بسم الله الرحمن الرحيم:

( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )

عن أم سلمة قالت : في بيتي نزلت تلك الآية أرسل رسول الله (ﷺ) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين (؏) وأدخلهم تحت الكساء اليماني وقال (ﷺ):

(هؤلاء أهل بيتي . أنا حرب على من حاربهم وسلم لمن سالمهم . )

فقلت له (ﷺ): ( وأنا معهم يانبي الله ؟ ) قال (ﷺ):

(أنت على مكانك وأنت على خير . ) 2

حدثنا محمد بن مصعب ، قال : ثنا الأوزاعي ، عن شداد أبي عمار قال :

( دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليا ، فلما قاموا قال لي : ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله ؟ قلت : بلى . قال : آتيت فاطمة الزهراء (؏) أسألها عن علي (؏) قالت : توجه إلى رسول الله فجلست انتظره حتى جاء رسول الله ومعه علي والحسن والحسين (؏) فأخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل ، فأدنى عليا وفاطمة الزهراء (؏) فأجلسهما بين يديه وأجلس حسنا وحسينا (؏) كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه أو قال : كساء ، ثم تلا هذه الآية ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) وقال (ﷺ):

( اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق .) 3

وقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل حديث الكساء وآية التطهير في عدة مواضع من مسنده. لكن التحريف والتضليل والتجني على التأريخ الذي بدأ بصورة واسعة في زمن معاوية بن أبي سفيان كان له أثره في التعتيم على تلك الحقائق التأريخية الناصعة. وسار عليها أتباع آل أمية ومروان إلى يومنا هذا حتى سمعت أحدهم يقول في إحدى الفضائيات:

(لايوجد مسمى أهل البيت إلا في عقول الشيعه.!!!) وهو إنكار مبطن لنبوة المصطفى (ﷺ)وكل ماقاله في حق أهل بيته (؏). ولم يكتفوا بهذا بل أخذوا يعلنون عن فرحهم وسرورهم في العاشر من محرم الحرام على أثر إستشهاد فلذة كبد الرسول الإمام الحسين (؏) وأهل بيته من ذراري رسول الله (ﷺ) الذي أوصى الأمة بهم من بعده . وحرضوا ويحرضون على سفك دماء أتباع هذا المذهب. وكل من يذكر هذه الحقائق يطلقون عليه مسميات :

(رافضي مبتدع !!!) و(عميل للفرس المجوس!!!)

أليست هذه الأباطيل هي جاهلية جديدة تعشعش في عقول هؤلاء النواصب المجردين من أدنى خلق إسلامي.؟

لقد كان الإمام الصادق (؏) بعلمه الغزير كالبحر المتلاطم الذي لايمكن لأية جهة مهما امتلكت من عوامل الزيف والدجل أن تصادر مياهه وتوقف تدفقها .

وهذه الحمى الطائفية المقيتة التي يطلقونها في فضائيات الفتن والعفن لابد أن ترتد عليهم وإن طال الزمن وكما قال الشاعر لبيد:

ألا كل شيء ماخلا الله باطلُ.

فأين تذهبون ؟ وأنى تؤفكون ؟ والله على كل شيئ شهيد ؟ قال الإمام محمد بن إدريس الشا فعي رض:

ياراكبا قف بالمحصب من منى
واهتف بساكن خيفها والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى
فيضا كما نظم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمد
فليشهد الثقلان أني رافضي . 4

وإذا كان الإمام الشافعي رض وهو قامة في العلم والثقافة الإسلامية وصاحب مذهب معروف ولم يكن (عميلا للفرس ) يفتخر برافضيته لأنه أحب أهل البيت (؏) وأشاد بمآثرهم فيحق لنا أن نحذو حذوه مهما قال المرجفون والمزيفون والمحرفون.

إن الإمام جعفر الصادق (؏) هو بحر العلم الذي لاينضب بشهادة المزيد من كبار علماء عصره.

