سقط الخبر سقوط الصاعقة على كل أفراد الشعب التونسي ، الخبر لم يكن عاديا بكل المقاييس و هناك من كان ينتظر مثل هذه السقطة السياسية الدراماتيكية الكبرى و له أسبابه و تفسيراته و هناك من ظن برئيس الحكومة خيرا إلى حين القرار ، لكن الثابت أن رئيس الحكومة قد أصدر القرار الذي سيكون سببا في سقوطه النهائي من حلبة الحكم و القضاء على كل طموحاته السياسية في علاقة بالانتخابات الرئاسية لسنة 2019 ، الشاهد اليوم بهذا القرار الغير المدروس و الذي يستدعى مليارات الأسئلة لف حول عنقه حبل الإقصاء من السياسة و السقوط الذي ليس بعده رجوع خاصة و انه خلق طيلة فترة حكمه كثيرا من الأعداء المهمين على الساحة السياسية و الاجتماعية ، اليوم يتخلص رئيس الدولة بذكاء منقطع النظير من شخص تبين في نهاية الأمر انه مجرد لاعب هاو مغفل في السياسة لا يدرى كيف يتعايش مع متقلبات و خبايا و خفايا اللعبة السياسية القذرة ، ما سيحدث للشاهد سيكون شبيها لما حدث للمرحوم محمد مزالى و سيضطر الرجل إلى الخروج من الباب الصغير و ربما سيخضع للمحاكمة القضائية أو سيتم ” عزله ” شعبيا بعد أن فقد مبررات وجوده في قصر القصبة الذي تبين أنه أوسع من دائرته الفكرية الضيقة .

لقد تنبأ الكثيرون بسقوط الشاهد و بسقوط حزب النداء الحاكم و تفاعل الشعب سلبيا مع نكث الرئيس الباجى قائد السبسى لكل وعوده الانتخابية و بالذات نكث وعده الصريح بكشف حقيقة اغتيال شهيدي الوطن شكري بلعيد و محمد البراهمى و قد كان الغضب الشعبي من كل هؤلاء صريحا و واضحا في “انتخابات ألمانيا ” و في الانتخابات البلدية الأخيرة و ما خفي كان أعظم على رأى كثير من المحللين ، بطبيعة الحال تبخر المخزون الانتخابي لحركة نداء تونس بل هناك سخط متصاعد على رئيس الدولة الذي جاء بجملة من الطفيليات السياسية أدت إلى تشظى الحزب و غرقه في مستنقع التناقضات و الضرب تحت الحزام و الشطح و الردح السياسي الغارق في السفالة و قلة الحياء ، في جانب رئيس الحكومة لم يصدق المواطن هذا الرجل لكثرة تناقضاته و لعبه الواضح على كل الحبال و كان جليا للعيان انه تم إسقاطه في حلبة قيادة حكومة ما سمي نفاقا بالوحدة الوطنية للتخلص من سلفه المرتبك الحبيب الصيد في لعبة سياسية رئاسية قذرة دبرها بعض مستشاري الرئيس المعروفين بتصرفاتهم المريبة و رأى فيها الرجل فرصة سياسية للتخلص من تبعات فشل حكومة لم تكن تحظى برضاء بعض الأطراف الداخلية و الخارجية ، لقد تخلص الرئيس من الصيد الفاشل ليأتي بشخص أجمعت كامل الطبقة السياسية بكل تناقضاتها بأنه أكثر رؤساء حكومات ما بعد الثورة فشلا .

عندما تخلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد عن وزير التربية ناجى جلول تبين أن الرجل عظمه طرى سياسيا و انه ليس رجل الدولة القادر على رفع تحديات المرحلة بكل تضاريسها المختلفة و بتلون سياسات و مواقف بعض الأحزاب المشاركة في الحكم و على رأسهم سليم الرياحى وياسين ابراهيم و راشد الغنوشى ، كانت إقالة وزير التربية الناجح فضيحة سياسية و ضربة موجعة لمصداقية حكومة الارتباك و انتهت كل تحاليل المتابعين أن الشاهد قد بدأ عملية انحدار سياسية مسرعة ستؤدى به إلى مزبلة التاريخ لأنه لم يقف مع الشعب في صراعه ضد غطرسة مرتزقة التعليم و خذل وزيرا من أكفأ وزراءه الناجحين القادرين على إصلاح التعليم و إرجاع هيبة المدرسين و الارتقاء بمرتبة الشهائد العلمية التونسية ، لم تكن عملية إعفاء ناجى جلول يوم غرة ماى بما يعنيه التاريخ من رموز سياسية قرارا سياسيا من صلاحيات الحكومة بل كانت طعنة في الظهر و خيانة وطنية لرجل ناجح و تبين أن كرسي الحكم الذي يجلس عليه رئيس الحكومة قد لعب برأسه و بات يعانى من هلوسة البقاء التي عانى منها كثير من أسلافه مثل حمادي الجبالى و على العريض و مهدي جمعة .

