حديث السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله كان حديثا استثنائيا من حيث الوضوح والشفافية وتقرير الواقع اللبناني والعربي وفضح الكثير من ممارسات بعض الأنظمة العربية المتآمرة مع “إسرائيل” وخاصة النظام السعودي الذي لم يعد يهتم بالإسلام ولا بالعروبة ولا حتى بالكرامة العربية والإسلامية .

وجاءت كلمات السيد حسن المحددة والمرتبة عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ومدى تقديره له، تلك العبارات أثلجت قلوب المصريين جميعا وأعادت الأمل بوجود زعيم عربي يبعث الكرامة والعزة العربية من جديد. ونذكر الحكام العرب بعبارتين هامتين للزعيم الراحل عبد الناصر تمثل منهجا سار عليه طيلة فترة حكمه عندما قال: “إذا رأيتم الأمريكان راضين عني فاعلموا أني أسير في الطريق الخاطئ”. وكذلك عبارته الشهيرة بعد نكسة 1967 وفي أشد أوقاتها مرارة على الشعب المصري والعربي عندما قال: “ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”.

وأذكر الشعوب العربية في هذا الخصوص ولا أستثني أحدا لترى تلك الشعوب هل أمريكا راضية عن حكامها؟ فاذا كانت راضية فهذا يؤكد أن الحكام يسيرون ضد مصالح شعوبهم وفي الطريق الخاطئ كما قال الزعيم عبد الناصر.

ولترى تلك الشعوب العربية كم يدفع هؤلاء الحكام من كرامتهم وكرامة الأمة لارضاء أمريكا وإسرائيل معتقدين خطأً أن أمريكا ستحميهم من شعوبهم اذا ثارت تلك الشعوب عليهم. وليس ما حدث لمبارك في مصر ببعيد حيث قال الرئيس الأمريكي السابق أوباما أنه يجب على مبارك أن يرحل الان وذلك بعد أن شاهد الشعب المصري كله في مظاهرات مليونية في كل مدينة ومحافظة تطالب باسقاط النظام المصري، فما كان من أمريكا الا ان غيرت أولوياتها وتخلت عن حلفائها وكان مبارك أكبرهم بعد النظام السعودي، ودائما ما كان يقدم فروض الولاء والطاعة لأمريكا أملا في مساعدته على توريث نجله جمال الحكم وغض الطرف عن الاستمرار في حكم البلاد والعباد طيلة ثلاثين عاما.

وبعد أن تغيرت بوصلة الثورة المصرية في الميادين وظهرت جماعة الاخوان في المشهد رغم أنها لم تشارك في بداية الثورة، ودعمتها أمريكا إعلاميا وتفاوضت معها لتكون طيعة وتنفذ الأجندة الامريكية الإسرائيلية في المنطقة أملا في توليها الحكم في مصر واستمرارها فيه.

وهو ما حدث أيضا مع الثورة الإيرانية حينما تخلت واشنطن عن الشاه محمد رضا بهلوي ورفضت استضافته أو منحه حق اللجوء السياسي اليها أملا في احتواء الثورة الإيرانية ومحاولة تطويعها لاحقا.

وما جاء في لقاء السيد حسن نصر الله في قناة الميادين بخصوص الشأن اليمني وفضحه للتدخل السعودي والاماراتي ضد الشعب اليمني وتدمير بنيته التحتية الاقتصادية والعسكرية وتجويعه وقتل عشرات الالاف من المدنيين في قصف عشوائي تقوم به الطائرات السعودية على الأرض اليمنية، كما جاء تحليل السيد ورؤيته التي تتفق مع غالبية الشعب اليمني في تشكيل حكومة وحدة وطنية وليس حكومة عميلة للسعودية والامارات، وبعدها يتم تشكيل جيش يمني موحد من مختلف الفصائل المتناحرة ثم تجرى انتخابات برلمانية ورئاسية، وما أكده السيد حسن من أن السعوديين يريدون نصرا عسكريا حاسما في اليمن مهما كانت التكلفة البشرية سواء من المدنيين أو العسكريين وهو ما يظهر ويؤكد أن السعودية دولة دموية تنفق الكثير لتدمير الشعوب العربية والإسلامية سواء في اليمن أو سوريا في حين لا تنفق أي أموال تذكر في حماية مسلمي الروهينغا في ميانمار والذين تعرضوا لأسوأ عملية تطهير عرقي في التاريخ وتهجير قسري لهم دون مأوى.

