كانت لحظات صعبة ومريرة عاشتها وشهدتها قرية الرمالي بالمنوفية بمصر ، عندما تعرَض عشرة من شبابها ورجالها لإصابات بالغة وحروق جسيمة نالت من معظم أجسادهم بنِسبْ عالية ، كادت أن تُهلكهم ، لولا عناية الله ولُطْفِه ، وذلك أثناء محاولتهم إنقاذ قريتهم ، حينما شبَ حريق هائل داخل مقلي بالقرية لقَليْ اللِبْ والسوداني !!

كان المُشاة في شوارع القرية ذهاباً وإياباً ، يقضون حوائجهم من المحلات والدكاكين، وكان المصلون في المساجد يؤدون صلاتيْ العشاء والتراويح ، فأهالي القرية كعادتهم السنوية ، يتمتعون بأجواء الشهر الفضيل ، وحُسنْ ليالية المُباركة ، وبينما الناس سائرون في شارع القرية الرئيسي ، وإذا ببعض الشباب يلْحظون إندلاع ألسنة النيران من داخل مقلي للسوداني بالقرية ، رغم أن الباب الصاج للمقلي كان مُغلقاً ، وليس بداخله أية أشخاص ، فهرول الشباب نحو باب المقلي ، وقاموا برفعِه ، وألقوا بأنفسهم داخل المحل المشتعل، محاولين إخماد نارُهُ الموقدة !!

الشباب المُطفئ للحريق ، فوجئ بالنيران تزداد ألسنتها ولهَبها بشكل مُخيف ، فتوجسوا خيفةً وهلعاً ، ورغم ذلك حاولوا إطفاء النيران ، مستخدمين طفايات الحرائق الموجودة ببعض المحلات المجاورة ، ولكن للأسف الشديد ، كان المقلي المُتأجج بالنيران ، يحتوي علي كميات من علب البيرسول والسجائر ، والتي ساعدت في إشتعال النيران بصورة أوسع وأكبر ، ويا آسفي فمع إشتعال النيران بتلك الصورة البشعة ، فقد نالت من أجساد ووجوه وهيئات الشباب الذين ساقهم إخلاصهم وشهامتهم لإخماد الحريق !

كان مشهد الحريق بمثابة الطامة الكبري ، الذي تدمع له الأعين وتفزع له القلوب وتقشعر له الأبدان من هَوْلِهْ وفظَاعته.. شباب كالورود يحترقون وتتساقط جلودهم وتتشوه أجسامهم ، وهم غير مبالين من ذلك بشيئ ، بل إلتزموا السعي والجهاد بأرواحهم لإخماد النيران التي هاجمتهم ، خشية أن يمتد الحريق للبيوت المجاورة ، فيقتل الأبرياء والأطفال والنساء.. إنهم أبطال أصابهم الضُر بقدر الله ، الذي لا يأتي إلا بخير !!

أهالي القرية سارعوا بإستدعاء سيارات الإطفاء والإسعاف لإطفاء الحريق الذي إتسعت رقعته ، ولإنقاذ ضحايا الإصابات الهائلة .. ولكن الإهمال كان حليفاً لرجال الإطفاء والإسعاف الذين تأخروا عن وصولهم لمكان الحادث الأليم .. فهل يُعقل أن تصل سيارات الإسعاف والمطافيء ، بعد حدوث تلك الكارثة بحوالي ساعة ونصف الساعة ، رغم أن المسافة لا تستغرق عشرون دقيقة تقريباً ؟!! كارثة وإهمال لا يقبل أية أعذار أو حُججْ !! النار أكلت ساحة المقلي ، والمصابون كانوا في حالة صحية خطيرة ، والأهالي تَلقِي علي أجسادهم بالمياه ، لتطفئ النار التي إلتصقت بأجسادهم ، في الوقت الذي حضرتا فيه سيارات الإسعاف والمطافئ بعد تضخُمْ حجم الكارثة !!

أهالي القرية كانوا حياري وحالهم القلق والتردد ، من قرار نقل المصابين وهم علي تلك الحالة الحرجة.. أينقلونهم في سيارات عادية ، أم ينتظرون مجئ سيارات الإسعاف المُجهَزة طبياً بأجهزتها وطاقم مسعفيها ؟!!

