حين فاز العنصري اليميني الصهيوني نتنياهو للمرة الرابعة بمنصب رئيس الوزراء لدولة الصهاينة كان هذا الأمر متوقعا من معظم المحللين السياسيين . لأن المجتمع الصهيوني منذ احتلاله لأرض فلسطين هو مجتمع متطرف بالأساس ، وتنامى هذا التطرف بمرور السنين وآعتبر هاجس الأمن من أولى أولوياته. وبرع قادة الصهاينة في بناء حملاتهم الإنتخابية عليه وأبرزهم نتنياهو الذي نجح في تقديم نفسه للناخبين بأنه المنقذ والمخلص لهم من كل خطر يهدد أمنهم، حتى بدا في بعض خطاباته أكثر تطرفا من ليبرمان الذي صرح علنا بنحر الفلسطينيين المعادين لإسرائيل بواسطة الفؤوس.

ونظرية الأمن التي طرحها نتنياهو في حملاته الإنتخابية السابقة والأخيرة ليست خوفا من ملوك ومشيخات العرب الذين لم يعد لهم شأن في القاموس الإسرائيلي . بل تخويف الصهاينة من أعدائهم التي هي إيران وحزب الله وقوى الرفض التي تقف في وجه المشروع الصهيوني وهذا ماكرره نتنياهو طيلة السنين الماضية . وفي هذه المرة شطب على إسم فلسطين وقال بعظمة لسانه (انه إذا انتخبه الصهاينة لن تقوم دولة فلسطينية بعد الآن .) وكلامه يؤكد إن مفاوضاته السابقة مع السلطة الفسطينية كانت عبثية لخداع المجتمع الدولي.وإن ماتسمى بـ (المبادرة العربية للصلح مع إسرائيل ) والتي طرحها الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز منذ أعوام قد أصبحت في خبر كان.

لقد بات كل شيئ في هذا الزمن يتسم بالغرابة واللامعقول .إنه زمن العجائب التي يقف العقل مشدوها ومنبهتا وحائرا إزاءها. لكننا إذا عرفنا إن من يمتلك القرار في الوطن العربي ويسيره وفق إرادته هم ملوك البترول الذين أكل عليهم الدهر وشرب ، وتحولوا إلى غيلان تجثم على صدور شعوبها إلى أن تنقطع أنفاسها ويعلن البلاط وفاة ( المغفور له ) وتنصيب الأخ من (العائلة الموقرة الجليلة العريقة) ملكا على البلاد. ويجلس صاحب الجلالة الجديد الذي هو( خير خلف لخير سلف ) على العرش ،ويختار إبنه المراهق ليكون وليا للعهد، وتنهال عليه برقيات التهنئة ورسائل البيعة من المقربين والأحباب . وهنا أخذ المواطن العربي الذي يتابع هذه المهازل الكبرى يدرك أن هذا العالم العربي تحدث فيه قصص غريبة لاتحدث في أية منطقة من العالم.

إن هؤلاء الحكام الذين أسسوا إمبراطوريات للإعلام تدافع عنهم وتجمل وجوههم الكالحة ، وتحميهم أساطيل السيدة الكبرى وأبناء العم سام وسيطروا بأموالهم القارونية على الجامعة العربية العتيدة وبفتقرون إلى أبسط المقومات الشرعية والأخلاقية لقيادة أوطانهم وأخذوا يشغلون شعوبهم بألاعيب عقيمة خاوية لاتغني ولا تسمن من جوع. فلجأوا إلى الماضي يجترونه بحجة التغني بالقومية تارة. وبتأريخ الأجداد العظام الذين ساروا على نهجهم في الحكم الوراثي البغيض تارة أخرى .

دون أن يقدموا شيئا لشعوبهم غير القهر والظلم والسجون. حتى رغيف الخبز بات الحصول عليه بشق الأنفس من قبل ملايين الفقراء في هذه البلدان المنكوبة الذين هم السبب الرئيس لمصائب هذه الأمة العربية وويلاتها ونكوصها وتخاذلها أمام أعدائها الحقيقيين الذين داسوا ويدوسون كل يوم على أقدس مقدساتها، وضربوا ويضربون الأمثال الصارخة في العنصرية والعدوانية والاستهتار بكل مقدرات هذه الأمه نتيجة لضعف حكامها وتخاذلهم . تطابقا مع بيت المتنبي :

من يهن يسهل الهوان عليه
مالجرح بميت إيلامُ.

