بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ﴾ 1

روى السيوطي وغيره في تفسير هذه الآية بالإسناد إلى ابن عباس رض قال:

( لما نزلت هذه الآية قالوا: يارسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجّبت علينا مودتهم؟ قال (ﷺ) علي وفاطمة وولداهما. و قد استدلّ الفخر الرازي على ذلك بثلاثة وجوه ، فبعد أن روى الحديث عن الزمخشري قال:

فثبت أن هؤلاء الاَربعة أقارب النبي (ﷺ) ووجب أن يكونوا مخصوصين بمزيدٍ من التعظيم.) 2

وعن عبد الله بن مسعود رض قال:

كنا مع النبي (ﷺ) في بعض أسفاره إذ هتف بنا أعرابي بصوت جهوري فقال يامحمد !. فقال له النبي (ﷺ) ماتشاء ؟ فقال: المرء يحب القوم ولا يعمل بأعمالهم فقال النبي (ﷺ) : المرء مع من أحب . فقال يامحمد أعرض علي الإسلام فقال (ﷺ) : أشهد أن لاإله ألا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت .

فقال يامحمد تأخذ على هذا أجرا ؟ فقال : (لا إلا المودة في القربى قال الأعرابي: قرباي أم قرباك ؟ فقال (ﷺ) : بل قرباي قال هلم يدك حتى أبايعك . لاخير فيمن يودك ولا يود قرباك) .2

هذان مصدران فقط أذكرهما لمن أراد أن يشذ ويتيه وينكر كل حقيقة تأريخية تتعلق بأهل بيت رسول الله (ﷺ) وأنهم أفضل الخلق بعد رسول الله (ﷺ) لأنهم الأقرب منه ولأنهم الأعلم من غيرهم بسيرته ص، ولأنهم الأكثر تأدبا بخلقه ، ولأنهم نهلوا من معين صفائه . فصاروا الأفضل من غيرهم في زهدهم وتقواهم وعرفانهم وجهادهم .وستبقى سيرتهم مشرقة بنورها كنور الشمس في رابعة النهار، وكالماء الرقراق الذي لاتشوبه شائبة على مر الزمن. ولا تحجبه غرابيل النفوس المريضة وأباطيلهم.

إنهم تلك الصفوة الطاهرة المطهرة المتألقة بنور الأيمان المحمدي المتكامل الناصع .وهم المعصومون من أي خطأ أو زلل فاستنار المفلحون عند الله بهداهم وعظيم تقواهم وجلال سيرتهم.

بسم الله الرحمن الرحيم :

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ 3

روى المحدّثون عن النبي الأكرم (ﷺ) أنّه قال :

( إنّما مثل أهلُ بيتي في أُمَّتي كَمَثَلِ سفينةِ نوح ، مَن رَكِبَها نجا ومَن تخلّف عنها غَرِقَ. ) 4

فشبّه (ﷺ) أهل بيته بسفينة نوح في أنّ مَن لجأ إليهم في الدين وأخذ أصوله وفروعه عنهم نجا من عذاب النّار ، ومَن تخلّف عنهم كان كمَن آوى يوم الطّوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله ، غير أنّ الماء أغرقه.

يقول إبن حجر في صواعقه :

( ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم ، شكراً لنعمة مشرّفهم ، وأخذ بهَدْي علمائهم ، نجى من ظلمة المخالفات . ومَن تخلّف عن ذلك ، غرق في بحر كفر النِّعم ، وهلك في مفاوز الطغيان. ) 5

ولو تمسك المسلمون بهذا الحديث الصحيح الذي قاله إبن حجر لعرفوا من حال بينهم وبين الحقائق التأريخية ولماذا غطاها وحجبها عنهم؟ .ولكان حالهم أفضل من هذا الحال البائس الذي هم فيه بكثير.