عن أبن خلكان :

( أبو عبد الله الصادق , أحد الأئمة الأثني عشر على مذهب الإمامية , وكان من سادات أهل البيت (؏) ولقب بالصادق لصدقه في مقالته , وفضله أشهر من أن يذكر . )- 5

(وله كلام في صنعة الكيمياء وكان تلميذه جابر بن حيان قد ألف كتابا يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق (؏) وهي خمسمائة رساله . )- 6

وقال الذهبي :

(جعفر الصادق (؏)كبير الشأن من أئمة العلم . كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور . ) – 7

وقال عدو البيت النبوي أبو جعفر المنصور في حقه :

( أن جعفرا كان ممن قال الله فيه : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا . ) وكان ممن اصطفى الله . وكان من السابقين بالخيرات .) – 8

إستلم الإمام جعفر الصادق عليه السلام الإمامة في عصر كان فيه الصراع بين الأمويين والعباسيين على أشده وقد رفع العباسيون شعار ( الرضا من آل محمد (ﷺ)) للقضاء على الدولة الأموية والوصول إلى السلطة . وقد أدرك الإمام (؏) محتوى ذلك الشعار التضليلي الكاذب القاضي إلى بناء دولة بني العباس التي أوغل ملوكها في سفك دماء آل محمد (ﷺ)، وكان الإمام يطالب بثورة إصلاحية حقيقية تعيد للدين المحمدي أصالته ونقاءه بعيدا عن الرغبات السلطوية المنحرفة عن قيم الدين الأصيلة .

وكان (؏) يوصل أفكاره إلى طلبته لنشرها بين أوساط المسلمين وعلى رأسهم هشام بن الحكم ومحمد بن مسلم وجابر بن حيان وسفيان الثوري وغيرهم الكثير.

ويقول أحد طلابه أبو حنيفة النعمان:

( لما أقدمني المنصور الحيرة بعث إلي فقال ياأبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الصعاب .فهيأت له أربعين مسألة . ثم أتيت أبا جعفر وجعفر جالس عن يمينه فلما أبصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة مالا يدخلني لأبي جعفر إلى أن قال:

قال لي أبو جعفر:

(هات من مسائلك فابتدأت أسأله فكان يقول في المسألة : (أنتم تقولون فيها كذا وكذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على أربعين مسألة ماخرم منها مسألة ثم قال أبو حنيفة النعمان أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس .)- 9

يقول الأستاذ صائب عبد الحميد:

( ولو لم تكن السياسة وشهوة السلطان هي التي صنعت هذا فهل ترى أمة محمد (ﷺ) تجفو أهل بيته الأطهار (؏) وهي ترى فيهم أعلى الفضل والشرف والسيادة والشجاعة والعلم والفقه والكرم والحكمة وكل الفضائل ومكارم الأخلاق. أترى هذا يكون لولا ذاك ؟ أم يقال أن الشيعة قد كذبوا على أئمة أهل البيت (؏).؟ إن أغرب ماأراه يتكرر تحت ناظري وعلى مسامعي هي هذه الدعوى التي ماقيلت إلا لأجل قطع الطريق على الباحث أن يبلغ الحقيقة, وقطع الطريق على الحقائق أن تبلغنا ).10

قال الإمام الصادق في تكريم العلم والعلماء :

(إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد , ووضعت الموازين , فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء , فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء ) 11.

وعن أبي الربيع الشامي قال :

( دخلت على أبي عبد الله الصادق (؏) والبيت غاص بأهله فيه الخراساني والشامي ومن أهل الآفاق فلم أجد موضعا أقعد فيه فجلس أبو عبد الله (؏) وكان متكئا ثم قال :

( ياشيعة آل محمد إعلموا أنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه ومن لم يحسن صحبة من صحبه ومخالقة من خالقه ( والمخالقة : المعاشرة بالأخلاق الحسنة . ومرافقة من رافقه ومجاورة من جاوره وممالحة من مالحه , ياشيعة آل محمد إتقوا الله مااستطعتم ولا حول ولا قوة ألا بالله )

وقال علاء بن الفضيل عن أبي عبد الله الصادق (؏) قال :

(عظموا أصحابكم ووقروهم ولا يتهجم بعضكم على بعض ولا تضاروا ولا تحاسدوا وإياكم والبخل كونوا عباد الله المخلصين الصالحين . ) 12.

