باتريس لومومبا مناضل افريقي قاوم الإستعمار البلجيكي لبلاده الكونغو، شغل منصب أول رئيس وزراء منتخب، أعدمه البلجيكيون في يناير/كانون الثاني 1961 بعد سنة واحدة من توليه الحكم لتأثيره على مصالحهم في الكونغو.

وكالة برس شيعة ــــ تمارة المجالي : لم يكن كغيره من الشباب‏، فقد وضع قضية بلاده نصب عينيه فنسي حياته وبحث عن حريتها‏، ولأنه مختلف عن غيره إستطاع أن يقضي على إحتلال دام أكثر من ثمانيين عاما‏، فأصبح التخطيط لموته هدفا، شاركت فيه العديد من الدول الغربية، وإغتالته رصاصة أقرب أصدقائه إليه‏.‏

باتريس لومومبا زعيم إفريقي من عامة الشعب ولد عام 1925، وتربي في أسرة متوسطة الحال أتاح له عمل والده بالتدريس فرصة التعليم مع قلة من أقرانه، في الوقت الذي كان فيه الإحتلال البلجيكي يمنعه عن عامة الشعب، وخلال عمله ذاق أقصى صور الفصل والتمييز العنصري بين المستعمرين، وسكان البلاد، فبدأت مشاعره الوطنية تتحرك وسعى للربط بين القوى الوطنية والقبائل الكونغولية للمطالبة بالحرية. 

وهنا بدأ رجال الإستعمار البلجيكي يكيدون له، فبعد 11 سنة من بدء تعيينه في البريد دبروا له جريمة سرقة، دخل على إثرها السجن وعانى أبشع أنواع الإضطهاد، وبعد خروجه عام 1958 قرر التفرغ للعمل السياسي، وكانت مشاركته في مؤتمر “أكرا” بمثابة شهادة ميلاد جديدة له، وإستطاع ببراعته وشجاعته، أن ينقل قضية تحرير بلاده وهموم ومطالب شعبه إلى المحافل الإقليمية والدولية، مما دفع بقوات الإحتلال إلى إعتقال لومومبا روح الثورة، والزجّ به في السجن للقضاء على توجهاته التحررية، وإنهاء دوره القيادي.

ولم يهدأ الشعب، فنقل من سجنه بطائرة خاصة ليشارك في مؤتمر المائدة المستديرة في ‘بروكسل’، لبحث مستقبل الكونغو الذى نتج عنه إجراء أول إنتخابات ديمقراطية حصل فيها حزبه على أعلى الأصوات، وعُيّن أول رئيس وزراء منتخب للبلاد عام  1960. 

لتحقيق الإستقرار، حرص لومومبا على أن تضمّ حكومته كل القوى الوطنية، وأصدر عدّة قرارات لإبعاد البلجيكيين عن إدارة شؤون البلاد، ومع ذلك لم تنعم الكونغو بالإستقلال سوى أسبوعين، فسرعان ما واجهت حكومته أزمات كبرى بدأت بتمرد عسكري في الجيش، ثم أعقبه الإعلان عن إنفصال “كاتانجا” أغنى إقليم في الكونغو. 

ولم يجد أمامه إلا الإستعانة بالإتحاد السوفيتي فرُفض طلبه، فلجأ إلى الأمم المتحدة التي إستجابت، وأرسلت 200 ألف جندي لمساعدته، ولكن دون جدوى.

وعندما أمر رئيس الجمهورية بعزله وجرده من كل صلاحياته، أدرك لومومبا أنه عرضة للإغتيال فطلب الحماية من قوات الأمن، ولكنها تجاهلته، فذهب إلى أنصاره شمال البلاد طلبا للحماية، فتآمر عليه موبوتو رئيس الأركان، الذي كان حليفا سابقا له وإستولى على السلطة في إنقلاب عسكري. ولم يكتف بذلك، بل قبض عليه وسلّمه لأعدائه لقتله.

وفقا لكتاب نشر في هولندا بعنوان “إغتيال لومومبا”، إعتمد مؤلفه على وثائق بلجيكية سرية، فإنه إعتقل في يناير عام 1961 على يد خصمه “تشومبي”، المتحالف مع موبوتو بحضور جنود تابعين لقوات الأمم المتحدة التي ساعدتهم برفعها الحماية عنه. ونقل ورفاقه إلى سجن بلجيكي وأعدموا رميا بالرصاص بعد بضع ساعات من حبسه، وتخلّصوا من الجثث بتقطيعها وإذابتها في حمض الكبريتيك.

ولم تكن أمريكا ولندن غائبة عن الساحة، فقد ذُكر أنهّما تآمرتا على قتله، ولكنّهم تركوا إطلاق الرصاص لصديقه وسكرتيره الشخصي، ليبدو للجميع أن إفريقيا غير مؤهلة للديمقراطية. معتقدين أن تاريخ نضاله سيُنسى بسهولة، لكن لم يتحقق هدفهم. لا يزال إسمه يتردّد ليس في إفريقيا وحدها، بل في كل أرجاء  العالم الحر.

ليبقى رمزا للمقاومة الحرة والشريفة ضد قوى الإستكبار والظلم. ليبقى رمزا لا يموت.