والإمام جعفر ين محمد الصادق (؏) هو فروع هذه الشجرة المحمدية المباركة الوارفة الظلال التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.وهو ذلك البحر الزاخر بالعلم والعرفان والتقى. وقد نهل علمه وتقاه الكثير من العلماء في عصره. ولا يستطيع أي مزور للتأريخ أن يحجب هذا النور الساطع.ولا يستطيع أي باحث منصف أن يلم بكل جوانب شخصيته الموسوعية في مقالة ولا في عشرات المقالات. وقد شهد لسيرة هذا الإمام العظيمة كبار أهل العلم والمعرفة من علماء عصره. يقول الشيخ المفيد:

( كان الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (؏) من بين أخوته خلفة أبيه محمد بن علي (؏) ووصيه القائم بالإمامة من بعده . وبرز عليهم بالفضل. وكان أنبههم ذكرا , وأعظمهم قدرا وأجلهم في العامة والخاصة .ونقل عنه الناس من العلوم ماسارت به الركبان . وانتشر ذكره في البلدان . ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء مانُقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار وناقلي الأخبار. ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله الصادق (؏) . فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل . ) 6

وقال الإمام مالك رض:

(اختلفت إلى جعفر بن محمد زماناً، فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلياً، وإمّا صائماً، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدّث عن رسول الله إلاّ على طهارة ولا يتكلم بما لا يعنيه. وكان من العلماء العبّاد والزهّاد الذين يخشون الله، وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً .)7

وتحدث أبو الفتح الشهرستاني في كتابه ( الملل والنحل )عن الإمام جعفر الصادق (؏) فقال :

( وهو ذو علم غزير في الدين . وأدب كامل في الحكمة . وزهد بالغ في الدنيا . وورع تام عن الشهوات . )8

ونقل العلامة السيد محسن الأمين:

( أن الحافظ بن عقدة الزيدي جمع في كتاب رجاله أربعة آلاف رجل من الثقاة الذين رووا عن جعفر بن محمد الصادق (؏) فضلا عن غيرهم, وذكر مصنفاتهم . ) 9

وروى النجاشي في رجاله بسنده عن الحسن بن علي الوشا في حديث قال فيه :

( أدركت في هذا المسجد ( يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كلهم يقول : ( جعفر بن محمد.) وكان (؏) يقول : حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب (؏)  وحديث علي (؏) حديث رسول الله (ﷺ)  وحديث رسول الله (ﷺ) قول الله عز وجل . ) 10

ونقل الأمين العاملي عن الحسن بن زياد قال :

( سمعت أبا حنيفة . وقد سئل عن أفقه من رأى قال : جعفر بن محمد الصادق ع. ) 11

وعن أبي ليلى قوله :

( ماكنت تاركا قولا قلته أو قضاء قضيته لقول أحد إلا رجلا واحدا هو جعفر بن محمد الصادق (؏) . ) 12

وروي في كتاب الكافي عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (؏) أنه قال في العرفان :

( لو يعلم الناس مافي فضل معرفة الله عز وجل مامدوا أعينهم إلى مامتع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها . وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطأونه بأرجلهم ولنعموا بمعرفة الله عز وجل وتلذذوا بها من تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله . أن معرفة الله عز وجل أنس من كل وحشة وصاحب من كل وحدة , ونور من كل ظلمة , وقوة من كل ضعف وشفاء من كل سقم . ثم قال (؏) وقد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير. وتضيق عليهم الأرض برحبها. فما يردهم عماهم عليه شيء مما هم فيه من غير ترة وتروا ( والترة : النقص أي من غير نقص نقصوا مما هم فيه.) من فعل ذلك بهم ولا أذى , بل مانقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . فاسألوا ربكم درجاتهم , واصبروا على نوائب دهركم , تدركوا سعيهم . )13

من أقوال الإمام الصادق ع في العرفان:

( إن الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة , فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشرة , فلا تسقط من هو دونك , فيسقطك من هو فوقك , وإذا رأيت من هو أسفل منك درجة فارفعه إليك برفق ولا تحملن عليه مالا يطيق فتكسره , فإن من كسر مؤمنا فعليه جبره. ) 14

إنها كلمات إيمانية عميقة نابعة من خلق رسول الله (ﷺ) وهي صدى أمين لسيرة الإمام العطرة ،وفهم عميق لرسالة الإسلام العظيمة هذه الرسالة التي تزداد ألقا وإشراقا كلما تكالب عليها الأعداء وحاول تشويهها المحرفون من أتباع سلاطين الجور والفساد.

ولا يمكن أدراج كل ماقاله الإمام الصادق (؏) من عرفانيات سامية جليلة في هذه مقالة بسيطة وموجزة من عبد صغير اهتدى بالله ربا وبمحمد (ﷺ) نبيا وبآل بيته الأطهار (؏) خلفاء من بعده للحفاظ على هذه الرسالة من كل تحريف وتشويه تسعى إليهما نفوس حاقدة مريضة. ولابد للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يحذروا في هذا الزمن من الذين يمزجون السم بالعسل لحجب نور الشمس الباهر.