اليوم يسقط الرجل السقطة القاضية بإقالة وزير الداخلية الذي يشهد له الجميع بالكفاءة المهنية و الانضباط السياسي و لعل الجميع يقرون بان النجاح الوحيد الذي حققته هذه الحكومة البائسة هو النجاح الأمني الذي يحسب لحسن التسيير و الإدارة للوزير المقال و ليس لرئيس الحكومة الذي أثبتت الأحداث و المظاهرات و الاحتجاجات الشعبية انه لا يدرى كوعه من بوعه و أن قراراته تأتى دائما متأخرة و معدومة الفائدة و بعد أن تحترق البلاد و يدفع الشعب فاتورة إصلاح و إعادة ما تم إحراقه من مراكز سيادة و مؤسسات دولة ، لقد تحدث الكثيرون على المفعول السوء لمحيط رئيس الحكومة و سوء أداء بعض مستشاريه و على رأسهم إياد الدهمانى و مهدي بن غربية و كان لافتا في كلمة رئيس الحكومة الأخيرة التي خصصها للهجوم على ولد الباجى الحالة العصبية الزائدة عن الحد و التي تؤكد لبعض دارسي علم الخطاب السياسي أن الرجل قد وصل إلى مرحلة متقدمة من العصبية و قلة ضبط النفس التي لها تأثير على وجه تصرفه في الحكم ، نحن إذن أمام رئيس حكومة فاقد لأعصابه بعيد كل البعد عن الحنكة السياسية و فقير كل الفقر لأبجديات اللعب و الرقص مع الذئاب ، بطبيعة الحال لم يبق من مساند و لو بالظاهر للرجل إلا حركة النهضة ذات الميول الخارجية المشبوهة و إذا كان هذا الرجل يظن خيرا برئيس البلاد او بوفائه السياسي فتلك الطامة الكبرى .

لقد فشلت الثورة فشلا مرعبا و إقالة وزير الداخلية ستكون من تبعاته عودة كل الإرهابيين العالقين على الحدود مع ليبيا و فتح الحدود لدخول كميات الأسلحة ، الصيف سيكون دمويا بكل معنى الكلمة و ستعيش تونس أحلك أيامها و ستتضاعف المعاناة الشعبية و الأمنية بحيث سيتضاعف الشعور العام بعدم الطمأنينة و سيزيد من المعاناة النفسية و من حالات الانتحار و ستستغل حركة النهضة هذا الوضع للعودة للمساجد و خزن الأسلحة و تدريس اللغة الإرهابية في كثير من النفوس الخائرة الفاقدة للأمل في هذه الثورة التي وضع عليها البعض آمالا كثيرة فباتت مجرد ذكرى مؤلمة ، هذا ما أراده الشاهد عن سابق إصرار و ترصد و هذا ما سعت إليه حركة النهضة منذ خسارتها للانتخابات التشريعية و الرئاسية في 2014 و تعيين غازي الجريبى على راس وزارة الداخلية في هذه المرحلة الحرجة المتزامنة مع عودة أبناء الوطن و تدفق السياح يؤكد أن سيسحب فشله المعلن في وزارة العدل و ما ينسب إليه من شبهات حول كيفية تعامل الوزارة مع ملفات الفساد و الإرهاب على أداء الداخلية و ستمكن هذه الاستقالة من عودة رموز الأمن الموازى التابع لحركة النهضة و إتلاف عديد الملفات الحارقة حول شبكات التسفير و اغتيال الشهداء و علاقة الحركة بالموساد في إشارة إلى اغتيال الشهيد محمد الزوارى إضافة إلى ملفات التحقيق فيما شهدته البلاد من مظاهرات و تحركات اجتماعية مشبوهة أحرقت الأخضر و اليابس و تركت علامات استفهام سياسية كبرى . هذا ما أراده الشاهد لهذا الوطن بمنتهى الإيجاز .