على امتداد الصحراء العربية المترامية الأطراف خيم الشرك بكلكله الثقيل،وأشاع في جنباتها الجهل والتخلف والظلام وعبادة الأصنام والرق والوأد والقتل والنهب والسلب. وشاءت إرادة الله أن تنقذ تلك الأمة من ضلالها بانبلاج نور سرمدي يشع على الدنيا منطلقا من أطهر مكان في الأرض ذلكم هو البيت العتيق. إنبلج النور، وتدفق ينبوع الرحمة بشخص صاحب الخلق العظيم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن مناف المنحدر من ذرية النبي إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام.

لقد كان اليوم الثاني عشر أو السابع عشر من ربيع الأول من عام 570 للميلاد المسمى بعام الفيل حسب الروايتين يوما مشهودا وحاسما في تأريخ البشرية. وقد سماه جده عبد المطلب محمدا حيث قال (أردت أن يحمد في السماء وفي الأرض ) وفي ذلك أشار الشاعر حسان بن ثابت :

شق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمدُ

فهو محمد وأحمد والمصطفى والخاتم ويس وطه والبشير والنذير وكلها من أسماء ذلك الوليد الذي باركته الأرض والسماء.

لقد شاء الله أن ينقذ الأمة من براثن الشرك وينقلها إلى رحاب العدل والتوحيد والقيم الإنسانية العليا .وشاءت تلك الإرادة الإلهية أن تحمي البيت العتيق الطاهر الذي ولد فيه ينبوع الهدى ونبراس النور محمد (ﷺ) من كيد الأعداء لكي تكون الولادة مقترنة بعام الفيل العام الذي توجه فيه أبرهة الحبشي بجيشه لهدم البيت الذي أراده الله أن يكون قبلة للمسلمين إلى يوم النشور.

فرد الله كيده إلى نحره، وأرسل إلى جيشه الطير الأبابيل لتمزق جيشه وتحوله كتبن أكلته الدواب ليكون عبرة لمن إعتبر.

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ*أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ*وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ*تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ*فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ سورة الفيل.

ومن حق كل من آمن بتلك الرسالة النورانية أن يبتهج ويحتفل بهذه الولادة الميمونة، ويقتدي بصاحبها حبيب الله محمد (ﷺ) حيث تؤكد معظم المصادر الإسلامية ذلك رغم نعيق مطلقي رياح التكفير السوداء.

يقول بن حجر العسقلاني:

( ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده (ﷺ) ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم (ﷺ) ليظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم . فرحم الله امرءا إتخذ من ليالي مولده المبارك (ﷺ) أعيادا ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وأعياه داء . )1

وذكر ذلك يقول الرحالة بن جبير المولود سنة 540 هجريه:

(كان يقام إحتفال عام في مكة بمناسبة المولد النبوي.)2

وقد ألقى الشاعر كعب بن زهير قصيدته المعروفة في حضرة الرسول الأعظم (ﷺ) في يوم مولده الميمون (ﷺ) وفي المسجد وهو يطلب العفو منه (ﷺ) فيقبل عفوه ويستمع إليه حيث يقول في بعض أبياتها:

نبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول

إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف العدل مسلولُ3

يقول الله جل وعلا في سورة الانشراح:

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك* وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ *﴾

ووفق مادونه المفسرون لهذه الآية أن رفع ذكر النبي أمر إلهي عندما خاطبه الله ورفع ذكره بإعطائه النبوة وتكريمه بالرسالة والله يطالبنا برفع ذكره (ﷺ) مادام هو سبحانه قد رفع ذكره و(رفع الذكر) هو الاحتفال بمولده العظيم (ﷺ) لتبيان جانب من سيرته والتحدث عن شخصيته الطاهرة المطهرة من يوم ولادته إلى يوم إنتقاله (ﷺ) ألى الرفيق الأعلى راضيا مرضيا.

