علي ابراهيم مطر | هاجم البعض في الأونة الأخيرة ولاية الفقيه، وتماشوا مع ما أرادته وسائل إعلام غربية سيما بريطانية وأميركية وأخرى عربية معادية لنظام الجمهورية الإسلامية من عملية تشويه هذه النظرية الإسلامية البالغة الأهمية، علماً أن هؤلاء لم يمروا مرار الكرام على نظرية الإمام الخميني وعلماء متقدمون ومتأخرون لمعرفة هذه النظرية الإسلامية التي تؤسس لبناء مجتمع إسلامي متكامل، لذلك سوف أحاول في بعض أسطر تقديم تلخيص عن ولاية الفقيه ومفهوم الدولة الإسلامية عند الإمام الخميني، مع الإشارة إلى مصادر الأقوال.

مع قيام الجمهورية الإسلامية المباركة، دخلت مسألة ولاية الفقيه في القانون الأساسي للدولة في تطور تاريخي جديد لهذه المسألة, وقد أحصي ستة عشر مورداً في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران تتناول موضوع ولاية الفقيه, فقد ورد في مقدمة الدستور اعتبار القيادة بيد الفقيه، وأنه ضمانة عدم الإنحراف للأجهزة المختلفة في نظام الجمهورية ووظائفها الأصلية.

كما ورد في المادة الخامسة: في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر الشجاع القادر على الإدارة والتدبير.

وقد وردت كلمة الولاية في القرآن الكريم, وفي نصوص أهل البيت عليهم السلام، وفي كلمات العلماء أعلى الله مقامهم, واستخدمت باستخدامات متعددة، منها النصرة والمحبة والسلطة والولاية. (معنى ولاية الفقيه ـ جمعية المعارف الاسلامية).

وقد قال الإمام الخميني قدس سره: “ولاية الفقيه من المواضيع التي يوجب تصورها والتصديق بها, فهي لا تحتاج لأية برهنة, وذلك بمعنى أنَّ كلَّ من أدرك العقائد والأحكام الإسلامية – ولو إجمالاً – وبمجرد أن يصل على ولاية الفقيه ويتصورها فسيصدق بها فوراً وسيجدها ضرورة وبديهية”. (روح الله الموسوي الخميني – الحكومة الإسلامية – ص 17.)

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾(المائدة:55-56) بهذا المعنى, فالآية تبين أن الولاية في الحقيقة هي لله سبحانه وتعالى, فالله عز وجل هو الذي خلق الإنسان وأسكنه الأرض وإليه يرجع الأمر كله.

وهذه الولاية الإلهية تتجسد بولاية النبي صلى الله عليه وآله وسلّم, والتي شرح القرآن الكريم معناها في قوله تعالى: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾(الأحزاب:6). وكون النبي أولى بالمؤمن من نفسه معناه أنه أولى به في جميع الصلاحيات التي يمتلكها الإنسان لنفسه، فهو أولى به في المسائل الاجتماعية وفي القضاء والمسائل الحكومية وغيرها… وأنَّ إرادته ورأيه مقدَّمان على إرادة ورأي أي مؤمن.

هذه الولاية التي أكدها النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، وأكد على استمرارها بعده في اثني عشر إماماً من خلال الأحاديث المتعددة، أهمها حديث غدير خم حيث قال صلى الله عليه وآله وسلّم بعد أن أخذ بيد علي عليه السلام: “ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ من كنت مولاه, فهذا علي مولاه….”10”

وفي غيبة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف, كانت ولاية الفقيه امتداداً لولاية المعصوم ليقوم بسد الفراغ على المستوى الاجتماعي والسياسي وغيرها من الجهات.

