فيصل جلول | لو قيّض للمخرج السينمائي ستيفن سبيلبرغ الاطّلاع على حيثيات قرار وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق حول السماح بعرض فيلمه “ذي بوست” في بيروت لربما استشاط غضباً ولربما وجّه رسالة حانقة إلى الوزير اللبناني حول مزاعمه التضليلة إذ قال في بيانه “يسمح بعرض فيلم ذي بوست في بيروت لأنه لا يتّصل بالنزاع العربي الإسرائيلي ولا علاقة له بلبنان”. ولربما بدأ رسالته بالقول :

سيادة الوزير نهاد المشنوق المحترم

كنت أودّ أن أشكرك على شجاعتك في التصدّي لـ”حزب الله” وأعداء إسرائيل وبالتالي السماح بعرض فيلمي في بيروت، لكنك خيّبت ظنّي عندما قلت إن عملي هذا لا علاقة له بإسرائيل التي وصفتها بـ”العدو”. كيف أشكرك وأنت تشوّه مسيرتي السينمائية ورسالتي الروحية والسياسية منذ كنت طفلاً؟ كيف أشكرك وأنت تصفني بـ”العدو” ضمناً، فأنا امتداد لإسرائيل وهي امتداد لي. ربما غاب عنك أو عن فريق عملك ما قلته في مناسبات عديدة وبخاصة في سيرتي المهنية التي روتها موللي هاسكل “A life in films” .

قلت فيها حرفياً إنني أناضل ضد كل “أعداء الصهيونية واللاسامية” وأعتبر “بقاء إسرائيل” أو زوالها بقاء لليهود أو زوالهم. لذا لا يمكنني أن أشكرك يا سيادة الوزير عندما تصف إسرائيل بـ”العدو” إذ كان عليك أن تكون منسجماً مع نفسك وبالتالي أن تتصرّف كما يتصرّف الناس الجدّيون مع أعدائهم. إن كانت إسرائيل عدوّتك كما تقول، فأنا عدوّك والعدو لا يُقال عن أعماله هذا عمل عدو وذاك عمل صديق بل يصنّف في الخانة التي يستحقها احتراماً له وللذات العدوّة. لكن رغم ذلك قد اتفهّم موقفك المُلتبس بسبب خصامك السياسي مع محور المقاومة من دون أن أبرّره ولاأجيزه، لأن الأمر يتعلق بالتزامي الأخلاقي والمادي القاطع بأمن وسلامة إسرائيل.

سيادة الوزير، سأفترض أنك لا تعرفني حقيقة وأن مساعديك لم يعرضوا لك، لسبب أجهله، سيرتي المهنية والسياسية. سأخمّن أن تبريرك البائس لعرض فيلمي “ذي بوست” في بيروت ناجم عن نقص بالمعرفة والاطّلاع، وانطلاقاً من هذا الافتراض أنصحك بالعودة إلى سيرتي المذكورة أعلاه.

ستجد فيها إنني ولدت في مستشفى يهودي في أوهايو في الولايات المتحدة الأميركية ونشأت نشأة يهودية أرثوذكسية في أسرة متديّنة. كنت يا سيادة الوزير أسمع قصص المحرقة النازية على مائدة الطعام يومياً. لقد فقدت عائلتي أعماماً وأبناء عم وأخوال في المحرقة. كنت أستمع إلى والدتي تروي قصصاً تفصيلية عنهم. عندما تزوّجت وأنجبت سبعة أولاد ربيّتهم تربية دينية يهودية كما فعل أهلي.

زوجتي الثانية لم تكن يهودية لكنها صرفت عاماً بكامله للاطّلاع على تعاليم الدين اليهودي برعاية حاخام أرثوذكسي وصارت متديّنة صالحة. في منزلي مطبخ “كوشير” لتحضير الأطباق وفق التعاليم اليهودية. والدتي تُعدّ لأطفالي أطباقاً خاصة في هذا المطبخ خلال المناسبات الدينية. أنا فخور بيهوديّتي وفخور بدولة إسرائيل اليهودية. لقد مارست مع آخرين ضعوطاً حتى صارت “المحرقة اليهودية” جزءاً من الدراسة الإلزامية في خمس ولايات أميركية وسأعمل على أن يكون تدريس المحرقة إلزامياً في البرامج التربوية في الولايات الخمسين الأميركية كاملة.