عن سيد البلاغة العربية الأمام علي (؏) يصف رسول الله :

بعثه والناس ضُلاّلٌ في حيرة،وخابطون في فتنة،قد استهوتهم الأهواء ،وآستزلتهم الكبرياء،وآستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر،وبلاء من الجهل ،فبالغ (ﷺ) في النصيحة ، ومضى على الطريقة،ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة. ) 4

وفي كلام آخر له (؏) في حق المصطفى (ﷺ):

( مستقره خير مستقر. ومنبته أشرف منبت في معادن الكرامة، ومماهد السلامة1، قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار، وثنيت إليه أزمّة الأبصار2، دفن به الضغائن 3، وأطفأ به الثوائر4، ألف به إخوانا، وفرق به أقرانا 5، أعز به الذلة، وأذل به العزة. كلامه بيان وصمته لسان ). 5

  1. المماهد ما يبسط فيه الفراش ونحوه، أي أنه ولد في أسلم موضع وأنقاه.
  2. انثناء الأزمّة إليه عبارة عن تحولها نحوه.
  3. الأحقاد.
  4. جمع ثائرة وهي العداوة.
  5. وفرق به أقران الألفة على الشرك.

عن أبي ذر (رضي الله عنه) الذي قال فيه رسول الله (ﷺ): (ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر. ومن سرّه أن ينظر الى تواضع عيسى بن مريم ، فلينظر الى أبي ذر) قال:

( كان رسول الله (ﷺ) يجلس بين ظهراني أصحابه ( وسطهم ) فيأتي الغريب ولا يدري أيهم هو (ﷺ) حتى يسأل فطلبنا منه (ﷺ) أن يجعل مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه فبنينا له مصطبة من طين يجلس عليها .) 6

وفي صحيح مسلم عن النبي (ﷺ):

( من لايرحم الناس لايرحمه الله )

وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال مر رسول الله (ﷺ) على جمع من الصبيان فسلم عليهم .

ومن أقوال الغربيين في حق رسول الإنسانية (ﷺ) هذا البروفيسور جارسان دي تاسي يقول:

( أن محمدا رسول الإسلام (ﷺ) ولد في حضن الوثنية، ولكنه منذ نعومة أظفاره أظهر عبقرية فذة وانزعاجا عظيما من الرذيلة وحبا حادا للفضيلة، وإخلاصا ونية حسنة غير عادييتن إلى درجة أن أطلق عليه مواطنوه في ذلك العهد أسم (الأمين) .)

وهذا البروفيسور ليك يقول:

( أن حياة محمد التأريخية لايمكن أن توصف بأحسن ماوصفها الله نفسه بألفاظ قليلة بين فيها صفة النبي حيث قال ( وما أرسلناك ألا رحمة للعالمين ) أن يتيم آمنة العظيم قد برهن بنفسه على أنه أعظم الرحمات لكل ضعيف ولكل محتاج إلى المساعده ).

وهذا الفيلسوف تولستوي يقول:

( أن محمدا (ﷺ) هو مؤسس ورسول الديانة الإسلامية التي يدين بها في جميع جهات الكرة الأرضية مائتا مليون نفس )

وكان هذا في زمانه أما اليوم فالمسلمون بلغ تعدادهم حوالي ملياري مسلم بفضل هذا النور المحمدي الذي أنار الكون برمته. في ذكرى ولادتك سيدي يارسول الله أدون كلماتي الفقيرة الفقيرة فأقول:

ياسيد الخلق الطاهر، ويامن منحك الله قبسات من نوره البهي فكنت المنقذ والهادي والبشير والصادق الأمين.

لقد قلتها ياسيدي ( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وقولك الحق وتحت شجرة رسالتك الوارفة الظلال أصبح الناس أحرارا متساويين في الحقوق لافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. فيالبؤس من ناصبك العداء ويالخيبته وجهله وهكذا هم أعداء النور والحقيقة.

