منذ فترة قليلة تابعنا نشر كتاب ” اسرائيل و القتال بطريقة أخرى ” للكاتبين الإسرائيليين حاييم آسيا دكتور فلسفة محاضر بالجامعة العبرية بالقدس و يديديا يعارى قائد سلاح البحرية الإسرائيلية السابق ، الكتاب مهم للغاية و يحتاج من المهتمين بالصراع العربى الصهيونى كثيرا من العناية و الانتباه و حسن قراءة ما خفى بين السطور ، تعرضنا لهذا الكتاب بالمتابعة ربما فرضته تصريحات سماحة السيد حسن نصر الله على قناة الميادين منذ أيام قليلة فقط حين تحدث عن قدرة الحزب و استعداده المتواصل لمواجهة اسرائيل بما يؤكد أن تواجد قوات الحزب فى سوريا مع ما تطلبه من تخطيط و تنفيذ لمواجهة الجماعات الارهابية لم تمنعه من مواصلة الانتباه الى الجبهة الصهيونية التى يعلم الجميع أنها الجبهة الاخطر على المقاومة و الجهة التى تتسبب فى كل مشاكل المنطقة ، فى مقال منذ فترة قليلة بعنوان ” 11 عاما على حرب تموز اسرائيل و حزب الله يستعدان للحرب ” كشف المحلل السياسى فى احد المواقع الاسرائيلية يوحاى عوفر ان تواجد المقاومة متمثلة فى عناصر حزب الله على بعد امتار من فلسطين المغتصبة لجمع المعلومات على الاكثر و مراقبة التحركات الصهيونية و قيام اسرائيل بعدة مناورات قرب الحدود السورية اللبنانية يؤكد استعداد الطرفين لجولة اخرى من القتال و المواجهة العسكرية .

يهتم الكتاب بحرب العصابات و هذا الاهتمام لم يعد مفاجأة للمتابعين بعد أن كشف تقرير فينوغراد الشهير اثر حرب تموز 2006 أن الجيش الصهيونى ليس قادرا على مواجهة حرب العصابات و أن انتصار حزب الله قد كشف أن هذا الجيش الذى واجه الانتفاضة الفلسطينية الاولى و الثانية و خسرها باعتبارها شكلا من أشكال حرب ” العصابات ” قد خسر الجولة أمام تكتيك المقاومة المبنى أساسا على مفهوم مبتكر و مخطط له بعناية كبيرة لحرب العصابات الذى أفقدت الجيش الامريكى فى فيتنام هيبته و جرته الى هزيمة تاريخية بقيت ارتداداتها و ارهاصاتها النفسية الى اليوم فى ذهن القوات الامريكية مثلما تم تصويره بدقة فى عدة أفلام أمريكية من بينها الفيلم ” ابوكاليبس ناو ” الشهير ، فى مقابلته مع قناة الميادين شدد سماحة السيد على أن من يستطيع هزيمة تنظيم داعش بإمكانه هزم الجيش الصهيونى و اذا حصلت حرب كبرى فانه بالإمكان الدخول الى الجليل ، بالمقابل أكد سماحته ان الحزب يسعى منذ ما قبل حرب تموز 2006 الى امتلاك كل ما يمكن من الاسلحة لهزيمة اسرائيل ، هذا الحديث دفع كل القنوات الصهيونية الى مناقشة عميقة و مستفيضة لما جاء بالحوار لتؤكد فى النهاية ان ما يرعب القيادة الصهيونية هو وصول شحنات من الاسلحة الحديثة و المتطورة الى الحزب قادرة على ضرب العمق الصهيونى حسب تقديرات مخابرات العدو و ان حديث السيد عن زوارق حربية قادرة على ضرب منصات الغاز الاسرائيلية فى عرض المتوسط يزيد من حالة الرعب داخل الكيان الغاصب .

