لم يعرف جيلنا غير الحروب. كلما لاحت في الأفق بارقة أمل وئدت في مهدها. فتحنا أعيينا على صور دماء الأهل والأصدقاء والرفاق. خلنا في سني مراهقتنا أن صوت القذائف والمدافع والمتفجرات هي قدرنا.

لو سعينا للابتعاد عنها قليلا، كانت أغاني مارسيل خليفة الوطنية ( قبل أن يقرر طي تاريخه)، أو أحمد قعبور وشيخ امام، ومسرحيات زياد رحباني ( العبقري الدائم) تبقينا في زمن النضال والمواجهة بغلاف فني إبداعي. كانت الخطابات الرنانة لقادة اليسار والعروبة (الذين انحرف معظمهم صوب المال والمصالح لاحقا) تصور لنا أن حياتنا ستصبح أنهارا من لبنن وعسل، وحقولا من يسامين وقمح وتين وزيتون وعنب، وان سماءنا ستلمع بنجوم المجد والنصر والحياة الكريمة.

كل ما كنا ننشده، هو ببساطة حياة كريمة عزيزة، نرى فيها بسمات امهاتنا تضيء الأمكنة، فنأكل من أرضنا، وننعم برزقنا، ونفرح ببلدنا الجميل، الذي قيل لنا يوما انه سويسرا الشرق. تحول بلدنا الصغير بفضل ساسته الى أكثر دول العالم فشلا وفسادا ورشوة ونهبا. أثرى ساسته وفقر شعبه. لكن لا يزال الشعب يصوت لساسته في حركة اجتماعية غنمائية (من غنم) غير معروفة السبب، سوى انها مرتبطة بالمشاعر المذهبية والطائفية والمناطقية التي ساهم في تكريسها ايضا جهابذة العلمانية واليسار أنفسهم حين صارت مصالحهم تبتغي الطائفية جسرا الى استقرار عروشهم.

تظاهرنا لأجل العروبة. حلمنا بالحريات والديمقراطية واللاطائفية. ناصرنا فلسطين القضية. تصدينا لإسرائيل دفاعا عن وطننا وما بقي من كرامة عربية. فرحنا بتضامن الشعوب العربية معنا من موريتانا والجزائر والمغرب وتونس وليبيا واليمن والسودان حتى بغداد ودمشق. ساندتنا أقلام كثيرة في معظم الصحف العربية ( بما فيها الخليجية)، حين كانت إسرائيل لا تزال عدوا للجميع، وحين كنا نصدق أنها عدوة للجميع.

قالوا لنا في شبابنا، ان الإمبريالية الاميركية هي الوحش الكاسر. وان الرفاق السوفيات هم المنقذون. ذهبنا لزيارة شعوب كل منهما، فوجدنا الشعب ينعم بإمبرياليته ويعيش حياة مرفهة ومضمونة اجتماعيا وطبيا ومتقدمة علميا، بينما أحفاد ثورة ماركس ولينين ينتظرون عند أول مفترق استراتيجي سياسي حتى يقلبوا النظام ويلتحقون بالإمبريالية. أفقرتهم الاشتراكية وقمعتهم. لم نأخذ، نحن العرب، منها في شرقنا سوى صفات التفقير والقمع، فقامت عندنا أنظمة شمولية تقارع أنظمة ملكية و” رجعية” باسم التقدم ومحاربة اسرائيل، فاذا بنا نغرق جميعا في فخ أوهامنا.

بعضنا هجر بلاده حين تقاتل أهل القضايا على مزابل المصالح. هاجر خصوصا حين صارت الشعارات بمثابة عاهرات ملقاة على قارعات الطرق تنتظر من يعطيها مالا لتنتعش. تعلمنا، وبحثنا وقرأنا. هالنا أن نكتشف كم كانت خناجر عربية تطعن في ظهور عربية أخرى، فتلقي الخطب الرنانة فوق المنابر، وتعقد الاتفاقيات السرية مع إسرائيل في الغرفة السوداء. هالنا أكثر، تواطؤ بعض العرب ضد عرب آخرين مع كل اجتياح وقهر وتدمير. اكتشفنا أن ثمة من هلل لاجتياح إسرائيل للبنان في العام ١٩٨٢، كي يرتاح من منظمة التحرير وزعيمها ” المزعج” بالنسبة للبعض ياسر عرفات، ومن الحركة الوطنية ونزعاتها اليسارية المهددة لهم.

نحن اليوم يا سادة في حضيض الأمم. تحولت قضايانا الى جثث. نجح النظام العربي بتحويل ” لاءات” الزعيم العربي جمال عبد الناصر الى ” نَعَمَات “. نجحت الآلة الدعائية في تسخيف الشعارات والصراعات والعروبة والنضال وكل ما يمت للقضايا الجوهرية بصلة.