فأين نحن اليوم من هذا المنهج الإنساني العظيم في محتواه وفحواه من بعض الذين يصرخون ليل نهار نحن شيعة أهل البيت (؏) وهم في سلوكهم أبعد مايكونوا عن نهجهم (؏) وأين هذا العطف الإنساني العظيم الذي زرعه سيد الرسل محمد بن عبد الله (ﷺ) في نفوس أهل بيته الأبرار ع من النهج الذي سار عليه الخوارج وأحفادهم خوارج هذا الزمن الذين حللوا سفك دماء المسلمين. وانتهكوا الحرمات وحللوا المنكرات وباعوا الدين بالدنيا؟

وله (؏) مناظرات كثيرة مع الكثيرين من أهل زمانه في مختلف العلوم الإنسانية ومنها مناظرته (؏) مع الملحدين ومناظراته مع أبي حنيفة النعمان في القياس وفي حكم التوسل بالنبي (ﷺ) ومناظرته (؏) مع رؤساء المعتزلة ومناظرته (؏) مع طبيب هندي ومناظرته (؏) مع عبد الله بن الفضل الهاشمي ومناظرته (؏) مع الزنادقة والملاحدة المشككين بقدرة الله تعالى ومناظرته مع أبن أبي العوجاء ومناظرته (؏) في الحكمة من الغيبة. وغيرها الكثير من المناظرات المهمة والمفيدة جدا. )13

للإمام جعفر الصادق (؏) الكثير من الأقوال في العلم والعرفان والورع واليقين والزهد والحكمة والتقوى والمصاحبة والبر والإحسان لايسع المجال لذكرها لكثرتها.

لقد كان الإمام الصادق (؏) ينبوعا ثرا للكثير من المعارف والعلوم وسمو الأخلاق والعرفان، ومحاربة الظلم والظالمين وإرشاد الناس لمنبع الدين الذي هو القرآن وسيرة نبي الهدى والرحمة (ﷺ) وأهل بيته الهداة الطاهرين (؏).

وكان الخليفة العباسي المنصور الدوانيقي يحمل في قلبه حقدا دفينا للإمام (؏) لشدة إقبال الناس عليه (؏) في تلك الجامعة العظيمة التي كانت بمثابة النور الذي يشع على كل ربوع الأمة الإسلامية.

وهذا الأمر لايروق لحاكم مستبد طاغية منحرف كالدوانيقي شأنه شأن كل الطغاة على مر التأريخ وعدائهم المستمر لأهل الحق والتقوى والإستقامة والفضيلة.

وقد عبر عما في دواخله نحو الإمام بتلك المقولة ( إن جعفر بن محمد هو الشجى المعترض في الحلق ) وكان في كل مرة يحاول فيها قتل الإمام (؏) لكنه يتراجع وتأخذه الرهبة منه. فأرسل إليه في النهاية من يدس له السم وهو عامله في المدينه محمد بن سليمان فحقق له رغبته.

إشارات :

  1. الآية 33 من سورة الأحزاب.
  2. صحيح الترمذي ( كتاب تفسير القرآن )ج5ص351 حديث 3205
  3. الحاكم النيسابوري : المستدرك على الصحيحين ( كتاب معرفة الصحابه ج3 ص 146
  4. تفسير الرازي 27: 661
  5. وفيات الأعيان 1: 327
  6. نفس المصدر والصفحه
  7. سير أعلام النبلاء 13: 120
  8. تأريخ اليعقوبي 2: 383
  9. سير أعلام النبلاء 6: 275
  10.  منهج في الانتماء المذهبي لصائب عبد الحميد ص 336.
  11. الوافي ج1 ص40 عن الكافي.
  12. الوافي ج2 ص 637 عن الكافي
  13. من ويكيبديا – الموسوعة الحرة ص 2و3.

كتبه: جعفر المهاجر