركي من التفاهم النووي مع إيران لوقوعهما في المنزلة ذاتها تحت عنوان الانتقال من السياسي إلى الاستراتيجي.

ففي الحالتين، لا تملك واشنطن وتل أبيب أيّ بدائل سياسية لما يتمّ الانسحاب منه، ولا تبدو الحرب خياراً واقعياً بديلاً، ولا تبدو عروض التسوية صالحة للتداول بالشروط المعلن عنها أميركياً لكلّ من القضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني، فقانون الصراع هو الحاكم ولو من دون خطة واضحة للتعامل مع المتغيّرات والوقائع.

جولة جديدة من الصراع بلا أفق واضح تريدها واشنطن، ضمن معادلة إنكار الحقائق الجديدة، التي يشكّل التسليم بها وضع «إسرائيل» والسعودية على خط الانكسار الاستراتيجي، عبر التسليم الموازي باليد العليا لمحور المقاومة في معادلات المنطقة، والسعي للتسويات الواقعية والمؤقتة معه في هذا الطريق الذي بدا واضحاً خلال السنوات الأخيرة من الحرب في سورية.

كما بدت عملية العودة إلى مربع الصراع الرئيسي، من موقع تسوية الخلافات بين أطراف الحلفاء، تركيا ومصر من جهة، السعودية والإمارات وقطر من جهة مقابلة، تحالف تكون «إسرائيل» في قلبه يضمّ بداية دول الخليج أملاً بأن تتسع الدائرة تدريجاً، وزيادة غير مسبوقة للعقوبات على إيران أملاً بتصدّع يصيب تماسكها وعناصر قوّتها وحيوية قدرتها على دعم قوى المقاومة. هو تموضع جديد في المنطقة، القضية الفلسطينية فيه ليست إلا العنوان، ولا وهم لدى أصحاب هذا التموضع بقدرتهم على تقديم حلّ قابل للتطبيق واقعياً، بقدر إشهار نياتهم معاً بأنّ هذه القضية لم تعُد من أولوياتهم، وأنّ وقوعها ضمن أولويات محور المقاومة يجعل الاشتباك مع دول وقوى هذا المحور هو الأولوية.

النجاح والفشل لا يُقاسان هنا بالقدرة على تقديم حلّ قابل للحياة للقضية الفلسطينية ومناقشة هذه الفرضية، بل بالقدرة على تهميش القضية الفلسطينية من جدول أولويات المنطقة، لحساب أولوية جديدة، هي الصراع مع إيران وقوى المقاومة. والتحدّي هنا هو في سباق مع الزمن بين مَن يثبت أنّ أولويته هي الحاكمة لصراعات المنطقة، وأنّ هذه الأولوية قادرة على استدراج خصومه لحرب استنزاف لا يملكون صموداً في وجهها. السباق يبدأ على إظهار مَن هو الأقدر على فرض الاستقطاب حول أولويته في المنطقة كجدول أعمال حاكم على قواها وحكوماتها وشعوبها، ومَن يثبت أنه الأقدر على الصمود في مواجهة الاشتباك المفروض عليه، بانتظار أن يفرض أولويته هو على الآخرين، هل تصمد إيران وقوى المقاومة بوجه العزل والعقوبات والاصطفافات الجديدة والتحالفات الوليدة، حتى يصير الصراع حول فلسطين هو العنوان في المنطقة؟ وفي المقابل، هل تصمد «إسرائيل» والسعودية أمام حروب الاستنزاف حتى يصير الصراع مع إيران هو قضية المنطقة؟ هذه هي المعادلة التي يضع الاختبار حولها مشروع « صفقة القرن ».