بمولدك سيدي يارسول الله تطيب الذكرى، وتلذ المناجاة، وتحلو العبارات، وتسكب للفرحة عبرات فلقد نادى مناد في السماء منذ خمسة عشر قرنا أن ياسماء تزيني ويادنيا زغردي فلقد ولد محمد (ﷺ) .

فمبلغ العلم فيه أنه بشر
وأنه خير خلق الله كلهم

سيدي يارسول الله (ﷺ) نشكو إليك خروج أفاعي الظلام من جحورها من جديد وقد أوجع فحيحها قلوب المؤمنين الصابرين. ولاشك إنهم يؤذونك مرة أخرى كما أوذيت في بداية دعوتك. وباتوا يتخبطون في غمرات جهلهم، وضحالة عقولهم المريضة بحجة (حرية التعبير) وحرية التعبير أسمى وأنبل وأطهر من الدجل والزيف والانحطاط الذي سلكوه لغايات دنيئة. ومحاولات تشويه أعظم شخصية عرفتها الإنسانية هو اعتداء على حرية التعبير. والخلق القويم. وهل أن حرية التعبير قد نضب معينها فأبت الا أن تجرح مشاعر وقيم ملياري مسلم باعتدائها على أشرف خلق الله؟

أما الذين يفجرون أجسادهم النتنة بين الأبرياء العزل دون ذنب أو جريرة ويصرخون بكلمة (الله أكبر ) فأنهم والله من أشد المعادين لنهجك الساطع. وأنت الذي عفوت عن ألد أعدائك والتأريخ شاهد على ذلك. أن هؤلاء أعداء لدين الإسلام لأنفسهم ولكل الأديان السماوية.

إنهم أحفاد الذين ملأوا قلبك قيحا في مكة والمدينة.

ونحن نشكو إلى الذي بعثك بالحق رسولا للعالمين وإلى روحك النقية الطاهرة ونبرأ من كل هذه الأعمال الهمجية التي رفضتها شريعتك السمحاء . وستبقى ياسيدي يارسول الله ينبوعا للرحمة والمحبة ًونورا أبديا ينير الطريق للبشرية مادامت الأرض والسماء رغم كيد الأعداء وغدرهم وافتراءاتهم وتخرصاتهم.

سيدي يارسول الله (ﷺ) إن غاية أملي ومناي أن تقبل مناجاتي وأبياتي البسيطة في يوم ولادتك العظمى فصفاتك أجل وأعظم وأكبر من هذه الكلمات ولا تسعها المجلدات:

عيد الولادة هذا الشهر وافانا
ليملأ الأرض أنوارا وإيمانا

محمد سيد الدنيا وبهجتها
للمتقين نراه اليوم عنوانا

عيد تسامى الحق من أنواره
كأنه اللحن يشدو في حنايانا

فمولد المصطفى مصباح أمتنا
كأنه قمرٌ في أفق دنيانا

عيدٌ لأشرف خلق الله كلهم
أضاء عالمنا عدلا وأحسانا

ياصفوة الخلق قد أنقذت أمتنا
من الظلام الذي قد ساد أزمانا

فإن قبلتم فياعزي وياأملي
وأن أبيتم فمن أرجوه غيركمُ.؟

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ آل عمران- 164 .

إشارات:

  1. المواهب اللدنية الجزء الأول ص27 .
  2. في كتابه (رحال) ص114-115 .
  3. قصيدة كعب بن زهير المعروفه والتي مطلعها:
    بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
    متيم إثرها لم يفد مكبول.
    تلك القصيدة المكونة من 58 بيتا وهي من غرر القصائد التي قيلت في مدح سيد البشرية محمد ص.
  4. نهج البلاغة ج1 الخطبة 95.
  5. نهج البلاغة ج‏1 الخطبة 96.
  6. سنن أبي داود – ص 4698.

كتبه: جعفر المهاجر