عبدالله قمح | إذا كان قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوهب القدس لصالح الاسرائيليين قد تسبّبَ بإنتفاضة وحالت غضب عارمة وصلت إلى حدود السفارة الأميركيّة في بيروت، فكيف سيكون عليه شكل الرّد على تصريحات وزير الخارجية جبران باسيل أو تداعياتها؟

السؤال الذي يجب طرحه بواقعيّة ودقّة ودون خَجل، هل ستتسبّب تصريحات باسيل بإنتفاضة من حلفائه، أمّ أنَّ الموضوع سيمرّ مرور الكرام، وتتم معالجته وفق القاعدة اللبنانيّة “لا غالب ولا مغلوب” ثمَّ تتم معالجته وكأنّه لم يكن؟

الذي يبدو ظاهراً بعد إجراء دراسة واستطلاع على حلفاء باسيل المفترضين لا يشي بالخير وتركَ أثراً عميقاً لديهم، وهو كلامٌ من النوع الذي لا يقبل القسمة على اثنين ولا يمرّ مرور الكرام، لأنّه يتّصل بأمورٍ جسام محرّم المس بها على إعتبار أنَّ لبنان دولة تتبادل العداء مع اسرائيل وبينهما دم.

هل يدري باسيل أنّه أوّل مسؤول لبناني يجاهر بإعطاء الحق بقيام إسرائيل منذ توقيع إتفاقيّة السابع عشر من أيّار؟ إذاً هل يتحمّل باسيل تحميل لبنان نتائج سابع عشر جديد؟

قد يقول قائل “هل يستدعي كلام باسيل كل هذه الضجّة؟” الجواب نعم! لأن ما صدر عنه أتى بسياقً مضرّ كونه يحمل صفة رسميّة لا شخصيّة، فهو صادر عن وزير خارجيّة لبنان، وما نطقَ به يصنّف على أنّه تعبير عن وجهة نظر لبنانيّة، فضلاً عن كونه شخص قريب من الرئاسة الاولى وله مكانة سياسيّة مرموقة في الداخل، كذلك هو قريب من حزب الله عدو إسرائيل اللدود، يصبح إذاً ما صدر عن باسيل مدعاةً للحذر وفيه بالغ الاذى.

ركن من الثامن من آذار لمَسَ في إستعراضه لموقف باسيل تشابهاً بين هذا التصريح والتصريح الذي تفوّهَ به الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح مع مفارقة وهي إختلاف الوضعين اليمني واللبناني، وكأنّه يغمز إلى “طعنة” بظهر الحلفاء.

كأس السم التي جرّعها باسيل لحلفائه يلوذ حيالها حزب الله بالصمت المغمور بالصدمة والاستغراب، مفضّلاً عدم النطق بحرف لإعتباراتٍ تتصل بالعلاقة مع التيّار الوطني الحرّ، لكن خلف هذا الصمت يتخفى غضبٌ عارم من الذي صدرَ عن حليف مقرّب، تكتفي المصادر القريبة من الضاحية بالتعليق: “هذا كلام خطير يستدعي حلّه تدخل من على أعلى المستويات”.

وفي طلب الاستدعاء دليل على عمق الضربة التي وجهّها باسيل في لحظة متفجّرة لم تتوقّع الضاحية أنّ تأتيها من عزيزها، أمّا ردود الفعل، فقد إنعكست على شكل انتفاضة في مواقع التواصل الاجتماعي، التي بلغَ فيها الضغط حدَّ الانفجار بين نشطاء الحليفين الأصفرّ والبرتقالي، ما حدا بالمسؤولين لدى الاوّل لاصدار تعميم يقضي بصرف النظر عن الدخول في معارك الكترونيّة وترك الأمر للمعالجة ضمن سقف الاحترام، أي أنّها أبقت على الانتقاد ضمن سقفٍ محدد خشية التصادم مع جماهيرها.