السيّد نهاد المشنوق، لقد كنت سعيداً للغاية بإخراج فيلم “لائحة شندلر” وهو رجل أعمال ألماني شريف وعضو في الحزب النازي أنقذ ألف يهودي من المحرقة عبر توظيفهم في مصنعه وكان لا بدّ من تكريمه عبر هذا العمل. لم أتقاضَ دولاراً واحداً عن الإخراج. اعتبرت ذلك بمثابة ديّة أؤدّيها للقضية اليهودية. لقد رفض مارتن سكورسيزي إخراج الفيلم، ورفضه مخرجون يهود من بينهم رومان بولنسكي رغم أنه أقرب مني إلى المحرقة بوصفه بولونيّ الأصل. ورفضه أيضاً ستانلي كيوبرك وبيلي ويلد، واعتبر كثيرون أنني الأجدر بهذه المهمة. وللعلم كرّست إيرادات الفيلم بكاملها لخدمة “المحرقة” وعرضناه لأول مرة في القدس. ثم أنشأت “مؤسسة المحرقة” بعد الانتهاء من الفيلم وصرفت 60 مليون دولار خلال ثلاث سنوات لتمويل شهادات مصوّرة للناجين. وجئت بمحقّقين من خمسين بلداً وجمعت 53 ألف شهادة مصوّرة عن الهولكوست بـ 30 لغة عالمية. لقد أمضيت ثلاث سنوات في هذا العمل لم أمارس خلالها نشاطاً سينمائياً آخر، ما أدّى إلى تكريمي في الجامعة العبرية في إسرائيل وإطلاق إسمي على الأرشيف المصوّر للذاكرة اليهودية في الجامعة. كان هدفي من خلال هذا العمل ألا يبتعد الناس عن ذاكرة المحرقة ويظلوا قريبين منها. كان هذا العمل الأهم في حياتي.

السيّد الوزير، يجب أن تعرف أنني تعاونت مع الموساد الإسرائيلي في إخراج فيلم “ميونيخ” الذي تقوم فكرته على ملاحقة واغتيال “الإرهابيين” الذين قتلوا أفراد البعثة الرياضية الإسرائيلية في المدينة الألمانية. بل وجئت بابن أحد قتلى ميونيخ ليلعب دور أبيه. وكنت حريصاً على افتتاح الفيلم في القدس بحضور عائلات قتلى ميونيخ وكان هذا حدثاً عظيماً في حينه.

عندما اندلعت حرب لبنان عام 2006 شعرت بأن على إسرائيل أن تربح هذه الحرب وأن تضع حداً لإرهاب حزب الله، كنت أعتقد أن هذا مهم أيضاً للبنانيين. تبرّعت بمليون دولار لهذه الحرب وهذا مهم جداً بالنسبة لي فأنا أعتبر أن بقاء إسرائيل قوية هو بقاء اليهود أقوياء في كل أنحاء العالم. لقد صار مصيرنا جزءاً لا يتجزّأ من مصير الدولة اليهودية.

لقد أحبطني تمييزك بين “ذي بوست” وبين أعمالي الأخرى. وأحبطني وصفك لي ولـ”إسرائيل” بالعدو. ما دمنا أعداء في نظرك فلماذا تسمح بعرض فيلم لعدوّك في بلدك؟ لو كنت في موقعك لاحترمت قواعد العداوة وامتنعت عن إجازة عرض فيلم لعدوّي.

بالمقابل أرى أن إليسا، المطربة اللبنانية المعروفة بعدائها لحزب الله، قد اتخذت موقفاً من فيلمي ينسجم مع قناعاتها إذ قالت إنها متشوّقة لرؤية فيلم “هذا المخرج العظيم”. لا أشك لحظة في أن هذه الفنانة تعرف كامل سيرتي وتعني تماماً ما تقول. لقد تجاوزتك في التقدير يا سيادة الوزير.

المحب لـ”بلاد الأرز” وأعداء حزب الله ستيفن سبيلبرغ.

كتبه: موقع قناة الميادين