شهود الموقف آثروا إنتظار الإسعاف، وليتهم ما إنتظروها ، فإن إنتظار الإسعاف كان مضيعة للوقت ، ومضيعة لفرصة أكبر لإسعاف لأجساد الأبرياء من أبناء الرمالي بمركز قويسنا.. فكيف لأجساد محترقة أن تنتظر ولو لسويعات دون سرعة إسعافها..وكيف تصبر لحوم بشرية تتعذب من نار الحريق وتتوجع بكل أنواع الآهات والألم ، كيف تصبر أكثر من ساعة ونصف الساعة بلا علاج يداويها !!

ثم مَنْ يُحاسب المسئولين من رجال الإطفاء والإسعاف بقويسنا ، الذي تأخروا في تأدية واجبهم ، فكانت خيبتهم سبباً لإتساع دائرة الأذي والضرر اللذَيْن وقعا علي إخوتي المتضررين من إصابات حريق قرية الرمالي !!

وبعدما تحركت سيارات الإسعاف في طريقها ، لمستشفي قويسنا المركزي ، حاملةً لأجساد المحروقين ، كانت المفاجأه المُخزية ، وهي رفض قسم الطوارئ إستقبال حالات المصابين العشرة ، بحجة عدم تأهيلها طبياً لعلاج حالات الحروق ، مما تسبب في مضيعة أكبر للوقت لسرعة إسعاف أصحاب الحروق ، فتمَ نقل المنكوبين لمستشفي الحروق بشبين الكوم بالمنوفية، والتي تبعُد نصف ساعة عن قويسنا .

أحزان شديدة تكسو وجوه أهالي القرية بسبب مُصيبتهم العظيمة في أولادهم وفلذات أكبادهم ، أئمة المساجد يدعون لهم والمصلون يأمنون بتمام الشفاء لأصحاب الضُر المساكين.. شباب القرية ورجالها ، شكَلوا اللجان وجمعوا التبرعات المادية لإعانة كل مُصاب علي مُداواته ، بعدما أخبرهم الأطباء بأن علاجهم سيكون مُكلفاً للغاية، حالة سعي مشكور وتضامن من أهالي الرمالي بالمنوفية لأجل ذويهم الذي يرقدون بين الحياة والموت.. لم يتهاون المتبرعون بالدم من تقديم دمائهم فداء وإنقاذاً لأصحاب المُصاب الأليم .

وإنني لأري بأن صاحب المقلي مُخطئ لإهماله وعدم أخذه حذره ، وهو يدري بأن مكان عمله يحتوي علي أنابيب للغاز الطبيعي ومواد أخري قابلة للإشتعال السريع ، وبسبب الإهمال ، وقعت الواقعة !!

أما هيئتي المطافئ والإسعاف فلن يفيد معهم اللوم والعتاب فيما إرتكبا من خطيئة وجُرمْ بسبب تأخر رجالهم للسيطرة علي الحادث وإنقاذ أصحاب الإصابات ، فإلي متي سيظل الإهمال والتهاون بصحة المرضي عنواناً قبيحاً للمؤسسات المختصة بالدولة المصرية ؟!

أما طاقم أطباء الطوارئ بمستشفي قويسنا المركزي ، فكان جهلهم بكيفية إسعاف أصحاب الحروق ، أمر مُضحك وله العَجَب العُجاب..فكيف يتجاهلوا شأن أرواحاً كادت أن تفيض وهي تصرخ باكيةً من شدة حروقها ، وهم يتأسفون لعدم وجود ولو مُتخصص واحد بالمستشفي لعلاج الحروق.. حقاً إنها فضيحة لمستشفي قويسنا ، بموقعها الحيوي لوقوعها علي طريق القاهرة الإسكندرية الزراعي ، لأن تعجز بجهلها عن إسعاف أصحاب الأوجاع الثائرة في أجساد ضحايا الحريق !!

أما أهل القرية الكرام، فلعلَ دعوة صائم منهم أثناء فِطْرهْ يستجيب لها رب الناس، فتكن برداً وسلاماً علي أجساد إخوتي المصابين..فتَطِيب جِراحهم وتندمل..ولو أنَ بعض شباب قريتي ، تدرب سالفاً علي كيفية إسعاف حالات الحروق، لكان خيراً لهم ، في حُسن إسعاف ذويهم.. ولكن من الخطأ نتعلم !!