يروي الصحفي الايراني “حامد هاديان”ما شاهده في جولة بين جدران الموصل المتعثرة بحجارتها المهدمة ناقلاً بقلمه أحلام مدينة كهلة تعايشت مع الحروب ولازلت تتنفس الحياة.

برس شيعة – حامد هاديان: ثقلت الشبكة وغاصت في الماء أكثر وبدأ الصياد العربي ينتشلها بصعوبة، وأنا كنت أقف إلى جانبه، وخرير الماء يكسر صمت الليل وحلم الصياد يرسم أسماكاً سمينة تملأ سلاله، لكن الشبكة حطمت أحلامه بجسد هامد لرجل كثيف الذقن تلف رأسه عمامة سوداء تدور حوله أسماكٌ صغيرة. على الرغم من أن الشبكة خرجت من أسفل النهر إلا أن رجل الشبكة لازال حياً، خاف الصياد قليلاً وأرخى الحبل لكن الشبكة هجمت نحو الشط. اقتربنا وأمعنا النظر في الشبكة واذ به “أبو بكر البغدادي” صيد تلك الليلة من نهر دجلة وسط الموصل، انتاب جسدي القشعريرة بينما لمعت عينا الصياد بشغف وسرور.

****

كما يقول الأديب الامريكي “راي برادبري” (ارم بنفسك من أعلى الجبل واصنع لنفسك جناحين أثناء السقوط)، كذا فعلت في زيارتي إلى الموصل ودون اي تنسيق رميت بنفسي إلى قلب المدينة العريقة، لم يرغب أحد هنا في ايران أن نذهب دون تنسيق إلى مثل هذه الأماكن أو ربما لم يرغب أي أحد في أن أقحم نفسي في مثل هذه المواضيع، كيلا يسمعوا روايةً غير رسمية عن قضايا المنطقة المعقدة، فما يقوله التلفاز من أخبار سطحية يمكن توقعها مسبقاً ربما يكفي للبعض، الأمر لا يختصر على التلفاز الرسمي هنا في ايران بل منتجي الافلام الوثائقية والمصورين ايضا يحتاجون الى تنسيق مسبق و اجراءات ادارية مرهقة حيث لا يمكن لهم التوغل في قلب الحقائق الميدانية هذا في حين تقوم القنوات الاجنبية مثل مثل البي بي سي الفارسية التي تتواجد في الميدان تعمل على حرف الوقائع بشكل مدروس.

قررت أن أرمي بنفسي من أعلى الجبل نحو الأسفل، أخذت رقم هاتف أحد الأشخاص العاملين في وسائل الإعلام المحلية ليدلنا على الاماكن التي تعرضت للاشتباكات، أصبحنا ندعوه فيما بعد “هاشم بور” وذلك بسبب التشابه الرهيب بينه وبين الممثل الايراني “جمشيد هاشم بور” . قال لنا المصور المحلي ان داعش قام بحرق كل أفلامه حيث أصيب ب6 رصاصات ولازال على قيد الحياة ليساعد الصحفيين الأجانب ولاسيما الفرنسيين. حذرنا “هاشم بور” من المخاطر المحتملة في المدينة الخطيرة بمبالغة زائدة إلا أننا كنا مجبرين على ترجيه لمرافقتنا، سألني: “كم شخص أنتم؟” أخبرته بأننا ثلاثة أشخاص، أنا وصديقين تمكنت من اقناعهما لمرافقتي، وهما عليرضا كمصور وعلي بصفة المترجم.

الطريق إلى الموصل يبدأ من بغداد، ستة ساعات مررنا بتكريت وبيجي لنصل إلى الموصل، كانت المدن في الطريق أشبه بمدن الأشباح، فالحرب أثقلت بظلالها على الناس والمدن خاطفةُ الأرواح والعيون. مع ساعة تأخير وصلنا إلى الموصل أخيراً.

ست ساعات من بغداد إلى الموصل، وكانت بغداد قبل ست سنوات على شفا السقوط في يد داعش بسبب الخلافات الدائرة بين التيارات الشيعية لولا فتوى آية الله السيستاني المفاجئة. ركبنا سيارة كرايسلر 300 التي يدعوها العراقيون “أوباما” لا أعرف لماذا “أوباما” بالتحديد، ولكن يبدو لي أن العراقيينيطلقون على كل سيارة جديدة اسم  شعبي خاص. سائق التاكسي نسي أن يقوم بتعبئة خزان السيارة بالوقود ولم يكن هناك اي محطة وقود مفتوحة عند الصباح الباكر، بقينا في الطريق عدة ساعات وأغلب الطريق كان صحراوياً وأجزاء منه مهدمة حيث الجسور المحطمة واعمدة الكهرباء مكسورة وبقايا القذائف لفتت انظارنا، من شوقي لرؤية الموصل لم أنم كل الطريق بينما كان علي وعليرضا يغرقان في النوم.