كما تجلى التواطؤ السعودي ضد الشعب الفلسطيني في عدم اتخاذ أي موقف اتجاه أمريكا بعد اعترافها بالقدس عاصمة للكيان الغاصب مخالفة بذلك حتى قرارات “الجامعة العبرية” التي تسيطر عليها الدول العربية التابعة للدولة العبرية، وخاصة قرار القمة العربية بقطع العلاقات الديبلوماسية مع أي دولة تعترف بالقدس عاصمة للكيان الغاصب، فلم تقم السعودية أو الامارات حتى بسحب سفرائها من أمريكا فيما كان يجب عليها طرد السفير الأمريكي من الرياض وأبو ظبي.

وبخصوص الشأن السوري، أكد السيد نصرالله ما هو مؤكد من قبل من أن النصر هو حليف الجيش والشعب العربي السوري والرئيس بشار الأسد على تلك الجماعات الإرهابية التي دعمتها السعودية وقطر والامارات وتركيا بالمال والسلاح والذي تجاوز الـ120 مليار دولار إضافة الى الدعم الديبلوماسي وأود الإشارة هنا الى حديث السفيرة الامريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي في جلسة مجلس الامن التي عقدت في 5-1-2018 بخصوص التظاهرات التي شهدتها الشوارع الإيرانية، وهي الجلسة التي دعت اليها الولايات المتحدة أملا في تأجيج تلك التظاهرات بعد أن خمدت، حيث قالت السفيرة هايلي ان ايران تنفق سنويا ستة مليارات دولار في سوريا ومثلها في اليمن:

وبنظرة تحليلية لهذا الرقم الذي أكدته هايلي أمام مجلس الامن فهو رقم تدفعه ايران كمساهمة محدودة في دعم سوريا ضد الإرهاب، ذلك أن معظم مساعداتها تتجلى بالخبراء العسكريين فقط دون تدخل مباشر للجيش الإيراني، وهنا يطرح السؤال كم تدفع السعودية والامارات وقطر لدعم تلك الجماعات الإرهابية في سوريا التي تجاوزت المائة فصيل وتيار وجبهة…

وهو ما تؤكده المعلومات المتوافرة في مصر بأن تلك الدول أنفقت أكثر من 120 مليار دولار لتدمير سوريا وتشريد الشعب السوري وذلك فقط لأن الرئيس بشار الأسد قال عن رؤسائهم بأنهم أشباه رجال، ناهيك عن تكلفة الحرب السعودية الإماراتية في اليمن والتي تجاوزت 130 مليار دولار حتى اليوم… فهل تحنو نيكي هايلي على الشعب الإيراني من انفاق ستة مليارات تدفعها حكومتها لدعم الشعب السوري ولا تخشى على الشعب السعودي والاماراتي من انفاق اكثر من 250 مليار دولار لتدمير الشعب السوري واليمني فقط لان حكوماتهما غير موالية لامريكا وتقف عقبة في طريق المشروع الإسرائيلي للهيمنة على المنطقة…

وهنا أناشد شعبي الامارات والسعودية للضغط على حكوماتهما لتوقف تجنيد الإرهابيين في سوريا وضرب الشعب اليمني… كما أدعو الحكام السعوديين لدعم المقاومة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني بالمال والسلاح، مع التأكيد انه اذا انفقت السعودية ربع ما انفقته في سوريا واليمن لكان هذا المبلغ كفيلا بتمكين المقاومة الفلسطينية من تحرير كامل التراب الفلسطيني المحتل منذ عام 1948 ويؤدي الى هروب اليهود الى بلدانهم الاصلية التي قدموا منها وعندها لن ينفع اليهود سلاحهم النووي الذي يدخرونه لتهديد الامة العربية كونهم ببساطة لن يستطيعوا استخدامه ضد الشعب الفلسطيني المتواجد بين الإسرائيليين.

