بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللًهُ غَفُورٌ حَلِيْمٌ ﴾ البقرة:225 .

خلق الله الإنسان وصان حرمته وكرمه وزوده بالعقل والإرادة للتمييز بين الخير والشر،وحمله أمانة إعمار الكون ليجعل منه مكانا رحبا لبث روح المحبة والتصالح والسلام والوئام والعمل الخلاق المثمر الذي يجلب السعادة له ولأسرته ولمجتمعه إلى أن تتسع حلقات الدائرة لتشمل العالم بأسره . وإذا سار الإنسان في هذا الطريق السوي يكون قد فهم دوره الإيجابي،ورفد المسيرة الإنسانية بقيم الخير للوصول إلى بناء المجتمعات المسالمة الآمنة.

ويبقى لكل شعب خصوصيته وتقاليده دون التأثير على الخطوط المشتركة التي تربطه بالشعوب الأخرى.

وحياة كل إنسان سليم العقل في هذا العالم عبارة عن محطات يمر بها ولابد له أن يتوقف في كل محطة ويسأل نفسه ماذا قدمت لنفسي ولعائلتي ومجتمعي في الفترة التي مضت من عمري.؟ وماذا يتوجب علي أن أعمل في الفترة القادمة لأخدم مجتمعي ووطني وأخوتي في الإنسانية ؟وكلما راجع الإنسان نفسه وحاسبها كان أكثر إصلاحا لها.

وهذه هي النفس اللوامة التي أقسم بها الله.هذه النفس التي أدركت الحكمة البالغة التي خلق الله الإنسان من أجلها. وهي تنبع من جوهر ديننا الإسلامي وكل الأديان السماوية التي بشر بها الأنبياء لإصلاح البشرية ووضعها على الطريق الصحيح.

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابْ ﴾ 269-البقره.

وفي حكمتين بالغتين سواء أكانتا حديثين نبويين شريفين أم قالهما حكيم وهما: (الحكمة ضالة المؤمن) و (رأس الحكمة مخافة الله).

فالإنسان المؤمن بالله يبحث دوما عن الحكمة ورأس هذه الحكمة هو الخوف من الله في القول والعمل حيث قال الله في آيات كريمات :

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ق-18.

﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى  طه-7

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ  يونس- وصاحب العقل السليم لابد أن يكون مدركا لسر وجوده، وشاعرا بالمسؤولية العظمى الملقاة على عاتقه.

وخاصة إذا كان هذا الإنسان حاكما يتولى مسؤولية الملايين من البشر فإن مسؤوليته أمام الله تكون أثقل من الجبال .

لأن أي قرار يتخذه ينعكس على الملايين التي يحكمها حيث قال الله في آية كريمة أخرى:

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ الأحزاب / 72 108.

وقال رسول الله (ﷺ) ( ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم.)

إذن فالأمانة التي حملها الله للإنسان كبيرة بقدر مساحة الكون الذي يعيش فيه ردحا من الزمن قبل أن ينتقل إلى العالم الآخر.

وفي بيتين منسوبين إلى سيد البلاغة العربية الإمام علي (؏) يقول فيهما:

دواؤك فيك وما تبصرُ
وداؤك َمنك وما تشعرُ

وتزعمُ أنك جرمٌ صغيرٌ
وفيك أنطوى العالم الأكبرُ

وبناء على هذه الشذرات الإلهية والنبوية لابد من ذكر الحقيقة المرة التي تلهب ظهور الملايين يوميا ،وتذيقهم العلقم نتيجة لتصرف بعض حكام المسلمين الذين سيطرت عليهم شهواتهم وأحقادهم وطائفيتهم فقادتهم أقدامهم في الطريق المعاكس لكل قيم الخير والمحبة التي أمر بها الله ورسوله الكريم (ﷺ)، وتحولوا إلى أدوات وبيادق لتنفيذ مآرب القوى الإستكبارية المعادية لشعوب المنطقة من خلال التهديد بإشعال الحروب الطائفية والعنصرية بين ظهرانيها لإغراقها في المزيد من المآسي والويلات.

وبات من المؤكد إن على رأس هؤلاء الحكام طغمة آل سعود الحاكمة بقيادة المتهور الطائش محمد بن سلمان الذي يطل على العالم بتصريحاته البهلوانية الدونكيشوتية وآخرها ماصرح به: (إنه سيمحق الإرهاب محقا في كل أنحاء العالم ) وهي كلمة حق يراد بها باطل لتضليل الشعوب العربية التي إكتوت بنار الإرهاب الداعشي الذي قتل وسبى وشرد الملايين الذين مازالوا يعيشون في خيام ممزقة وهم يعانون من أقسى الظروف النفسية والجسدية.

