إقطاعيو لبنان!!!

ينقسم الإقطاعيون في لبنان إلى ثلاثة أقسام:

الأول   : إقطاعيو الزمن الماضي…

الثاني  : ورثة الإقطاعيين الحاليين الأحزاب الطائفية والمذهبية…

الثالث : أحفاد الإقطاعيين القدماء…

قال لي جدي رحمه الله: «أن الإقطاعيين في زمانه كانوا مستبدين لا يعرفون الرحمة، أنفسهم… ثم أنفسهم… ثم أنفسهم… ثم أبنائهم»…

سألته: «لماذا يا جدي». قال: «جُبُ الدنيا… ثم حب المال والسلطة»…

ثم تابع جدي قوله: «يا جدي كان الإقطاعيون يستغلون الفلاحين العاملين في أراضيهم الشاسعة التي يرونها بعرقهم ودمهم، كانوا يستغلونهم إلى أبعد الحدود، حيث كان الفلاح منهم يعمل في الأرض من شروق الشمس إلى مغيبها، دون كلل أو ملل ينتظر رحمة الرب وستر عائلته فقط، دون أن ينال بدلاً عن أتعابه، إلى حين أن يأتي حصاد المواسم في الصيف كل سنة مرة، يتحنن عليه البيك الإقطاعي بحفنة من المحصول يقوم الفلاح المسكين بتموينها إلى فصل الشتاء ليقتات بها وعائلته…

وإذا قصد الفلاح يوماً ما البيك الذي يعطيه عرقه ودمه ليطلب منه خدمة لولده من طبابة أو تعليم مثلاً كان جواب البيك على سبيل المثال كما أجاب أحدهم يوماً : “لماذا تريد تعليم ولدك فإنني لمن أعلم كامل!!!” وعلى هذا المثال أمثلة كثيرة»..

إستغربت يومها لصغر سني…

فليزيل جدي إندهاشي للقصة أردف قائلاً:

«إسمع يا جدي ما حدث معي عندما ذهبت للبيك الذي أعمل عنده لطلب خدمة بعمل ولو متواضع لوالدك»…

سألته وماذا حصل… أجاب جدي والحسرة تملأ صوته المتحشرج من سنين القهر والفقر والعوز: «طلبت من البواب الإذن بالدخول فذهب وعاد بعد فترة من الزمن الغير قليل، ليسمح لي بالدخول، وكان إستقبال البيك أهلا أهلا بالحبايب، وبعد طول الترحيب والسؤال عن الأهل والأقارب وأهل الضيعة، وإجابتي بالدعاء له بطول العمر والوصول لأعلى المراتب والمراكز، طلبت منه عملاً لولدي في بيروت كون المعاش أفضل من يومية الفلاح في القرية، فما كان من بيكي فوراً ودون تردد إلا أن رفع سماعة الهاتف القديم الغير موجود في منازل الفقراء وهو حكرٌ في ذاك الوقت على الأغنياء والبوكات، وبدأ الحديث والطلب من الذي يتصل به ويقول له إنه ابن عزيز على قلبي الخ… وعند وقوفي للخروج قائلاً له: يا بيك إسمح لي حتى لا آخذ من وقتك الثمين، وقع نظري على سلك الهاتف أنه مسحوب من الحائط وأنه غير متصل بالشبكة وأن الإتصال كان تمثيلية»….

هذا ما حدثني به جدي عن إقطاعيوا الأمس!!!

فماذا عن إقطاعيوا اليوم… من أحزاب الطوائف والمذاهب وأمراء الحرب الأهلية؟….

هل يمكن أي من الفقراء والمستضعفين وأبناء الطبقة المعدمة (لأنه لم يعد هناك طبقة وسطى) أن ينال خدمة منهم أو أن يقترب من عروشهم المبنية على جماجم الشهداء… أو أن يشتم رائحة الجبنة لا أن ينال قطعة منها. إلا إذا كان ينتمي إلى حزبهم؟ حتى لو كان من طائفتهم، حتى لو كان من مذهبهم، لا ينال الشرف الرفيع إلا إذا كان من موقعي الإنتماء إلى أحزابهم!!!

أما الفريق الثالث من إقطاعيي لبنان هم ورثة إقطاعيي الزمن الغابر (أحفادهم) وهذا ما حصل معي شخصياً حيث اتصلت بحفيدٍ لأحد الإقطاعيين القدامى وطلبت منه خدمة بسيطة في شركة خاصة وليس وظيفة دولة تتطلب ألوف الدولارات (كرشوة) لأحصل عليها لولدي… وكان الجواب الذي دغدغ أملي وأصبحت بيقين 90% أن أحصل على الخدمة بعد التأهيل بالأستاذ، تكرم عينك أستاذ، أستاذ ولدك ولدنا، كان الجواب المدغدغ:«لا تتعذب أستاذ بمعاودة الإتصال نحن في خدمتك فور حصول معنا أي جديد نحن نتصل بك سجلتها أمامي»!!! وطال ومازال الإنتظار يطول وكأنني أنتظر عودة جدي من القبر!!!

قللّت من ذكائي بسبب عاطفتي لولدي فلذة كبدي وعاودت الإتصال بحفيدٍ آخر لإقطاعي آخر من نفس زمن الممثلين القدامى الغريب الغير مستغرب بل مستهجن كأنهم درسوا الأجوبة في نفس الجامعة وكان الجواب الثاني كالأول مطابقاً مشابهاً 100%!!!

وصلتني الرسالة التي كنت متأكداً منها لكن العاطفة جعلتني أجرب المجَرب منذ أيام جدي لوالدي والى يومنا هذا!!!

بربكم أليست هذه التمثيليات القديمة التي كان يمثلها البوكات على أجدادنا في الماضي تشبه اليوم تمثيليات أحفادهم علينا نحن أحفاد الفلاحين:«لا تتعذب إستاذ بمعاودة الإتصال نحن في خدمتك، عند حصول أي جديد معنا بخصوص وظيفة إبنك نحن نتصل بك»!!! ألا تشبه تمثيلية جده عندما كان يرفع سماعة الهاتف الغير متصل بالشبكة ويبدأ بالكلام والسلام بالرجل المهم على الطرف الآخر وبعدها يطلب الخدمة لإبن العزيز على قلبه والنتيجة إتصال من هاتف غير متصل بالشبكة الهاتفية!!!…

حسبي الله ونعم الوكيل…