وهاهو الرئيس الأمريكي الصهيوني ترمب يتحدى مشاعر مليوني مسلم، ويستخف بالحكام العرب، ويعلن إن القدس العربية الإسلامية هي عاصمة الكيان الصهيوني، ونتنياهو وعصابته الصهيونية الإرهابية يرقصون طربا ويدعون إن القدس عاصمتهم منذ ثلاثة آلاف عام. وهو ثمرة من ثمار صفقة القرن الكبرى التي عقدها ترمب مع( خادم الحرمين الشريفين ) فأي عار أكبر من هذا العار؟ وهل بقي في القوس منزع؟

وقد وجد الصهيوني المتطرف بنيامين نتنياهو فرصته الذهبية في مجتمعه اليميني حين أطلق أحد تصريحاته التي قال فيها:

(أن هناك توافقا عربيا إسرائيليا غير مسبوق للوقوف بوجه الخطر الإيراني .) لقد نطق بالحقيقة لأنه في حالة تحالف وتوافق بالرؤى بينه وبين هؤلاء الحكام الذين يصرفون المليارات في وسائل إعلامهم لشيطنة إيران وحزب الله وما تبقى من مقاومة لرفض مخططات الكيان الصهيوني والسيدة الكبرى أمريكا . وفي محطة الجزيرة يستضيف المهرج الطائفي الساقط فيصل القاسم من يقول (إن عدوتنا الوحيدة هي إيران ،والعرب ليسوا أعداء لإسرائيل) ومن مهازل الدهر إن ملوك وشيخ البترول الذين غرقوا في عمالتهم حتى الثمالة يسعون إلى تأسيس ( ديمقراطيات ) عن طريق داعش والنصرة وأخواتهما. وهم يعيشون في قصورهم الفخمة ويستوردون السيارات الفارهة بالمواصفات التي يرغبون بها من أمريكا والغرب حتى العقال الذي يضعونه على رؤوسهم مستورد من هذه الدول لكن حين يسمع المواطن العربي وسائل إعلامهم تتكلم عن اليمن الذي يقصفون شعبه بأحدث الطائرات منذ ثلاث سنوات يتذكر بيت عمرو بن كلثوم:

إذا بلغ الفطام لنا صبي
تخر له الجبابر ساجدينا .

فكيف يخاف الكيان الصهيوني من هذه الدمى العميلة التي تتحدث في السر والعلن بأن عدوها الحقيقي هي ( الدولة الفارسية الصفوية عدوة الدين والمقدسات .!!!) وباتوا يصرحون جهارا (إن خطر المفاعل النووي الإيراني أشد من خطر المفاعل النووي الأسرائيلي ويروجون للخطر الشيعي الموهوم، ويتحدثون عن إضطهاد السنة وقتلهم على أيدي (الميليشيات الشيعية ) وتناسوا تماما جرائم الصهاينة وحروبهم التي شنوها على الوطن العربي، والمستوطنات التي بنوها على الأراضي المغتصبة طوال أكثر من ستين عاما ، وجدار الفصل العنصري وغيرها من الجرائم العنصرية. وتجاهلوا ذكر مايملكه الكيان الصهيوني من ترسانة نووية .

وإيران تعلن منذ سنين على لسان أعلى مسؤوليها وعلى رأسهم مرشدها السيد خامنئي بأن مفاعلها النووي سلمي ولا تسعى إلى امتلاك القنبلة الذرية .في حين إن الكيان الصهيوني غير مشترك في الاتفاقية الدولية لتحريم الأسلحة النووية ولا يسمح بتفتيش مفاعلاته النووية على عكس إيران الذي يخضع مفاعلها النووي للتفتيش من قبل هيئة الطاقة النووية التي يقوم خبراؤها بزيارات ميدانية مستمرة للتأكد من سلمية المفاعل النووي الإيراني.