في كل تاريخهم، كان العرب ينشدون السلام مع إسرائيل (راجع كتاب المفاوضات السرية العربية الإسرائيلية من ١٩١٧ الى ١٩٩٧ لمؤلفه شارل انديرلان). بعضهم أراد السلام بأي ثمن، وبعضهم الاخر أراده باسترجاع كل الأرض. في كل مرة كانت إسرائيل تقتل الساعين الى التفاوض أكانوا عربا أم إسرائيليين. الحرب هي مبرر وجودها. ذهب العرب الى مدريد وقبلوا بإقصاء أصحاب القضية حيث بقي الفلسطينيون مهمشين في الفنادق. ثم ذهب الفلسطينيون الى اتفاقيات أوسلو الغريبة العجيبة بحجم تنازلاتها. ثم كرت سبحة العلاقات مع اسرائيل من الأردن وقطر والمغرب الى موريتانيا. ثم اجتمع العرب لتقديم مبادرة سلام كاملة في بيروت ٢٠٠٢. ثم رفع الرئيس الفلسطيني محمود عباس شعارات مناهضة لأي مقاومة مسلحة…..

هل كل هذه الهدايا العربية المجانية، ساهمت في وقف سرطان المستوطنات (التي زادت ٦٠٠ مرة منذ أوسلو) هل أوقفت اجتياح جنوب لبنان أكثر من مرة منذ أوسلو؟ هل حالت دون اجتياح غزة مرات عديدة. الم تفكك عرى الدولة الفلسطينية العتيدة التي صارت مقطعة الأوصال، الم تساهم في سياسة التهويد وقتل حق العودة؟ (بتضامن عربي مع إسرائيل)؟ ….

هذا الصباح فتحت الفايسبوك وجلت على بعض وسائل التواصل الإجتماعي. كنت في الوقت نفسه أسمع صوت فيروز يصدح بأغنية ” زهرة المدائن، والقدس العتيقة…” … لم أجد على الصفحات، سوى صور شهداء داخل الجبهات العربية. شبان في عمر الورود. يبتسمون في الصور رافعين شارات النصر. كل يوم تزداد نسبة بيانات النعي ومجالس العزاء. وكل يوم تزداد التسريبات عن تعاون إسرائيلي مع دول عربية، وعن أحلاف عربية إسرائيلية ستقوم لمواجهة إيران. كل يوم تزداد الاتهامات العربية ضد عرب….

إذا كان النظام العربي قد قرر أن الصراع العربي الإسرائيلي قد انتهى، وأنه لا حاجة لقيام دولة فلسطينية حقيقية. وإذا كانت السنوات المقبلة ستكشف لنا عن “مفاجآت” جديدة حيال انتقال الغرام العربي بإسرائيل من السر الى العلن، وإذا كان كل من يقاتل إسرائيل سيوسم بالإرهاب… لا بأس، لكنا قولوا لنا بربكم، هل لديكم مجرد خطة كي نعيش أفضل، كي نرى الابتسامات على وجوه من بقي من امهاتنا، كي نفيد من أرضنا ورزقنا دون مجازر إسرائيلية جديدة؟ كي لا نخجل حين نتحدث عن كرامتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا؟

أعرف أيها القادة العرب، أنكم مطمئنون الى أن الرأي العام العربي صار مثلكم يكتفي بالشعارات. فهو قد يتظاهر قليلا، أو يعبر عن استيائه قليلا، لكنه لن يُسقط نظاما عقد صلحا مُذلا مع إسرائيل. وأعرف أنكم دجنتم رجال الدين في دولكم كي يصادقوا ويفتوا لدعم كل ما تفعلون، لكني لا أعرف فعلا كيف ستحاربون إيران وتقضون على دورها في وطننا العربي، طالما أنتم تفرشون لها السجاد الأحمر لتأخذ منكم زهرة القضايا، فلسطين؟

لا أدري فعلا إذا كنت قد قرأت وفهمت آخر بيان لجامعة الدول العربية على نحو صحيح أم لا …. فأنا لم أجد ولا كلمة فيه تصف إسرائيل بأنها إرهابية… هل سقط هذا سهوا، كما سقط في قاموسكم قبله العراق والجزائر وليبيا واليمن وجنوب السودان وسوريا وفلسطين ولبنان وغيرها سهوا؟

والله سنسير خلفكم بتظاهرات عارمة ضد إيران كي تخرج من بلادنا، لكن قولوا لنا فقط…هل لديكم خطة حيال إسرائيل وضد إرهابيين غزونا بشعارات ما قبل الجاهلية. هل لديكم خطة كي تستعيد من بقيت من امهاتنا بعض ابتسامة….. قد لا نحب إيران، لكننا حتما نحب فلسطين، ونحب أرضنا وقمحنا وزرعنا، ونحب أن نعيش بكرامة. فكيف ستقنعون من يقاتل إسرائيل بأنكم أفضل من إيران؟

كتبه: سامي كليب