إن التقارب العقلاني والاتفاق على المبادئ المشتركة بين المسلمين بروح أخوية عالية بعيدة عن الصراخ والتشنج في الفضائيات ومعرفة حقائق التأريخ كفيلة بكسر الحواجز التي وضعها الأعداء في طريق وحدة المسلمين. وهو الطريق الوحيد للم شملهم , وتقوية شوكتهم ضد أعداء الدين الإسلامي العظيم. وأن مآثر أهل البيت النبوي (؏) هي النبع الأزلي الثر لجميع المسلمين وليس لفئة دون فئة أخرى كما يريد أن يصوره البعض الذين دأبوا على زرع العصبيات والفتن الطائفية دعاة التخاصم والتكفير والشتائم نتيجة لرواسب ومغالطات تأريخية علقت بهم ووثبوا عليها وتبنوها وكأنها الصراط المستقيم بدلا من صراط الله القويم إلى يومنا هذا وهي التي ستقود المسلمين إلى شفير الهاوية ولات حين مناص.

إن الابتعاد عن الحوار السليم , والنهج الإسلامي القويم الذي يسير في خط طمس فضائل أهل بيت النبوة (؏) والذي ينتهجه من تراكمت على عقله ضلالات أعداء البيت النبوي هم ممن يسيرون كالعميان خلف حكام الظلم والانحراف ووعاظهم عبر التأريخ. وهم مفرقوا هذه الأمة , ومروجوا الفتن الطائفية الذين لايزيدون المسلمين إلا تباغضا وابتعادا عن المحجة البيضاء . والشريعة المحمدية السمحاء التي شملت الكون برحمتها والمطلوب من كل مسلم أن لايضع حاجزا بينه وبين أخيه المسلم الآخر نتيجة لفوارق مذهبية استنزفت من طاقاتنا وعرقنا ودمائنا الكثير.

حتى وصل البعض إلى سفك دماء المسلمين باسم الإسلام وهذه من الكبائر التي لايغفرها الله لمن يرتكبها أبدا . فليكن شعار كل من يريد الجدل في مسألة أهل البيت (؏) وأفضليتهم مع من لايعتقد بذلك هو البرهان والحجة والدليل العقلي إستنادا إلى قول الله تعالى في محكم كتابه العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم :

﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ 15

ونحن جميعا مسلمون بإذن الله تعالى . ولكننا لسنا مع الذين يجحدون وينكرون كل ماذكره القرآن العظيم ورسوله الكريم محمد (ﷺ) في حق أهل البيت (؏) . وهم الوهابيون المتعامون عن الحق، الناكرون لمكانة أهل بيت النبوة، والمروجون لحكام الضلالات من بدء الرسالة المحمدية السمحاء إلى يومنا هذا ولا يمكن أن نلتقي بهم في يوم من الأيام .إلا إذا استقاموا وغيروا مواقفهم. لأنهم اتبعوا أئمة الضلال الذين ناصبوا العداء لهؤلاء الأئمة الأفذاذ الميامين الذين نوروا الدنيا بعلومهم الزاخرة وخلقهم النبوي الفريد فطهرهم الله من الرجس تطهيرا.

بسم الله الرحمن الرحيم :

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ 16

إشارات :

  1. الآية 23 من سورة الشورى.
  2. كتاب البحار للعلامة المجلسي م7 ص 389
  3. الآيات 6, 7, 8, 9 من سورة الشمس.
  4. ينابيع المودة للعلامة القندوزي ج2 ص .327 .
  5. مستدرك الحاكم : ج 2، ص 151. والخصائص الكبرى للسيوطي : ج 2، ص 266.
  6. كتاب الإرشاد ج2ص179 .
  7. الإمام الصادق والمذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر ج1ص53
  8. عن كتاب الأمام الصادق (؏) فصل : الموقع العلمي للإمام .
  9. نفس المصدر .
  10. نفس المصدر
  11. نفس المصدر .
  12. نفس المصدر
  13. الكافي-ج 3ص30
  14. الإمام الصادق (؏) من المهد إلى اللحد/محمد كاظم القزويني.
  15. سورة النمل الآية 64.
  16. سورة آل عمران الآية 105.

كتبه: جعفر المهاجر