لعله من أكثر السياسيين اللبنانيين نفاقا سياسيا و تلاعبا بالمواقف المتشابكة و لعله من أكثر السياسيين فى لبنان الذين يتقلبون حسب مزاج الشارع السياسى الدولى و الاقليمى ، هذا هو باختصار شديد شاغل قصر ” المختارة ” الذى يقول عنه ” البيك ” أنه بيت الطفولة و بيت الذكريات و بيت 300 سنة حضارة ، هو أحد كبار تجار السموم بكل العناوين و لا فائدة فى نبش القبور لمعرفة ما ارتكبت ايادى الرجل من جرائم خاصة اثناء ما يسمى بحروب لبنان التى جاءت باتفاق الطائف الشهير و ما تلاه من جرائم سياسية و اقطاعية و مذهبية راح ضحيتها عديد الابرياء و تركت فى الوجدان اللبنانى جروحا غائرة لن تندمل مهما مر التاريخ ، نحن إذن أمام رجل اخطبوط سياسى و محاور سريع التقاط ما وراء السطور و ما بين الاحرف و الكلمات بحيث لا يخلو تصريح لكبير الدروز من انفعالات لفظية مقصودة ضد خصومه السياسيين و من بعض الضربات تحت الحزام و كثير من الدهاء اضافة الى قدرة عجيبة على تمرير الرسائل المشفرة الى كل الاطراف الذين لهم علاقة بما يحدث فى لبنان ، ربما تحدث البيك منذ فترة طويلة عن أن الوقت قد حان ليحل ابنه مكانه و ربما استشعر البعض هذه الرغبة الملحة بعد ان اصبح الابن الظل المرافق للسيد الوالد .

فى مقابلة منذ يومين على تلفزيون ” المستقبل ” انتقد جنبلاط الحرب السعودية على اليمن معتبرا أنها حرب عبثية ، بطبيعة الحال أحدث هذا الموقف لغطا اعلاميا كبيرا داخل لبنان خاصة و أنه يأتى بعد أسابيع قليلة من قيام النظام السعودى باحتجاز رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريرى طيلة أيام و الضغط عليه بطريقة بدت الى البعض بطريقة العصابات فى احتجاز الرهائن حتى قدم استقالته فى مشهد اسال كثيرا من الحبر و دفع الرئيس الفرنسى الى أن يستقل طائرته الرئاسية على عجل ليحل ضيفا على الملك سلمان طالبا بكل شدة “بتسلم ” الرهينة الذى يحمل الجنسية الفرنسية و العودة به الى “بلده ” فرنسا فى تجاهل تام للأعراف الدولية و لطبيعة المنصب الذى يشغله الرجل فى أعلى هرم السلطة اللبنانية ، موقف النائب وليد جنبلاط ليس تحليلا و خبطا سياسيا عشوائيا او مجرد حالة من تسجيل النقاط التى تعودنا عليها فى لبنان من كل الاطراف السياسية موالاة و معارضة بل هو موقف تحليلى لما آلت اليه هذه الحرب الدموية التى شنها النظام السعودى خدمة لأغراض شريرة باتت معلومة للجميع و قد نلاحظ أنه سبق للكاتب المصرى الراحل محمد حسنين هيكل أن نبه الى خطورة هذه الدولة العربية التى وصفها ” بالعبثية ” و هو موقف أثار حفيظة كثير من كتاب البلاط فى بلاد الحجاز .

ما جاء على لسان ساكن قصر المختارة مثير للانتباه من زاوية أنه يأتى فى خلاف واضح مع بقية مواقف تيار ما يسمى بتيار 14 آذار الذى يترأسه رئيس الحكومة سعد الحريرى ، بطبيعة الحال هناك خلافات بين الحريرى و النظام السعودى ” الجديد ” الذى يقوده الامير سلمان ولى العهد و الحاكم الفعلى فى البلاد و هناك حالة من شبه القطيعة و البرود بين الطرفين الحليفين السابقين و عندما يأتى هذا الموقف فى عز فترة الشد و الجذب بين النظام و بين ايران و بين النظام و الحوثيين الذين باتوا يسجلون نقاط مهمة على المستوى العسكرى رغم تفاوت القوتين بشكل واضح و صريح و فى ظل الهجوم اللاذع الذى شنه سماحة سيد المقاومة فى مقابلته التلفزيونية المثيرة منذ ايام على قناة الميادين فهذا يستدعى التوقف عنده بكل انتباه ، من المهم الان ان نتساءل عن توقيت هذا التصريح القنبلة و لكن من المهم أيضا أن نتذكر ان الرجل ما كان يقول مثل هذا الكلام و هو الذى لم ينتقد الهجمات الدموية التى شنها النظام و حلفاءه منذ اكثر من سنة و التى ادت الى الالاف الشهداء و الجرحى و تهديم البنية التحية اليمنية إلا لدواعى سياسية محلية و ليس لاعتبارات انسانية خاصة و ان الرجل لم ينتقد اساسا كل جرائم الجماعات الارهابية فى سوريا و العراق و حتى فى لبنان ، فالرجل مقبل على انتخابات بلدية و هو يريد فك التحالف القديم و تقديم نفسه للفائزين فى الحرب السورية و لما لا اعادة ربط حبل الوصل مع ساكن قصر الشعب بالشام .

تراجع البيك على هذا التصريح منذ ساعات و لكن بعد أن حصل ما فى الصدور و لعل ما جاء بعبارات التراجع التى دونها على موقع التويتر تحت ضغط حليفه سعد الحريرى الذى دعاه الى ” تصحيح ” موقفه ينطبق عليه المثل المعروف ” رب عذر اقبح من ذنب ” لان الرجل لم يتراجع اساسا عن موقفه الذى يصف هذه الحرب السعودية الدموية بالعبثية بل تراجع من باب ” تدعيم ” ما سمى بسياسة النأى عن النفس سيئة السمعة التى جاءت لتبرير خيانة سوريا فى محنتها و التى كانت احد اسباب خروج الرئيس اللبنانى السابق مشال سليمان تحت هتافات التنديد المتعالية و من الباب السياسى الخلفى ليرمى الى مزبلة التاريخ ، يقول البيك فى ارتباك واضح ان تراجعه قد جاء احتراما لسياسة عدم ” الانحياز ” و تفاديا لتفسيرات مغلوطة او تأويلات غير دقيقة ، فعن أى تفسيرات و تأويلات يتحدث البيك و ما جاء على لسانه لا يحتاج أية تسفير او تأويل من أحد لأنه و بعد اكثر من عام من سيلان دماء اليمنيين بدون نتائج فان الفشل هو العنوان الابرز لهذه الحرب العبثية و الشعب اليمنى لم يعد يحتاج الى شهادة رجل فقد عقله السياسى منذ رحيل والده المناضل كمال جنبلاط ليصبح مجرد شاهد ما شافش حاجة على كثير من قضايا الوطن العربى .

***المقال أعلاه يعبر عن رأي كاتبه

كتبه: أحمد الحباسي