وفي الشأن اللبناني، أكد السيد حسن احتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري في الرياض وأشار الى ان جميع الوزراء والسياسيين اللبنانيين إضافة الى رئيس الجمهورية حاولوا الاتصال به في السعودية ولكن دون جدوى، حيث كان قد تم منعه من التواصل مع العالم الخارجي، وهو نهج اتبعه حكام السعودية مع أبناء عمومتهم من الامراء حيث تم اختطاف 147 أميرسعودي على رأسهم الأمير متعب قائد الحرس الوطني السعودي وابن الملك السابق عبدالله، بالإضافة الى الأمير الوليد بن طلال بدعوى محاربة الفساد. وتم تحديد اقامتهم في فندق الريتز كارلتون ومنعهم من الاتصال بذويهم كما حدث مع الرئيس الحريري ليتم ابتزازهم ماليا والزامهم بسداد مليارات الدولارات بدعوى انهم سرقوها من الدولة على خلاف الحقيقة.

وأذكر السعوديين في هذا السياق وأقول لهم ألا تطبقون شرع الله والشريعة الإسلامية؟ فكيف تطلبون من “الامراء” إعادة المليارات التي سرقوها فقط دون قطع يد السارق؟ هذا اذا كانوا قد سرقوها فعلا، مع التذكير بقول الرسول الكريم: “انما هلكت الأمم التي من قبلكم أنهم اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، فوالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، فهل تطبق السعودية شرع الله؟

وبالعودة الى الشأن اللبناني أثنى السيد نصرالله على دور الرئيس ميشال عون وكافة الأحزاب والتيارات اللبنانية بالإضافة الى حزب الله في استعادة رئيس الوزراء المختطف في السعودية، وأنه لولا تلك المواقف الصلبة للرئيس عون ولرئيس مجلس النواب نبيه بري وكافة الأحزاب والتيارات اللبنانية لنجحت المؤامرة السعودية الامريكية في إعادة اشعال الحرب الاهلية في لبنان.

وأوضح السيد نصر الله السيناريو السعودي الأمريكي الإسرائيلي الذي تم اعداده بليلٍ في السعودية لاعادة اشعال الحرب الاهلية في لبنان.

وفي الشأن الفلسطيني أكد السيد نصر الله دعمه للشعب الفلسطيني مجددا التأكيد على اسقاط اتفاقية أوسلو التي مضى على توقيعها أكثر من 24 عاما دون طائل ولا جدوى… تلك الاتفاقية اللعينة التي وقعها ياسر عرفات، والتي أعلن هو بعدها أنه تم استدراجه للتوقيع عليها وأن التوقيع كان خطأ كبيرا. ونحن في مصر نرى أنه لا حل للقضية الفلسطينية إلا بحل السلطة الفلسطينية والعودة لطريق المقاومة، الطريق الوحيدة التي يفهمها العدو الإسرائيلي، وهذا ما حدث في غزة عندما هرب اليهود منها تحت وطأة ضربات المقاومة الفلسطينية من كافة الفصائل المقاومة هناك. وهو أيضا ما حدث مع العدو الإسرائيلي الذي كان يحتل الجنوب اللبناني وهرب منه بعد المقاومة الشديدة للشعب اللبناني والتي قادها حزب الله. كما لم تتحرر سيناء الا بعد حرب 1973 التي انتصر فيها الجيشان المصري والسوري عسكريا، ولولا اتفاقية كامب ديفيد التي أبرمها السادات لاستاطاع الجيش المصري إعادة سيناء كاملة الى مصر غير منقوصة السيادة.

أخيرا، كان هذا اللقاء للسيد حسن نصر الله مع قناة الميادين من القوة بمكان عندما قال أنه اذا فرضت علينا الحرب فان هدفنا عندئذ سيكون تحرير القدس بالاشتراك مع محور المقاومة العربية في فلسطين وسوريا والعراق واليمن وإيران، وندعو الله عز وجل أن يكون تحرير القدس على يديه وبمشاركة جميع الشعوب العربية والإسلامية التي ما زالت تؤمن أن “إسرائيل” هي العدو الأول للعرب…

كتبه: موقع خيار المقاومة