اذا کان التطبیع مع الکیان الاسرائیلي قد شکل خیارا واقعیا بنظر الانظمة العربیة العمیلة قبل عقود، و طریقا یضمن بقاء حکامها في السلطة، فلا یمکن ان یکون کذلك بعد سقوط مبارك و بن علي. الکل تابع کیف تخلت تل ابیب -عنهما- و معها واشنطن، تماما کما جری مع الشاه محمد رضا بهلوي في ایران. رغم ذلك، مازال خیار التطبیع مطروحا في المنطقة بل اکثر من ذلك بکثیر، بعد ان اضحت ایران العدوة الاولی للبعض !. الی هذا الحد وصل الإنحدار.

ولا غرابة في الأمر .. فإيران تم تصنیفها علی صدر الخصوم منذ ان اطاح روح الله الخمیني بنظامٍ کان من اوائل المُعتَرفین بالکیان الاسرائیلي کدولة، و من اکثر البلدان دعماً له في السِّرِّ و العلن. «الموساد» في طهران، کان یصول و یجول و یأمر و ینهی، و اکثر من ذلك !.

معاداةُ ایران، -مسیرةٌ- انطلقت بُعید قطع الأخیرة کافة اشکال العلاقات مع تل ابیب و رفعها علم «فلسطین» فوق مبنی سفارتها وسط العاصمة طهران. کان الحدث کصاعقة، اَحرَج انظمة التطبیع کثیرا، فشعاراتها التضامنیة المزیفة مع فلسطین، ترجمها الایرانیون علی الأرض دون مقابل، بل رفعوا شعار الموت لأمریکا و اسرائیل و ثبَّتوه في قاموس خطابهم و دفعوا ثمن ذلك غالیا. لم تکن المواقفُ حینها دعائیة او قرارات ثوریة مستعجلة لکسب وِدِّ الشعوب الاسلامیة، ففي عِزِّ قوة الشاه و قمعِه -عام 1963- خاطَرَ آیة الله خمیني بحیاته و هاجم في خُطَبه الناریة، الشاه و الکیان الاسرائیلي معاً، مستنکرا علاقاتهما المشبوهة بجرأةٍ قلَّ نظیرها، فنُفي علی اثرها لخمسة عشر عاما، و قُتل الآلاف من انصاره في مسیرتهم الثوریة حتی انتصارها.

و لعلنا لا نبالغ في القولُ إنَّ فلسطین مثَّلت قُطبَ الرحی في الثورة الایرانیة -و ماتزال-، و لیس مبالغا ایضا قول البعض إن الشاه لم یکن لِیَسْقُطْ لولا حربة فلسطین و استثمارها من قبل قائد الثورة الخمیني -خیر استثمار- علی خلفیة علاقات هذا النظام الشاملة مع الاسرائیلیین، اقتصادیا و ثقافیا و سیاسیا و عسکریا و امنیا.

الحکم الاسلامي منذ استقراره في ایران و حتی الآن، یواجه عقوبات و بمختلف المجالات، کان آخرها النفطية و هي الأقسی علی الاطلاق -قالت واشنطن- انها لم تفرضها علی اي بلد منذ الحرب العالمیة الثانیة !. هذا عدا اتباع اسلوب التهدید و التحریض. ممارساتٌ عقابیةٌ، یعزوها الایرانیون جزما، لعدم تخلیهم عن فلسطین و مد فصائلها المقاوِمة بالمال، و السلاح و الرجال.

في طهران، یکاد لایقام استعراضٌ او مؤتمر او معرض، و لا تقام مناورات، إلّا و لفلسطین مکانة خاصة فیها. اما الشعارات المتضامنة مع القدس، فهي حاضرة في کلِّ حَدَثٍ دیني و وطني. و في سیاق هذا الفهم اطلق مؤسِّسُ الجمهوریة الاسلامیة في ایران دعوته لتخصیص آخر جمعة من رمضان یوما عالمیا للقدس لإبقاء قضیتها حَیَّةً في الضمائر الطاهرة -و فعلا- لاقت صدی واسعا في عشرات البلدان المسلمة و غیر المسلمة في العقود الأخیرة.

یوم القدس العالمي، لیس شعارا فحسب او طقسا سنویا روتینیا لایُقَدِّمُ شيئا و لایُؤخِّر کما تُصوِّرهُ ابواق المُطَبِّعین، و لو کان کذلك فعلا، فلم تتوجس منه «اسرائیل» و یعارضه بعض العرب؟!.

التظاهر في یوم القدس، تحوَّل الی ثقافة و عقیدة لدی المُؤمِنین بحتمیة تحریر الأراضي المحتلة یوما و زوال اسرائیل. و رغم ابتعاد الأمة عن القضیه و انشغالها بمکافحة الارهاب و الطافیة و التکفیر، و رغم ان بلاد المسلمین تُنهَش بلارحمة – اکثر من ايِّ وقت مضی، و رغم الشتات و الفرقة و التعصب، و اشتداد التطرف الاسرائیلي و مشروع التهوید، الا ان عودة «فلسطین» علی رأس اهتمامات الشعوب المسلمة و اولویاتها، باتت مسألة وقت برأي کاتب هذه السطور. فالیوم و بعد ان کُسر ظهر الارهاب في العراق، کل المؤشرات تدل علی انه سَیُهزم في سوریا ایضا و معه الریاض و الدوحة و انقرة.

و لأن تفاصیل هذا السیناریو بات اقرب من اي وقت مضی للواقع -لذا- فمن الطبیعي ان تصبح ایران خارج المِلَّة و تُقاطع -انتقاما-، بینما التطبیع مع «اسرائیل» یأخذ اوسع مدیاته.

* احمد البحراني