وكل عاقل يدرك إن هذا البهلوان الصغير يقصد قوى المقاومة التي كسرت شوكة هذا الإرهاب الدموي الأعمى في العراق وسوريا وهي الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.

ولو قام هذا الدعي بمغامرة جديدة بعد مغامرة اليمن في مكان غير مكانها الحقيقي وهذا ماتشير إليه الوقائع فإن أول ضحاياها هم الآلاف من الشباب الذين يعانون من الفقر والبطالة والتهميش والإحتقار الذي يمارسه حكام آل سعود المستبدون المتسترون بالإسلام ظلما وعدوانا.

وكأن المناهج التكفيرية التي سممت عقول هؤلاء الشباب لعشرات السنين في هذه المملكة ودفعت الآلاف منهم نحو التهلكة لاتكفي بعد أن أوقعهم الوعاظ في أفخاخهم بفتاواهم الجهنمية الشريرة بتلقينهم نصوص دينية من كتب أسلافهم لينقادوا لهم كالعميان فقتلوا أنفسهم وقتلوا معهم آلاف الأبرياء للوصول إلى الجنة الموعودة والحور العين التي تنتظرهم على أحر من الجمر. وبهذه الخديعة تحولوا إلى أعداء ألداء لمجتمعاتهم وللإنسانية جمعاء.

واليوم يطلق أعمى البصر والبصيرة واعظ البلاط الملكي الوهابي عبد العزيز آل الشيخ مقولته البالية في حضرة أسياده الجدد كما أطلقها سابقا في حضرة أسياده القدماء الذين يتهمهم محمد بن سلمان بالفساد وهي:

(طاعة السلطان واجبة وإن سلب مالك وإن جلد ظهرك ).
و(الخروج عليه يسبب فسادا كبيرا، وشرا عظيما).

وهذا الواعظ وأمثاله يدركون تماما إن ملكهم القادم هو رأس كل داء وبلاء لشعبه وسيورده المهالك في الزمن القادم . لكنهم يحرضون أتباعهم للذهاب إلى بلد آخر وإسقاط حاكمه بقوة السلاح ولو على بحر من الدماء من خلال تشويه مفاهيم الدين الإسلامي الحنيف، وإطلاق سيل من الأكاذيب في وسائل إعلامهم لتكون مطابقة لرغبات سلاطينهم وكما عبر عنهم الشاعر أحمد مطر:

قال لنا أعمى العميان:

تسعة أعشار الايمان
في طاعة هذا السلطان

حتى لو صلى سكران
حتى لو ركب الغلمان

حتى لو أجرم أو خان
حتى لو باع الاوطان.

إن هؤلاء الوعاظ الذين أشاعوا الفتن الطائفية، وحرضوا على سفك الدماء، وما زالوا يحرضون عليها، ويدعون بطول العمر لملوك الجور والفجور هم جذام الأرض ووباؤها الخطير ويجب على علماء الدين الحقيقيين فضحهم وتعريتهم، وتسفيه ضلالاتهم بعد أن طفح الكيل .

واليوم يحاول محمد بن سلمان وبطانته زج عشرات الآلاف من الشباب المسلم في حروب دموية طائفية قادمة تحت إسم ( التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب ) بعد أن أخزاه الله وفضحه في الحرب الظالمة التي شنها على شعب اليمن، وفشل كل تصرفاته الطائشة في المنطقه. إن هذا التحالف الهجين والمشبوه الذي هرول إليه بعض الحكام الباحثين عن المال منذ عامين ليتاجروا بدماء شعوبهم على مذبح شهواتهم، ويحاربوا بها من حارب الإرهاب وكسر شوكته في المنطقة. وما هي إلا دعوة شوهاء، وردة سوداء يترأسها صبي أحمق وإبن شرعي للمؤسسة الدينية الوهابية التي ترفض الآخر، ويريد أن يخدع العالم بدعوته هذه وجلب هؤلاء الحكام إلى حضيرته الجهنمية.

إن هؤلاء الذين يدعون إنهم يمثلون 40 دولة إسلامية هم كاذبون حتى النخاع في دعوتهم وليس في نيتهم مطلقا توجيه إطلاقة واحدة نحو قوى الإرهاب المتمثلة بداعش والنصرة ومثيلاتهما. لكنهم يسعون إلى حروب مذهبية قذرة تمولها خزينة آل سعود التي زاد رصيدها بسرقة المليارات من الدولارات من الأمراء تحت الشعار الفضفاض ( مكافحة الفساد).