الامتعاض من تصرّف باسيل بلغَ المستوياتٍ القياديّة لدى حزب الله، إذ علم أنَّ مسؤولاً رفيعاً في الحزب، أودعَ الوزير باسيل ليل الاربعاء الخميس رسالة نصيّة “بالغة” تمنّى عليه فيها “تفسير موقفه الخطير واصدار توضيح فوراً”.

ويبدو أنَّ النصحية ترجمت حبراً، حيث ما لبثت ساعات حتّى أصدرَ المكتب الإعلامي لوزير الخارجية جبران باسيل بياناً “تملّصَ” فيه من التصريح، مفسّراً ما ورد بأنّه “إجتزاء لخطاب” مكرّراً المعزوفة المعهودة “إسرائيل كيان معتدٍ يمارس إرهاب الدولة” معرّجاً على ما حصلَ بوصف أنّه “حملة منظّمة لضرب الموقف الذي عبّر عنه الوزير باسيل في جامعة الدول العربية والمسّ بقضية القدس”.

تصرّف الوزير جبران باسيل يجب عرضه على خبير أملاً في نيل اجابات شافية حول الحالة التي مرّ بها، فهو قبل فترة قصيرة امتطى صهوة إيقاظ العرب من غفوتهم عبر خطابٍ “رنّان” في الجامعة العربية ثم عدلَ بارسال تصريحات لا يمكن وضعها إلّا تحت خانة “الغزل”.

“الشرود” في الخطابات والمواقف أتى في وقتٍ يتنازع التيّار الوطني الحرّ (من بوابة الرئيس ميشال عون) مع حركة أمل (من بوابة الرئيس نبيه بري) على احجية “مرسوم ضباط دورة 1994″، ما يستدعي طرح تساؤلات حول الغاية من نكأ جراح مع الثنائي الشيعي والتمادي في استجلاب الخطابات أو التصرفات التي تثير الغرائز وتزيد من الشقوق شقوقاً وتضر ولا تنفع.

الاكيد أنَّ رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعد سماعه “الموشّحة” يجلس في مكتبه ويعمه السرور من ما صدرَ عن الحليف المقرّب لحزب الله، ويشعر بانتشاء لخدمة مجانيّة قدّمت له في وقتٍ تحتاج فيه إسرائيل إلى أقلّ خدمة ممكنة.

هناك عدّة تساؤلات تطرح حول المغزى أو السبب المردود عن كلام باسيل. هل أتى كلامه عن هفوة أم ذلّة لسان غير مقصودة أو عن قصر نظر سياسي وعدم ادراك، أو أنّه ورقة انتخابيّة رميت على الطاولة لاستمالة شريحة مسيحيّة معيّنة يدغدغها هذا النوع من الاحاديث؟

ما يمكن الخروج به من استنتاجات في ما اقدمَ وزير خارجية لبنان على فعله، هي 4 نقاط على شكل أسئلة مشروعة:

  • لماذا رمى باسيل قنبلته على قناة محسوبة على محور المقاومة؟
  • لماذا تزامن موقفه مع فترة الذروة التي فتح ترامب بابها بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل؟
  • لماذا جاء كلامه في ظل التشكيك المسيحي من أعداد النازحين الفلسطينيين؟
  • لماذا جاء كلامه بعد كلام الرئيس عون الذي أطلقّ مواقف واضحة إتجاه العدو؟

ثّمةَ من يظن أنَّ باسيل “شطَحَ” كثيراً خلال موقفه في الجامعة العربية وما سبقها، وبالتالي هو يريد العدول عن ذلك عبر التموضع ضمن خطٍ وسطي في غمرة التغيّرات التي تعصف بالمنطقة.

مبعث كلام هؤلاء مردود حول ظن في أنَّ باسيل تلقى نصائح “أوروبية” بالتخفيف من وطأة كلامه، فإختار تمرير الرسائل عبر وسيلة اعلام محسوبة على محور المقاومة تتضمّن “مغازلة ايديولوجية” تنجيه من رواسب الخطاب السابق.

كتبه: موقع ليبانون ديبايت