ضاقت الدنيا بمروان ، ذلك الشاب المصري ، الذي صار علي مشارف الأربعون ، ولا يزال الفشل حليفه في الحصول علي وظيفة راقية ، عقب تخرجه في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة ، وقد ظل يعاني لسنوات من إشتغاله بأعمال تحتاج جهد عضلي وسط طبقات غير المتعلمين ، ، غير راضٍ عن حاله الذي يراه مائلاً ، حزيناً متحسراً علي تعليمه الجامعي الذي ذهب في مهب الريح .. فكان دائما يستسلم لنوبات قدره بشيئ من الصبر ، قائلاً ” لعله خير “.

كانت ليالي الشتاء تنهمر بلسعات بردها القارس ، وكانت السماء تضخ من فوقها بالمطر الغزير ، في الوقت الذي عَلِمَ فيه مروان وأهل قريته ، بوجود انتفاضة وغضب جمهوري كبير بوسط القاهرة ضد سياسة مبارك وحكومته ، فعقد العزم علي مغادرة أهله وداره لمشاركة المحتجين احتجاجهم ، تاركاً والده الضرير ، وقلبه يتقطع حزناً علي دموع والدته التي أقعدها المرض ، قاصداً بيت جاره ” صبري ” ، حيث كانا علي موعد للذهاب سوياً إلي ميدان التحرير، ليقفوا مع الثوار ، الذين ثاروا كي يستقيم ميزان العدل ، بعدما رجحت كفة الظلم لفترة قاربت الثلاث عقود !!

كان والد مروان يصرخ بقلب يحترق علي إبنه : ” يا ابني ، أرجوك .. لا تذهب للموت بقدميك .. نحن ضِعاف ..لاحيلة لنا ولا قوة ..لو قتلوك أو إعتقلوك .. من سيكون سندنا غيرك يا ولدي ” ، مروان يجيب والده بلهجة حزينة ” يا أبي .. سامحني .. فأنا لست أقل حماساً ووطنية من ملايين الشرفاء الذين إفترشوا ميادين مصر في هذه البرودة المؤلمة ، وتحملوا أمطار الشتاء فوق أجسادهم ، وتركوا أبنائهم ، وبيوتهم الدافئة ، وسلموا الأمر لله ، وذهبوا يطالبون بالعدالة والحرية ولقمة عيش تكفيهم !! ” الأب يهز ويتنهد ، ويصمت بعدما يأس في إقناع فلذة كبده .

كانت الأم جالسه في وسط الدار ، دامعة العينين ، منقبضة القلب ، مرتعشة اليدين ، منعقدة اللسان ، تخشي أن يدرك الأذي ، قرة عينها ووحيدها ، يكاد عقلها أن يجن كلما تصورت أن مروان ، سيخرج بلا رجعة ، وخاطبته بلسان توسل : ” يامروان .. أنت كل شيئ لنا في الحياة ، ولو أصابك مكروه .. ؟! ” ، الإبن يقاطع حديث والدته ويرتمي في حضنها باكياً : ” يا أماه .. حسبنا الله ونعم الوكيل ” ، يقبل مروان وجه والدته وكلتا يديها ، ويسألها الدعاء : ” دعواتك يا ست الحبايب لكل شباب مصر أن يسلمهم الله من كل مكروه ” ، فترفع الأم يديها ، وقد بُحَ صوتها من البكاء : ” ربنا يكفيكم شر الغيب يا ولدي ، أنت وممن معك من أولادنا الطيبين ” .

يتجه مروان نحو منزل صديقه ” صبري ” ، ثم يغادرا بلدتهم الصغيرة ، وفي الطريق ظل مروان صامتاً شارداً ، يكاد يتفطر عقله من التفكير في حديثه مع والديه وتوسلهما إليه بالعدول عن فكرة الثورة الذي رأوها أنها أذي ولا تجلب إلا الضرر لمن يشارك فيها .

خرج مروان من شروده ، ليجد رفيقه صبري نائماً ، ويتمتم ببعض الكلمات ” أمي .. أختي ..مصر بلدي .. ممم..!!” ، فوكزه مروان ، فاستيقظ صبري في فزع ، فرطب مروان علي كتفه ، وسأله ” ماذا بك ؟! ” ، تنهد صبري طويلاً ، وقال ” تركت أمي وأختي بلا مأوي وأنا كفيلهما الوحيد ، وكادت أختي الصغيرة أن يغشي عليها عندما علمت بقرار ذهابي معك لأجل التظاهر … ” ، قاطعه مروان قائلاً ” نفس ما حدث مع أهل بيتي ، ولكن لا تنسي قول الله تعالي في سورة يوسف ” فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏” .

وصلت السيارة للقاهرة واستقلا الشابين الريفيين سيارة تاكسي توجهت بالقرب من ميدان التحرير ، ثم نَزلا ومَشيا قليلاً حتي وصلا لساحة الميدان ، التي إمتلئت بالأعداد الغفيرة ، مستحيلة الحصر ، ثم اندهشا مروان وصبري من صورة الميدان التاريخي الذي تكاد تنخلع أرجاؤه ، وتتصدع أبراجه ، من قوة الهتافات المدوية التي تنطق بها ألسنة الثورة ، وتنادي بإسقاط النظام ..