لقد ثارت ثائرة محمد بن سلمان حين رأى كيف تتساقط مواقع داعش وحصونها أمام ضربات السواعد المؤمنة بالله وبتربة الوطن في العراق وسوريا ولبنان فسارع إلى جمع هذه الهياكل الخاوية المجردة من كل قيم الإسلام وأخلاقيات السياسة ليكونوا عبيدا لشهوات هذا الصبي المتهور الأرعن الذي يقود المملكة إلى طريق مجهول.

وحري بكل مسلم أن يقف وقفة جادة ضد هذه الدعوة الضالة قبل أن تقع الكارثة وتحترق الأمة الإسلامية بنار الطائفية بدعم وتأييد من الكيان الصهيوني الذي يصرح قادته يوميا بأن أفكارهم متطابقة مع أفكار حكام السعودية حول الأحداث في المنطقة العربية، وإنهم باتوا على بعد قاب قوسين أو أدنى من التطبيع العلني مع 12 دولة إسلامية وكأن فلسطين قد تحررت واسترجع المسلمون مسجدهم الأقصى من براثن الصهاينة. هل نامت الشعوب لكي تمر هذه الردة السوداء التي يحاول فتى آل سعود الضال تمريرها.؟

إن الحاكم الذي يتكلم باسم الشعب ويدعي الدفاع عنه لابد له أن يخشى من الله في كل خطوة يقوم بها ، وأن يكون صادقا مع شعبه لأن الصدق من أول الصفات التي يجب أن يتصف به كل مسؤول. لأنه يعزز الثقة بين الشعب والحاكم الذي يشخص الخطأ وينتقده بروح صادقة ويحاول تقويمه بضمير حي بعيد كل البعد عن تحقيق المكاسب الشخصية والتعصب القومي والمذهبي والحقد والتشهير. وإذا عجز عن ذلك عليه أن يكون شجاعا ويقول لقد فشلت وتوقفت راحلتي ولابد أن يتصدر المسؤولية من يحمل في جعبته شيئا من الحكمة،ويتحمل مسؤولية الحكم. حيث يقول الله في محكم كتابه العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ  – الزمر 33

وقال النبي محمد (ﷺ):

(ألزموا الصدق فأنه منجاة) و( زينة الحديث الصدق)
و(من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم)

فكيف يكون حال الشعب إذا كان حاكمه يكذب عليه علنا ودون أي حياء؟ وأكاد أجزم من المستحيل أن يظهر حاكم في منطقتنا العربية مصارحا شعبه بفشله وتنازله عن كرسي الحكم ولو بعد مئة عام.

ولا يمكنني أن أنسى وطني العراق العزيز الذي يعيش في قلب هذه العاصفة الهوجاء ومازالت القوى الظلامية المعادية له تتربص به. وما لحق به نتيجة لصراعات السياسيين على المناصب والتي لم تجلب للشعب إلا النكد والآلام والفجائع وسفك الدماء البريئة والتباغض وزرع الفتن.

وهو اليوم يعج بالأيتام والأرامل والأطفال المرضى والمشردين من ديارهم نتيجة للحروب التي حدثت فيه، والبطالة منتشرة بين شبابه المتطلعين لحياة بشرية كباقي خلق الله والخدمات متعثرة والفساد الإداري والمالي يضرب البلد ولا يقل خطره عن الإرهاب الأعمى الذي فتك وما زال يفتك بعدد كبير من الأبرياء ولابد أن تتضافر جهود المخلصين لإزالة هذه الظواهر من المجتمع، وتقوية الجبهة الداخلية بالعمل المثمر والجهد المتواصل من أعلى رأس في الحكومة إلى أبسط موظف فيها والبرلمان الذي أقسم أفراده على تمثيل الشعب فالخصومات السياسية كبدت الشعب أفدح الخسائر وقد قال الأمام علي (؏) :

(إياكم والمراء والخصومة فإنهما يمرضان القلوب على الأخوان وينبت عليهما النفاق ).

أما التباكي على الشعب وطعنه من الخلف فهي ليست من أخلاقيات السياسي الصادق المخلص لوطنه وشعبه. وقد قال أحد الحكماء في السياسة:

(إن أكثر السياسيين كذبا هو أكثرهم احتقارا لوعي الشعب ، وأكثرهم مهانة لنفسه ، وأكثرهم حرصا على الفتن ، وأكثرهم فقدانا للمؤهلات ، وأكثرهم فقرا في الدين والأخلاق.)

وأخيرا أقول لكل حاكم في الوطن العربي :

إعمل وأنت من الدنيا على حذر
واعلم بأنك بعد الموت مبعوثُ

واعلم بأنك ماقدمت من عمل
يحصى عليك وما خلفت موروثُ.

كتبه: جعفر المهاجر