لكن مشايخ البترول وملوكه يصرون إصرارا عجيبا على الخطر الإيراني . ويطالبون ترمب بإلغاء الإتفاق النووي مثلما يعلن قادة الكيان الصهيوني تماما لأنهم لايملكون اليوم غير الورقة الطائفية بعد إن أنكشفت عوراتهم لشعوبهم تماما. وما هي إلا محاولات بائسة لذر الرماد في العيون، والإلتصاق أكثر فأكثر بالعدو الصهيوني الغادر والماكر الذي يعرف كيف يستغل هذه التصريحات لغاياته العدوانية ولأجنداته الإستراتيجية في المنطقه لشدة مكره ودهائه وولوغه في عقول هؤلاء الحكام المتخاذلين الذين ضربوا أروع الأمثلة في الوداعة والاستكانة للصهاينة.

لكنهم تحولوا إلى ضباع مفترسة على شعوبهم ، وصاروا رموزا لنشر(الديمقراطية ) عن طريق تصدير قوى التكفير والجريمة والتدمير إلى هذا البلد العربي أو ذاك ، وصرف المليارات من الدولارات على تسليحهم تنفيذا لرغبة الصهاينة في تدمير الوطن العربي. ولسان حالهم يقول لحبيبتهم إسرائيل :

خلا لك الجو فبيضي وآصفري
ونقري ماشئت أن تنقري .

إن قادة الصهاينة اليوم يعيشون عصرهم الذهبي بعد قرار ترمب، وسيقضمون المزيد من الأرض الفلسطينية ، ولا يفكرون إلا بالعدوان على هذا البلد العربي أو ذاك كلما وجدوا الساحة مفتوحة أمامهم لإرتكاب المزيد من الجرائم. وما دامت الملايين من الشعوب العربية محرومة باحثة من لقمة العيش، وتعيش ظروف القهر والكبت والحرمان والاستعباد من حكامها فلماذا لايستغل الكيان الصهيوني هذه الفرصة الذهبية لتنفيذ كل مخططاته العدوانية ؟ ولماذا لايصرح نتنياهو بأن إيران هي (عدوة العرب والإسرائيليين على السواء وعليهم تكوين جبهة متراصة ضدها لردعها!!!) .

وقد كتب كاتب خليجي معلقا على خطاب نتنياهو في الكونكرس الأمريكي قائلا:

( لم يكلف نتنياهو نفسه عبء الحديث في جملة مفيدة عن الأمة العربية خلال كلمته الطويلة، وهو ما يكشف حجم الطمأنينة التي يشعر بها تجاهنا . فنحن وفيما عدا حركات المقاومة لم نعد نشكل أي خطر على إسرائيل. منذ أن أصبحنا جميعا دولا وأنظمة عربية أليفة وحليفة وشريكة.) وهو كلام لايحتاج إلى تعليق.

إن هذه الأمة العربية التي ضاع دليلها ولم يبق في ساحاتها سوى صدى البكاء على الأطلال من دعاة القومية العربية الذين ملأوا ساحاتها بالصراخ والعويل لعقود من السنين وهم يتغنون بالمجد القومي الأسيل يلومون أيران اليوم لأنها دولة قومية !!!. وهل توجد في العالم دولة لاتدافع عن وجودها القومي ضد الأخطار التي تداهمها.؟ وما هو الضرر الذي يصيب هؤلاء الحكام حين تقدم إيران المساعدة لجارها العراق ضد الهجمة الداعشية البربرية التي تهدد المنطقة برمتها.؟ ولماذا يثور هؤلاء حين يضع الإيرانيون أقدامهم على طريق التقدم العلمي والتكنولوجي للدفاع عن وجودهم وكيانهم وأمن دولتهم ضد الكيان الصهيوني الذي يصرح نتنياهو وغيره من قادته بأن المفاعل النووي الإيراني يجب أن لايبقى؟ ولماذا يصاب حكام المنطقة العربية بالهلع ويشنوا هذه الحملة الطائفية والشوفينية البغيضة في المنطقة لشغل شعوب المنطقة بالمزيد والمزيد من الانتكاسات والويلات .؟

أنا في مقالي هذا لاأدافع عن إيران التي لها إعلامها وتستطيع أن تدافع عن نفسها . لكن الحقيقة تقول إنها أصبحت دولة قوية تسير على طريق التقدم في كافة المجالات . وكلما تتقدم خطوة إلى الأمام يتراجع العرب خطوات إلى الوراء. لكنهم بارعون فقط في الصراخ . وإطلاق صفة (الملالي) على حكامها لتغطية فشلهم ونكوصهم .