فولاية الفقيه هي نيابة عن الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في قيادة الأمة وإقامة حكم الله تعالى على الأرض مستمدة منه، وهي جذوة من نوره، وشهاب من قبسه، وفرع من فروع دوحته ولذلك عرفت ولاية الفقيه أنها “حاكمية المجتهد الجامع للشرائط في عصر الغيبة”. (جمعية المعارف)

وإنما تولي أمر الحكومة في حد ذاته ليس مرتبةً ومقاماً، وإنَّما مجرد وسيلة للقيام بوظيفة تطبيق الأحكام, وإقامة نظام الإسلام العادل. يقول أمير المؤمنين عليه السلام لابن عباس عن نفس الحكومة: “ما قيمة هذا النعل؟ فقال ابن عباس: لا قيمة لها. فقال عليه السلام: والله لهي أحبُّ إليَّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقاً (أي اقيم قانون الإسلام ونظامه) أو أدفع باطلاً”11(أي القوانين والانظمة الجائرة والمحرمة) إذاً فنفس الحاكمية والإمارة مجرد وسيلة ليس إلاّ. وهذه الوسيلة إذا لم تؤدِّ إلى عمل الخير وتحقيق الأهداف السامية، فهي لا تساوي شيئاً عند أهل الله. ولذا يقول عليه السلام في خطبة نهج البلاغة “لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر… لألقيت حبلها على غاربها”. (نهج البلاغة – خطب الإمام علي عليه السلام – ج 1 ص 37.

هذا وتتجلى فرادة نظرية السلطة والدولة عند الإمام الخميني (ره). في كونها إطاراً تكليفياً شاملاً، تتحول فيه مكونات المجتمع الإسلامي (أفراد، مؤسسات، قيادة) إلى حركة مقصدية عامة باتجاه تحقيق السعادة الدنيوية والخلاص الأخروي استناداً إلى العمل بتعاليم الوحي والامتثال لأحكام الإسلام وقوانينه.

من هنا، تتداخل معطيات ومحددات عديدة في تشكيل مفهوم الدولة عند الإمام الخميني على نحوٍ لا يؤدي إلى تجاوز وإلغاء البعد السياسي المباشر، بل يربطه بأبعاد أخرى مستمدة من شمولية دور الإسلام في حياة الناس، بدءاً من الجانب العقائدي بما هو موجه للسلوكيات الفردية والمجتمعية (تصديق وإيمان) مروراً بالجانب التشريعي وما يتكفل به من ضبط لحركة المجتمع والدولة على إيقاع الموازين الشرعية (الامتثال والالتزام) وصولاً إلى المقاصد الأساسية للدين وتحقق مستلزمات الإيمان (السعادة في الدارين)… يقول الإمام (ره): «الإسلام والحكومة الإسلامية ظاهرة إلهية يؤمِّن العمل بها سعادة أبنائها في الدنيا والآخرة بأفضل وجه» (الوصية الخالدة، مكتب وكلاء الإمام الخميني، ص21.)

ويشير الإمام إلى عدة خصائص مقصدية تمتاز بها «الحكومة الإسلامية» عن غيرها، من الأنظمة، وهي (العدالة وعدم الاستبداد، التشريع الإلهي، القانون: يعتقد الإمام أن الحاكمية في الدولة الإسلامية تنحصر بالله والقانون الذي هو أمر الله وحكمه…والجميع في هذه الدولة يخضع للقانون بدءاً من الرسول الأكرم مروراً بخلفائه وصولاً إلى سائر الناس وإلى الأبد، خصوصية الجماهير في الدولة الإسلامية، يؤكد الإمام على دور الشعب وأهميته في قيام الجمهورية الإسلامية) “الحكومة الإسلامية، ص71”.

يمكن القول إن الإمام الخميني قد أكد كثيراً على أسلمة النظام الإسلامي بكل أبعاده، إذ الأسلمة تعكس الميزة الأساسية التي تميز الدولة الإسلامية عن غيرها، بدءاً من بنية الدولة ونظام الحكم والحكومة والسلطات الإجرائية والتشريعية، مروراً بالقوانين والمعارف والثقافات وصولاً إلى المجتمع والمؤسسات والأفراد.

(الدولة الإسلامية عند الإمام الخميني)

كتبه: رصد الموقع