كان هاجسي أن أرى الصورة التي خلفتها الحرب عن قرب وعلى حقيقتها، على الطريق كانت الصحراء ترمي بسكوتها نحونا، وفي الخلف تسمع أصوات مبعثرة من ازيز الرصاص وآهات الأبرياء، والطرق التي أغلقت لسنوات فتحت الآن وملئت بحواجز التفتيش، لم يعترض طريقنا أحد في مسير الذهاب. عند أحد الحواجز سألنا عسكري: “إلى أين تذهبون؟”. قلنا ” الى الموصل”. قال “من أين أتيتم؟”،أجبنا “ايران”، بدت عليه الدهشة، فمن الممكن أن ترى الايرانيين في أي مكان في العراق لكن هنا؟!. أوضح علي للعسكري اننا صحفيون وقد أتينا بتنسيق مع الحشد الشعبي. فقال لنا: “في امان الله”.

****

عند الساعة الحادية عشر وثمانية وأربعين دقيقة وصلنا على متن “أوباما” إلى الموصل، عمر المدينة يعود إلى الألفية السادسة قبل الميلاد، وآثارها الحالية تعود إلى ألألفية الثانية قبل الميلاد، أوصلنا  “هاشم بور” وأعطانا عنوان. ركبنا سيارة أجرة لم نعجب سائقه على ما يبدو، سيارته كانت “برايد” أو كما سماها “الداعشيون” “الصفوية”، نفس الفكرة في تغيير أسماء السيارات لكن في هذه المرة يظهر الحقد العميق تجاه الايرانيين. سمعنا من بعض سكان المدينة ان “داعش” منع السيارات الايرانية وأصدرت حكماً بالإعدام على من يركبها الا انني رأيت فيه مبالغة.

قطعنا عدد من الشوارع الرئيسية ودخلنا المدينة فعلاً، لا أعرف كم مرة يمكن أن تقول لنفسك (هذا أول مرة أرى فيها هذا المشهد)، لكنني بالفعل كنت أرى ذلك المشهد للمرة الأولى، للمرة الأولى أقف أمام مدينة نقرت الحرب سقف أسطحها ورؤس سياراتها وأحياناً رؤوس ساكنيها، لا نهاية للخراب، ما كان أمام عيني لم يكن مدينة بل كان (م د ي ن ة ) حروف مقطعة الأوصال، وكأن زلزال مرّ من هنا وكأن قنبلة تفجرت في سماء الموصل، حرب مدوية سكنت في جدران الموصل آخر معاقل داعش.

على الرغم من موت بعض المدينة إلا انها كانت تتنفس الحياة في جزء آخر، ربما لم تشهد من قبل مثل هذه الحرب الدموية المدمرة، على أطراف الموصل القديمة تقف السيارات ليركب الناس العربات ويزاولون حياتهم اليومية بشكل طبيعي بين هذه الانقاض، وهي بشكل واقعي أفضل بكثير من العيش في المخيمات. خلف زحمة المرور جلسنا نتسامر مع السائق العصبي، قلنا له أننا من تلفزيون عراقي، سرّ لذلك وتمنى علينا أن ننقل ما حدث هنا، قال لنا أن الحكومة قتلت عدد من الأبرياء بتهمة انتمائهم لداعش، وأشار بيده إلى نهر دجلة وقال لنا هنا قتل الأبرياء، في تلك اللحظة كنت أرسم في ذهني شكلاً جديداً للموصل ونحن نعبر النهر الذي يتخلل المدينة التي تروي التاريخ.

في رواية “المعلم ومارغريتا” للكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف، الشيطان يظهر فجأة ويحمل إسم فولاند متجسداً على صورة «بروفسور أجنبي» يصل الى المدينة مع رفاقه كي يقدم استعراضات شعوذة حقيقية في بلد لم يعد يؤمن بالشعوذة ليروجوا الأراجيف ويقتلوا الناس ويصنعوا السحر وكل ما يخطر ببالك من عجائب. الموصل اصبحت كموسكو في الرواية حيث دخلها شيطان باسم “أبو بكر البغدادي”، ليتركها مدمرة مليئة بالخراب وكل ما يخطر ببالك من عنف، سبي النساء وسحر عقول الناس وصلبهم وقذف بهم نحو الهاوية، وكل ذلك باسم الشريعة.

“أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني” تبدو عبارات جميلة وحكيمة!، رجع الصدى لازال بين جدران المدينة وكأن الخليفة المزعوم سيبقى على المنبر، أمشي الهوينا على سجاد المسجد الأحمر لا أقصد الاساءة له لكن لم يترك الدمار لنا سوى بعض الممرات لندخل إلى القبة الخضراء النصف متبقية، على مقربة عمود أرى حزاما ناسفا أمسح عيني من الغبار، يقول رفيقنا الجندي “كيلان” لا تقلق “تم ابطال مفعولها يعني أعتقد هكذا !!”.

هنا حيث أعلن البغدادي خلافته المزعومة، رأيت الجامع “النوري”منحني الظهر مكسور الجناحين دون ألوان، مملوء بالكتب المحروقة جدرانه تحمل قلوبها المحطمة وذاكرته تستحضر الخليفة العباسي “المستضيء بالله”.

قرب الجامع الكهل المنهك يلعب الأطفال، ويقف مجموعة من الشباب من كتائب “بابليون” شعرت أن اسمائهم مقتبسة من كتب التاريخ، مشينا مع الشاب “كيلان” نحو رفاقه، بالنسبة لي كان اسم “كيلان” لشاب عربي اسم غريب جداً، سألته لماذا سموك “كيلان”؟ قال لي لا أعرف ولكن أعرف أن هناك مكانين في ايران باسمي.

كنا نسير بين الانقاض اعجبتنا عبارة مكتوبة على جدران الجامع: “من الجامع النوري الى جامع قاسم سليماني البطل”. يبدو ان الجنرال الايراني يسجل حضوره في مختلف المواقع.

على باب المقر العسكري أوقفنا جندي عراقي بكل جدية، أوضح له “هاشم بور” أن لدينا موعد مع قائد المقر، قام باتصالاته الأمنية وسمح لنا بالعبور بعد التفتيش. عبرنا الحواجز الأمنية ووصلنا إلى قصر بناه صدام والذي اتخذت منه داعش مقراً لها والآن أعادته الحكومة العراقية تحت سيطرتها، بناء ضخم وفناء وسيع ومنارات عليها رسوم و نقوش عربية، تلقينا تعليمات بعدم التصوير وعدم التكلم بالفارسية، لم يكن مرحب بنا، عاتبنا “هاشم بور” لماذا لم نحضر هدايا معنا ولماذا لم نرتد ملابس موحدة، يبدو أننا لم نكن محترفين، لكننا وصلنا أخيراً إلى لقاء المسؤول العسكري في محافظة نينوى ومدينة الموصل.

تبدو شخصية اللواء نجم الجبوري شخصية عسكرية بامتياز حيث يحمل كاريزما قائد عسكري بمعنى الكلمة، على خاتمه رسم شعار الكلية العسكرية العراقية. أدى الجبوري دوراً مهماً في تحرير الموصل، ويقال أنه مقرب من الامريكيين، حدثنا القائد عن أمن الموصل وعن بقايا فلول داعش في انفاق أطراف دجلة.

كنت قد رأيت إحدى هذه الانفاق على أطراف الموصل، ووعدنا مرافقنا “هاشم بور” بأن نزورها عن قرب، وصلنا إلى قرية استراتيجية. كان هناك مجموعة من الشبان منشغلين بترميم مسجد القرية رافقنا أحدهم إلى ثقب في جدار كان بابا لنفق يعبر المدينة ويصل أغلب بيوتها تحت الأرض، كان داعش يدرك جيداً أنه في خطر دائم وعليه اعداد نفسه لمواجهة كبرى يمكن له أن يهرب خلالها من هذه الأنفاق.

في اليوم التالي لرحلة الانفاق وقفنا إلى جانب القائد الذي اخرج الدواعش من الانفاق، قال لنا: لازالت العمليات مستمرة ولكن الأوضاع الامنية مستتبة والناس بدؤوا بالعودة الى حياتهم اليومية. كباقي المسؤولين يفتخر بانجازاته، وبالفعل دحر هذا التنظيم الإرهابي هو انجاز عظيم.