هؤلاء (الملالي) الذين عرفوا كيف يشقون طريقهم عبر هذه المصاعب الجمة ، وهذا الحصار الخانق الذي يفرضه الغرب عليهم لتصبح دولتهم من الدول التي يشار إليها بالبنان . فماذا عساني أن أقول لهؤلاء الحكام وجامعتهم العتيدة الذين أوصلوا أمتهم لحالة من الضعف والتخاذل والتهافت لم يشهد لها التأريخ مثيلا أمام أعدائها الحقيقيين؟ وباتوا يشغلون شعوبهم بإثارة النعرات القومية والطائفية المقيتة والتي غايتها المزيد من النكوص والضعف والانحلال في جسد هذه الأمه.

إن الحالة الطائفية والعنصرية التي يثيرها هؤلاء الحكام ووعاظهم ستحرق شعوب المنطقه، وستقدم المزيد من الخدمات المجانية للكيان الصهيوني لتنفيذ المزيد والمزيد من مخططاته العدوانيه .

إن التصريحات التي يطلقها نتنياهو كل يوم لم تأت من فراغ مالم يجد لها من يتقبلها من الحكام العرب . فهو يضرب عصفورين بحجر لإرضاء أكبر عدد ممكن من الصهاينة في الداخل ومغازلة ملوك ومشايخ البترول الذين لايخفون تأييدهم له ولكيانه في جلساتهم الخاصة. ولو رجعنا إلى عقود من السنين خلت حينما كان يحكم الشاه إيران ويعتبر نفسه شرطي الخليج كان الجميع يسعى إلى صداقته وكانت علاقته مع حكام السعودية الذين يقودون الحملة الطائفية والعنصرية على أشدها اليوم علاقة السمن بالعسل مع إنه كان شيعيا وفارسيا ولكن على الطريقة الأمريكية. كل هذا العجب العجاب يتم لأجندات طائفية مقيتة تظل تنخر في جسد الأمة إلى أن يصحو حكامها من كبوتهم وانحدارهم نحو الحضيض ، ويدركوا مدى خطورة دعواتهم. ولو أدرك نتنياهو أن حكام المنطقة مخلصون لشعوبهم ويضعون أصابعهم على الجرح النازف لما تجرأ ووصلت به العربدة إلى هذا الحد الخطير.

وستشهد المرحلة القادمة المزيد والمزيد من بناء المستوطنات والتصرفات العنصرية الإسرائيلية ولا يمكن إستبعاد شن حرب عدوانية أخرى يشعلها الكيان الصهيوني في المنطقة لأنه لايعيش بدون عدوان . وسيرى هذا الكيان العدواني السيدة الكبرى أمريكا دوما إلى جانبه وحاضرة لآستعمال حق الفيتو ضد أي قرار يمسها.

وربما سيسمع المواطن العربي نتنياهو وهو يعلن يوما عدم وجود شعب فلسطيني وإنما (توجد مجموعات من الإرهابيين لايمكن التفاوض معهم وتعريض أمن إسرائيل للخطر .) مادام في الوطن العربي ملوك البترول الذين لايهمهم شيئ غير التمسك بعروشهم التي تربعوا عليها إلى آخر نفس من حياتهم. ومغازلة العدو الصهيوني وتقديم الولاء والطاعة إلى سيدتهم الكبرى .إنه زمن العجائب والموازين المقلوبة حقا. ورحم الله المتنبي الذي قال :

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
ياأمة ضحكت من جهلها الأمم .

لقد بات أملن الشعوب العربية اليوم في قوى المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين للوقوف بوجه هذه الردة السوداء التي تهدد المسلمين في أقدس مقدساتهم بعد أن بلغ السيل الزبى وبلغت القلوب الحناجر.

بسم الله الرحمن الرحيم:

(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الأنفال 60

كتبه: جعفر المهاجر