نزل الرئيس بوتين فى قاعدة الحميميم الجوية السورية منذ ساعات و كان فى استقباله رئيس المقاومة العربية السيد الرئيس بشار الاسد ، كانت الرسالة واضحة و معبرة و تاريخية تحت كل العناوين و لذلك لاحظنا كثيرا من الارتباك و الفوضى الفكرية لدى المحللين على الجهة المعادية فى السعودية و قطر و الامارات و لدى التيار الحريرى فى لبنان و لدى بعض الذين تأمروا على سوريا من الاخوان و من جماعات السفارات و دكاكين الفوضى الخلاقة الذين تستثمرهم المخابرات الامريكية لصنع ما يسمى بالرأى العام المنخرط فى المؤامرة القذرة المسماة الثورة السورية ، كانت الرسالة واضحة للعيان بأن على البعض أن يطوى الى الابد سيرة اسقاط الرئيس الاسد او رحيله او تغييره بالقوة ، طبعا رحل المتآمرون على سوريا تباعا بدءا بالأمير سعود الفيصل و امير قطر و المتصابية هيلارى كلينتون و الرئيس بـــاراك أوباما و السادة الاخضر الابراهيمى و كوفى عنان و نبيل العربـــى و عـــمرو موسى و فرانسوا هولاند و جاك شيراك و نيكولا ساركوزى و تونى بلير و حمد بن جاسم و داوود أوغلو و لوران فابيوس الى اخر القائمة ، رحل المتآمرون على سوريا و على المقاومة العربية و على فلسطين ، لكن الرئيس الاسد بقى شامخا .

زيارة الرئيس بوتين رغم قصر مدتها لم تكن عادية بكل المقاييس سواء من حيث التوقيت على اعتبار انتهاء المعركة ضد الارهاب بانتصار الحلف المقاوم أو على مستوى انخراط القوات العسكرية الروسية فى معركة كسر عظم الارهاب و افشال مخطط مموليه الخليجيين المنخرطين فى المؤامرة القذرة الرامية لإسقاط النظام السورى باعتباره الحجر الاساس فى مثلث المقاومة ، لا بد من التذكير أن روسيا قد استعملت حق النقض اكثر من مرة فى مجلس الامن فى سابقة مثيرة لم تحدث منذ انبعاث هذا المجلس الى الوجود مما يؤكد أهمية الموقع الاستراتيجى و السياسى السورى فى معادلة الصراع العربى الصهيونى و معادلة البحث عن الحل فى الشرق الاوسط ، يجب التنويه أيضا أنه بسقوط الاتحاد السوفييتى و خروجه من المناطق المائية الدافئة تراجع النفوذ الشيوعى الروسى و اصبحت امريكا هى اللاعب الوحيد فى المنطقة و هو ما يفسر حالة الانكسار العربية التى لحقت امضاء اتفاقية كامب ديفيد الشهيرة و انخراط كثير من دول الخليج فى مؤامرة التطبيع مع الكيان الصهيونى بما جعل القضية الفلسطينية تصبح مجرد عناوين فى نشرات اخر المساء العربية ، طبعا هبوط الرئيس الروسى بالقاعد الجوية السورية التى كانت منصة مهمة لضرب الجماعات الارهابية يعكس حالة من الارتياح لدى الجانب السورى بعد أن أوفى الحليف الروسى بكل تعهداته مقدما دماء ابناءه لمقاومة الارهاب و حشد كل الطاقات لإسقاط المؤامرة التى تستهدف سوريا .

ماذا يعنى ايعاز الرئيس الروسى لجزء من قواته بالرحيل الى روسيا ؟ … فى العرف العسكرى هذا يعنى انتهاء المعركة و من الجانب السورى هذا يعنى انتهاء المهمة المحددة و على الميدان هذا يعنى أن الجيش الروسى قد وقف الى جانب القوات السورية و القوات الرديف للقضاء على المجموعات الارهابية و ابطال مفاعيل قوتها و دحرها الى مناطق لا تمثل خطرا على المواطنين مما يعطى الفرصة للحكومة السورية بإعطاء اشارة الانطلاق لإعادة الحياة الى سوريا تحت كل العناوين ، هذا مهم و مهم جدا خاصة و أن مجيء الرئيس الروسى يأتى بعد ساعات من خطاب السيد حيدر العبادى رئيس الوزراء العراقى الذى اعلن فيه الانتصار الكامل على المجموعات الارهابية الوهابية التكفيرية مما يؤكد بصورة نهائية هزيمة المشروع السعودى الامريكى التركى و يزيد فى مشاعر المرارة لدى هذه الاطراف خاصة فى ظل انهيار الخطة العسكرية السعودية فى اليمن بعد 3 سنوات من الفشل المستمر ، نحن اذن امام لحظة تاريخية تتزامن مع رجوع الوهج الشعبى الى القضية الفلسطينية بعد ما لا يقل عن سبعة سنوات عجاف من السقوط و الانكسار العربى بفعل المؤامرة السعودية المشبوهة على العراق و على سوريا و اليمن و لبنان و لعل قرار ترامب الاخير حول القدس قد ابطل حالة الانقسام فى وجدان الشعب العربى و اثبت ان هذه القضية تبقى القضية العربية الجامعة مهما حصل من اختلاف حول بقية القضايا ، هذا ما اشار اليه سماحة السيد حسن نصر الله منذ ساعات حين طالب الشعوب العربية بتفعيل هذا الوهج الشعبى و العمل على ضرب المصالح الامريكية اعلاميا و شعبيا و تسليط مزيد من الضغوط على الحكومات العربية لجرها الى اتخاذ مواقف ترقى على الاقل للموقف اللبنانى و العراقى فى مجلس الجامعة العربية الاخير .