تولدت حالة حماس غير طبيعي لدي مروان وصبري ، وأعينهم تمتلأ عجباً ودهشة من المشهد الثوري التي يتخطف القلوب ومن اليافطات الهائلة التي تزين الميدان وتحمل شعارات ثورية رنانة ، الجميع يقفون فرادي وجماعات وفي حلقات متصلة ومنفصلة ، وهم يهتفون ” عيش .. حرية .. عدالة إجتماعية !! ”

اتفقا الصاحبين أن يتخذا طريقهما نحو كوبري قصر النيل ، حتي يشاركا ثوار قصر النيل ، وخاطب صبري صديقه ” يا ليت المصريون ثاروا منذ سنوات طويلة ، لكانت الأمور ستتحسن كثيراً …” قاطعة مروان كعادته ” نحن شعب مسالم وصبور علي المآسي ، ثم أن ما نحن فيه هذه الأيام معجزة ربانية ، ولندعو الله أن يتممها بالنصر وانفشاع الظلم بلا عودة ” ، صبري في خشوع ” اللهم استجب يارب العالمين ”

وما هي إلا لحظات ويسمع الصديقين دوي إطلاق طلقات الرصاص ، وتتولد حالة صراخ بين الفاريين من الموت وبين ملاقيه ، الذين يقفوا لا حراك أمام هؤلاء القتلة من معاوني النظام والبلطجية والمندسون .. ارتعد الصديقين عندما رأوا القتلي يتساقطون .. الدماء كالسيل العرم ، خاطب مروان صاحبه ” إنظر إلي مبني الحزب الوطني .. لقد داهمته النيران ” ، صبري يرد في هلع ” البلد تحترق .. تحترق ” ، حالة هرج ومرج في الميدان ، ويسمع الصديقين من ورائهما لحديث بعض الثوار عن إقتحام البلطجية والخونه لبعض السجون وأقسام الشرطة ، وقتل الضباط وتهريب المساجين لإحداث فوضي في البلاد .. الصديقين يحاولا الابتعاد عن المشهد الدموي ، يتجها للجانب الآخر من الكوبري ، ويحين وقت صلاة العصر ، فيتوضأ مروان وصاحبه من زجاجات المياة التي كانت بحوذتهما ، واصطفا في صفوف المصلين فوق الكوبري ، وبينما هم في الصلاة ، إذا بخراطيم المياه كالمدافع المدوية تنهال علي أجسادهم النحيلة ، في محاولة لفض إعتصام الكوبري العريق ، ولكن لم يتحرك أحد من المصلين ، بل بقوا في صلاتهم حتي أتموها !!

بعدما إتمام الصلاة .. حاول مروان أن يتصل بأهله ، كي يطمئنهم عليه ، وكذلك فعل صاحبه صبري ، ولكنهما وجدا أن شبكات الإتصال متوقفه عن العمل ، فظنا أن الاتصالات إنقطعت بتعليمات من حكومة النظام !!

مرت ثلاث أيام علي إعتصام الصاحبين بميدان التحرير مع شباب الثوار ، جو الشتاء يكاد يفتك بعظامهم وأجسادهم ، ورغم ذلك فالميدان يمتلأ عن آخره بالمتظاهرين يوماً بعد يوم ، الملايين يهتفون ” ثوار أحرار هنكمل المشوار ” !!

وعلي بُعد مسافات قليلة ، يشاهد مروان منظر أغضبه كثيراً ، عندما وجد شرطياً يجر فتاة ويأخذ بذراعها يكاد أن يفصله عن جسدها ، والفتاه تصرخ وتستعطفه أن يتركها .. جري مروان نحو الشرطي ، وطلب منه أن يترك تلك الفتاة ، فسبه الشرطي سباباً عنيفاً وركله في بطنه بشده ، فما كان من مروان إلا أن صفعه علي وجهه ، فأشهر الشرطي سلاحه ، وأطلق رصاصة في صدر مروان ، فسقط وهو ينزف دماً !!

جري صبري نحو صديقه وهو يصرخ باكياً ” مرواااااااان !! لقد أخذتك المروءة كعادتك يا صاحبي، وكانت هذه النتيجة .. آةٍ وألف آه عليك يا أخي وصاحبي ” استجمع مروان شيئاً من وعيه ، وخاطب صاحبه ” حسبنا الله ونعم الوكيل في هذا الظالم الذي أهان كرامة فتاة ضعيفة ” صبري يرد ” هذا حال مصر منذ سنين .. الظلم .. الإهانة .. ولهذا إحتشدت الجموع غاضبة متمرده علي ظلام يسترجي النور والنهار ” ، يتوجع مروان من الألم وينصح صاحبه ” عُد إلي بيتك وأهلك يا صبري ، فهم في حاجة إلي وجودك بينهم ، وأوصيك أن تسأل دوماً عن حال والديَ المَريضَين.. هما أمانة في رقبتك ..” ، يهز صبري رأسه مطمئناً لصديقه الذي يراه يحتضر ، ويخاطبه ” إن شاء الله تتعافي وتعود إليهما سالماً غانماً ” طلب مروان من صديقه أن يُقعده ، ففعل صبري ، ثم ألقي مروان نظرة وداع حول أرجاء الميدان الذي ازدحم وفاض بالثوار بصرخاتهم وهتافاتهم ، وبعدها نظر للسماء ودعا الله ” اللهم لا تخذلهم فإنهم استنصروك فانصرهم ” ، وبعدها فاضت روح مروان !!

Hits: 26

كتبه: أمير شفيق حسانين