يقولون ان معركة الموصل كانت من أصعب المعارك والقادة الذين تناوبوا على هذه المعركة قبل اللواء نجم الجبوري لم يتمكنوا من سد طريق المهاجمين، وحكم على بعضهم بالاعدام بتهمة الخيانة وتسليم المدينة، ففي عام 2014 تم تسليم المدينة لـ 184 عنصر داعشي فيما كانت عناصر الجيش تفوق 200 ألف جندي.

يقول الإعلامي الألماني يورغن تودنهوفر “يبدو أن الدولة الاسلامية أو داعش خرجت من عتمة التاريخ لتلعب اليوم دورا هاما في مركز السياسية العالمية، إلا أن الأمر مختلف عن ظاهره، فداعش هي وليدة الحرب الداخلية العراقية عام 2003″، تودنهوفر الصحفي الغربي الوحيد الذي سمح له بالتجول عشرة أيام في الرقة والموصل، اي عواصم الدولة الاسلامية المزعومة، ونظم بعد رحلته كتابه “عشرة أيام مع داعش” وهو الكتاب الذي اوجد الدافع الأكبر في نفسي لهذه المغامرة.

ما لم أكن أعرفه سابقاً هو أن أغلب الدمار الذي حل بالمدينة هو من عمل الجيش العراقي، هذه الأرض معقدة ومليئة بالفتن، بالطبع لم يكن الدمار الذي خلفه تنظيم داعش بالقليل، حيث لم يتركوا اثرا لدور العبادة ولا المقابر أو المقامات والحسينيات. لم يكن لهم مودة مع المكاتب، حرقوا ما تمكنوا من الكتب دون تمييز فبرأيهم كلها تنشر الضلال.

أغلب سكان المدينة كانوا من أهل السنة ولم يقبلوا خلال السنوات الماضية بعد سقوط صدام حسين بحكم حكومة شيعية حيث كانوا يستهدفون المراكز الحكومية دائماً. كان مجاهدو أهل السنة يقاتلون لاستعادة مدينتهم من أيادي الآخرين، العديد منهم غير معجب بالحكومة ويرغب في أن تكون تحت حكم سني فقط، ولهذا عند قدوم العناصر الداعشية الى المدينة لم يهربوا الى منازلهم بل أقاموا احتفالات ظنا منهم ان “داعش” سيحقق حلمهم لتشكيل “مدينة فاضلة” او يوتوبيا.

جدران المدينة مليئة بالعبارات المناهضة للعبارات الأخرى تعكس المعركة السياسية التي تدور هنا وهناك، الحشد الشعبي يقف على أبواب المدينة تاركاً الصدام الرئيسي للجيش ذو الغالبية السنية، محاولاً الابتعاد عن التصادم مع الأهالي، مما أجبر الجيش على اتباع أقسى الطرق لتحرير المدينة فجلد التاريخ وجلد ذاكرة أهل الموصل وحاضرها.

****

في اليوم التالي تجولت في المدينة وطرقاتها المنسية وجدت بعض الفرح في شوارع ملونة، كانت جميلة لدرجة أن العراقيين أنفسهم في بغداد تعجبوا لرؤيتها، قضينا الليل في منزل وسط مقرات الحشد الشعبي، ليل الموصل آمن ولكن ليس للغرباء.

خرجنا من بوابة الموصل ومضينا في طريق العودة ورأسي يحمل ألف سؤال؛ ماذا سيحل بالموصل؟ هل ستنعم بالأمان؟ هل انتهت الحرب فعلاً هل سيعم السلام فيها؟ لا أحد يعرف.

عيون أهل الموصل عصية على الغرباء، وعيوني لم تنم ايضاً في طريق العودة، أحسد علي وعليرضا النائمين، ما كنت انتظره من الموصل غير ما رأيته، الناس اعتادوا على الدمار والفتن اليومية، تعلموا مجبرين القفز اليومي عنها، هل سأراها مرة أخرى محتلة؟ يصعب عليّ ذلك، لكن كل شيء ممكن.

يراودني أحياناً أن حلم صيد أبو بكر البغدادي كان واقعياً، اذا لم يرغب الناس أنفسهم بشيء ما فلن يحدث بالفعل حتى ولو كان “داعش”.  أهل الموصل أرادوا داعش يوماً ما ولكنهم الآن لا يرغبون بهم، ما حدث يمكن أن يحصل مع كل المدن لا يمكن أن لا نفكر بالأطفال الذين تربوا في ظل الحكم الداعشي، لا أريد أن أكون متشائما، لكن كما يقول “حافظ موسوي” (هنا الشرق الأوسط أرض الهدنة المؤقتة بين الحروب المتعاقبة).

/انتهى/