لعل الهجمات الصهيونية الاخيرة و التى ضربت بعض القواعد العسكرية فى سوريا تأتى فى نطاق ما تعبر عنه اسرائيل دائما بحق استباق الخطر بحيث يعتقد البعض أن هذه الهجمات قد طالت بعض الاسلحة القادمة من ايران الى حزب الله ، هذه الضربات تؤكد من جهة ثانية أن حديث البعض عن وجود عملاء مخابرات صهاينة فى سوريا يتم ادخالهم من الجانب التركى ليس خبرا مفتعلا بل من المؤكد أن هناك متابعة لوصول هذه الشحنات بواسطة الاقمار الاصطناعية الامريكية التى تراقب كل التحركات العسكرية للجيش السورى و حلفاءه اضافة الى تحركات الطائرات الايرانية ، فى كل الاحوال يأتى حديث سماحة السيد مطمئنا لجمهور المقاومة العريض و عالما بكل خفايا المعركة و بكل تضاريسها السياسية و العسكرية المتشابكة و هذا يؤكد مرة أخرى أن منازلة العدو ليست فسحة بل هى تخطيط و تركيز على اعلى مستوى و أن معرفة الحزب بكثير من التفاصيل الدقيقة و المهمة التى تخص العدو من كل الجوانب هى من تضعه فى الصورة و من تفرض عليه الكثير من المجهودات لرفع الجاهزية العسكرية للحزب و القيام بما يجب عند اللحظة الصفر .

لعل ما يجلب الانتباه فى الكتاب مجددا هو تأكيده على انهيار اهم العناصر التى ترتكز عليها الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية و هى الردع و الانذار و الحسم ، الردع من خلال اكتساب قدرات عسكرية تردع الدول العربية على الدخول فى الحرب ، و الانذار يتمثل فى توجيه رسائل تنبيه مسبقة لهذه الدول من مغبة القيام بأى هجوم و الحسم و هو الضرب بقوة هائلة لتدمير الجهة المقابلة ، هذا الانهيار كان أحد نتائج هزيمة اسرائيل ضد حزب الله سنة 2006 لان الحزب بات يملك اليوم القوة العسكرية الكافية لإحداث توازن الرعب و هذه القوة هى التى تملك اليوم الثلاثية المذكورة بحيث على اسرائيل اعادة كل حساباتها العسكرية السابقة حتى لا تخسر معركتها الحاسمة القادمة ، بهذا المعنى يمكن القول اليوم و من خلال صفحات هذا الكتاب ان اسرائيل تعيد مراجعة استراتيجيتها الحربية بالنظر الى ما ثبت من الحرب فى سوريا من قدرة الجيش السورى على الصمود فى وجه حرب غير كلاسيكية و قدرة ايران على مواجهة كل الضغوط الدولية للوقوف مباشرة الى جانب حليفها السورى و قدرة حزب الله على مواجهة منغصات الساحة السياسية الداخلية و الوقوف بشدة الى جانب حضن المقاومة السورى ، هذه المعادلة و هذا الانتصار لم يتحقق عبثا بل كان نتيجة تضحيات كبيرة لكنه أدى فى نهاية الامر الى كسب حلف المقاومة لخبرة قتالية غير مسبوقة و قدرة فاعلة على مواجهة عدو يملك من القدرات القتالية و الانتحارية ما لا يملكه الجيش الصهيونى .

ربما كانت اسرائيل تعتبر جيش ” الدفاع ” الصهيونى جيشا لا يقهر لأنه ابتلع فى لحظات اجزاء مهمة من الاراضى العربية فيما لا يقل عن اربعة دول عربية ، لكن هزيمة تموز 2006 جاءت لتدفع القيادة الصهيونية الى الزاوية و فرضت عليها توازن الرعب و اثبتت ان اسرائيل هى اوهن من بيت العنكبوت بل اثبتت مقولة جديدة على قاموس الرفض العربى للصهيونية و هى مقولة ” لقد ولى زمن الهزائم و جاء زمن الانتصارات ” ، هذه المقولة تختزل فى داخلها كل ما انجزته سواعد المقاومة اللبنانية و على رأسها طبعا الشهيد عماد مغنية و الشهيد سمير القنطار ، لقد تكسرت عبارة ” الجيش الذى لا يقهر ” عند مدينة مارون الراس و بنت جبيل سنة 2006 لتؤكد للقيادة الصهيونية المتغطرسة أن ما قبل هذه السنة لن يكون كما بعده و أن حلف المقاومة لم يعد وهما بل هو حقيقة ماثلة للعيان قادرة على محو هذا الكيان من خريطة المنطقة ، ربما ينفع الجيش الصهيونى اليوم لقمع الشعب الفلسطينى و الاعتداء على اطفاله و نساءه و لكنه لم يعد جيشا قادرا على المواجهة و الانتصار بل أن من ينتبه بشدة الى عيون المناضلة الصغيرة عهد التميمى يدرك هذه الحقائق بسرعة و يعيد تنبيه نفسه مجددا بان اسرائيل اوهن من بيت العنكبوت فقط لو توفر لدينا عشر عزيمة الشابة عهد التميمى …فقط و لا غير .

كتبه: أحمد الحباسي