د.جمال واكيم | صدمت كثيرا، حين صدم كثيرون من كشف تعاون مخرج مع العدو الاسرائيلي الغاشم. فما قام به المخرج جاء متناسقا مع مسار طويل سار به النظام الرسمي العربي منذ السبعينات من القرن الماضي والذي بدأ بالزيارة الشهيرة للرئيس المصري أنور السادات للقدس في العام 1976. هذا المسار الذي سار في ركبه جزء من الأحزاب اللبنانية خلال الحرب الأهلية بذريعة “الدفاع عن الوجود”، والذي سار فيه أيضا كتاب ونخب وقادة ثوريون منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.

هل ننسى الاغنية الشهيرة التي انطلقت في أواخر السبعينات، والتي تحكي قصة حب بين شاعر فلسطيني وفتاة اسرائيلية بعنوان: بين ريتا وعيوني بندقية؟ ألم تكن هذه دعوة للتطبيع غناها الجميع ثوارا، ومتعاملين؟

هل ننسى مبادرة قمة فاس في العام 1982 والتي دعت خلالها معظم الدول العربية للقبول بالحل السلمي مع اسرائيل؟ أم ننسى الاتصالات السرية التي قامت بها منظمة التحرير الفلسطينية بالمسؤولين الاسرائيليين بواسطة نروجية والتي اسفرت عن اتفاق أوسلو عام 1993. أم ننسى أن هذه الاتصالات كانت تتم بتنسيق مع علمين من أعلام الفكر والأدب العربي؟ وهل ننسى كيف قام قائد الثوار بمصافحة قاتل الثوار وبرسم العلم الاسرائيلي لابناء القاتل؟

هل ننسى كيف تعامل لبنان المقاوم مع المتظاهرين المنددين بأوسلو تحت جسر المطار ومقتل 9 منهم لأنهم كانوا يحتجون على أوسلو، أم ننسى كيف تم التعامل بتساهل مع العملاء بعد التحرير في العام 2000، “بحجة الوفاق الوطني” المبني على التنافق الطائفي، وفي المقابل كيف تم إهمال المناضلين الذين خرجوا من سجون الإحتلال الاسرائيلي؟

هل ننسى كيف تم التعامل مع مقاومين يابانيين جاؤوا للقتال معنا ضد اسرائيل، فسجناهم وأهناهم عندنا وفاء لهم؟ هل ننسى كيف أصبح الهتاف الحاقد ضد سورية حكومة وشعبا هو الخطاب السائد بعد العام 2005، وكيف أدين الخطاب الداعي لمقاومة اسرائيل لأنه خطاب “خشبي”. أم ننسى أن سورية، قلب العروبة النابض معزولة وجريحة في أمتها، وأن من يدعو للسلام بل التحالف مع اسرائيل هو من يقود الامة الآن؟

هل ننسى كيف اصبح من تعامل مع اسرائيل، نوابا ووزراء في دولة المعادلة الذهبية، الجيش والشعب والمقاومة، واصبح من قتل لتعامله مع الاحتلال الاسرائيلي ومن ارتكب المجازر في الحرب الأهلية، شهيدا مكرما تسمى الطرق والساحات باسمه، واصبح المقاومون مدانين محكومين بالاعدام؟

هل ننسى كيف أصبح من تعامل مع اسرائيل خلال فترة الاحتلال، محللا سياسيا ناطقا باسم الممانعة على شاشاتها، واصبح المقاوم الذي قضى 18 عاما في الأسر الاسرائيلي عاطلا عن العمل لا يجد ملجأ يقيه العوز ويمكنه من اعالة أولاده؟

هل ننسى كيف تم التنكر لمن صوت ضد اتفاق 17 ايار المذل مع اسرائيل، وكيف رفعت صورهم في ساحات “الحراك” كما ولو أنهم مطلوبين للعدالة، فيما تم احتضان من كان دليلا لاسرائيل عند دخولها الى بيروت في العا 1982؟

هل ننسى كيف تم اطلاق عملاء تم القبض عليهم في السنوات القليلة الماضية، بعد قضائهم احكاما لم تتجاوز اشهرا، فيما يقبع الاف المسجونين بتهم اخف بكثير، بسبب تراكم القضايا في المحاكم؟

هل ننسى مبادرات السلام والوئام ودعوات التطبيع واللقاء ونسيان الماضي و و و و ؟

هل ننسى أن هذا كله جزء من المسار الذي اوصلنا الى حد، باتت فيه العمالة لاسرائيل، مجرد فرصة عمل، لابناء جيل هدموا له معايير القيم الوطنية والاخلاقية، فبات كل شيىء مباحا، وباتت صداقة اسرائيل والعمالة لها هي القيمة السائدة، بل هي الموضة؟

كل شيىء بدأ حين أصبحت الأغنية السائدة لدى “الثوار”، “بين ريتا وعيوني بندقية”، فأصبح حلم كثيرين أن تسقط البندقية حتى يحصل على ريتا؟ وها هو المخرج يعثر على ريتا خاصته.

أعزائي، حتى نحمي آخرين من السقوط، يجب أن تسقط ريتا، وترتفع من جديد… البندقية.

كتبه: موقع قناة الـ NBN