لعل الجميع يدركون اليوم ان المسار السياسى لحل الازمة السورية لن يكون على حساب الثوابت السورية و أن الدماء التى سالت اثناء صمود سنوات الجمر لن تذهب سدى بل لن يكون هناك مكان فى سوريا للخونة و المتآمرين و المتحالفين مع القوى المعادية و أن كلمة السر القادمة ستبقى سوريا اولا و اخيرا و انه على كل الذين انخرطوا فى هذه المؤامرة من الداخل و الخارج ان يتحسسوا رؤوسهم لان ما قبل المؤامرة لن يكون كما بعدها ، ايضا يجب على اسرائيل ان تفهم اليوم ان عهد “السياحة ” العسكرية قد انتهى و ان الرئيس السورى سيقوم هذه المرة بعديد المراجعات فى كامل السياسة العسكرية السورية بناء على كل التجربة الحاصلة بعد ما لا يقل عن 6 سنوات من الصراع على مختلف الجبهات و ضد اكبر تحالف تخريبى عالمى مقامر استعمل كل الاساليب و الظروف و المقدرات للقضاء على الدولة السورية بكل مقوماتها و دفع بقية العرب الى اعلان راية الاستسلام بمجرد سقوط الشام لا قدر الله ،فى هذا السياق ستتم كثير من المراجعات و تحيين المواقف و سيكون لروسيا دور كما بعض الدول فى اعادة الاعمار بل من المؤكد أن حلف المقاومة قد استفاد من كثير من الدروس على كل المستويات و كانت المعركة ضد الارهاب فرصة لفهم كثير من الحقائق الغائبة و كشف الاسرار الدفينة .

اثبتت ايام الجمر فى سوريا ان المعارضة قد باعت نفسها للشيطان الصهيونى الماكر بدون ذرة خجل و تبين ان البعض على الساحة الفلسطينية قد انتقل الى مربض العدو و ساحة المؤامرة و تلقف علم الانتداب السورى متجاهلا العلم السورى الاصيل و هناك من ابناء سوريا من تنكر للراية الوطنية و انخرط فى لعبة بيع الضمير لفائدة ما سمى بالائتلاف السورى بل هناك اقلام ” عربية ” كانت اشد بأسا و ضراوة على الشعب السورى من بعض الاقلام الصهيونية و لن تنسى سوريا و بقية الشعوب العربية قنوات التطبيع القطرية السعودية الجزيرة و العربية و بعض القنوات اللبنانية و بعض الذين كانوا الى جانب الجماعات الارهابية فى سوريا بدعوى اسناد الثورة السورية المزعومة و على رأسهم السيد عقاب صقر سيء الصيت ، لن تنسى سوريا المتآمرين و لن تنسى حفلات بيع الضمائر التى كانت تقام بالسفارة الامريكية فى لبنان و لن تنسى كل هؤلاء الذين كالوا السب و الشتم للقوات السورية المنسحبة من لبنان و لن تنسى الشعوب العربية حالة الشماتة القصوى التى اظهرتها عديد الفصائل اللبنانية المعروفة بعلاقتها المشبوهة بالكيان السعودى خاصة عند حادثة اغتيال القيادات السورية السياسية و العسكرية بل و حالة الهبوط الانسانى عند اغتيال الشهيدين عماد مغنية و سمير القنطار .

لم يسقط الرئيس الاسد و لم يرحل و لم يصل الرئيس التركى حسب وعده فى المسجد الاموى ، لكن سوريا لن تنسى و هى تنتصر كل الشهداء و كل الذين ضحوا و كل الذين وقفوا معها و آمنوا بانتصارها فى عز ايام الشك و التضليل ، لن تنسى سوريا تلك اللحظات الحرجة حين قامت الجامعة العربية بقطع العلاقات الاقتصادية و حين تم قطع بث القنوات السورية بل حين مكنت قطر ما يسمى بالائتلاف من مقعد سوريا فى الجامعة العربية ، لن تنسى سوريا المواقف المتقاعسة للسيد الاخضر الابراهيمى و حالة التحريض المحمومة ضدها من طرف من سمى بأمين الجامعة العربية نبيل العربى و لعل التاريخ سيذكر سقوط الجامعة و امينها عمرو موسى و احمد ابو الغيط فى حفلة ضرب سوريا و مهما كتب التاريخ فلن تسع مجلداته المعجزة السياسية و العسكرية و الاقتصادية السورية و لذلك نقول ان زيارة الرئيس الروسى هى زيارة تاريخية تفتح كل الابواب امام مستقبل زاهر للشعب السورى و لا عزاء للخونة المتآمرين .

كتبه: أحمد الحباسي