• لا حروب في الوقت الحاضر تغطيها الدولة العميقة الأميركية…
  • الملك سلمان آخر شاهات الخليج الفارسي…

محمد صادق الحسيني | وكلّ ما عدا ذلك قابل للأخذ والردّ، حسب تطوّرات الأوضاع المتسارعة في الميدان… هذا ما تعهّد به ترامب في فيتنام للرئيسين الروسي والصيني، مقابل محافظة الأخيرين على المصالح الأميركية في المنطقة رغم خسارتها الحرب الكونية على سورية كما تؤكد المصادر الاستخبارية العليا…
هذا ما لم ينتبه اليه الأمير الجامح الخيال، وهو يضرب بسيفه يميناً وشمالاً مهدّداً إيران مرة بالمباشر ومرة بالواسطة!

خطوة اختطاف الحريري المنتهية ورقته أصلاً، حسب مشروع «صفقة القرن» مثله مثل محمود عباس، أتت على خلفية انعدام الفطنة لدى غلام العائلة الطائش، وهو لا يدري بأنّ المايسترو الأميركي قد يتركه وحده في مهبّ الرياح، فيما لو فشل فشلاً ذريعاً وهو ذاهب لذلك حتماً بعد أن خسر معركته اللبنانية بالضربة القاضية…

وما اجتماع الجامعة العربية الطارئ تحت عنوان مواجهة النفوذ الإيراني إلا مزيداً من علامات عمى البصائر والألوان الذي يعاني منها الشاه الصغير…!

قلّما تجتمع عناصر الخراب والدمار في شخص رجل واحد، كما هو الحال عند محمد بن سلمان، الذي جمع بين شهوة السلطة والجموح غير المنضبط والتهوّر اللامحدود، مما جعله يتحوّل إلى خطر داهم على مملكة آل سعود نفسها. خاصة في ظلّ العقدة التي يعيشها تجاه إيران والمتمثلة في رؤيته لها كدولة مسيطرة أو مهيمنة على جزء مهمّ من العالم العربي مما دفعه الى اقتراف الجرائم والمحرمات كافة، وتصعيد ما كان قد بدأه عمّه الملك عبد الله من محاولات للحدّ من انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.

تلك المحاولات التي بدأت بالدعم المالي والسياسي السعودي العلني للحرب «الإسرائيلية» ضدّ لبنان وحزب الله عام 2006، اعتقاداً منه أن ذلك العدوان سوف يقضي على النسق القتالي الأول لحلف المقاومة، وذلك تمهيداً لإسقاط بقية أطراف الحلف حفاظاً على الأمن «الإسرائيلي» ومصالح أسياد آل سعود في واشنطن.

ونظراً للطبيعة اللامنطقية لتفكير حكام آل سعود وعدم قراءتهم للواقع أو لترابط المصالح والسياسات على مستوى العالم، فإنهم فشلوا في فهم أبعاد الهزيمة العسكرية التي لحقت بالجيش «الإسرائيلي» في تلك الحرب، كما أنهم لم يستطيعوا الإلمام بعمق تأثيرها على الوعي الجمعي «الإسرائيلي»، سواء المدني أو العسكري، وما سيكون لتلك التأثيرات العميقة من فعل على قدرة «إسرائيل» وجيشها على الدخول في أية مغامرة عسكرية جديدة على الجبهة الشمالية، بما فيها قطاع الجولان.

ونتيجة لعجز حكام مملكة آل سعود عن استيعاب تلك المفاهيم، أيّ تأثيرات الهزيمة «الإسرائيلية»، فإنهم كرّروا الخطأ نفسه عندما أيّدوا ودعموا العدوان «الإسرائيلي» على قطاع غزة في الأعوام 2008/2009 وكذلك عدوان 2014 وطلبوا من «الإسرائيليين» الاستمرار في الحرب حتى القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة بشكل يضمن عدم تعافيهما بعد ذلك.

ولكنّ السعوديين، وعوضاً عن أن يستخلصوا العبر والدروس من مسلسل فشل سياستهم الخارجية طوال تلك الفترة، أصرّوا على المضيّ قدماً بالسياسات الفاشلة نفسها، والتي لا تخدم إلا أسيادهم في واشنطن وتل أبيب.

فكان أن اندفعوا إلى مغامرة جديدة خططت لها كونداليزا رايس وبقية جوقة المحافظين الجدد وجهابذة مجموعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة. تلك السياسات التي كانت، ولا زالت، تهدف إلى تفتيت المنطقة العربية على أسس اللاأسس، أي على أساس منافٍ للطبيعة والمصالح العربية، بما يضمن ترسيخ الهيمنة الأميركية على المنطقة وإلغاء كلّ إمكانية لأن يقوم العرب لمقاومة المشروع الاستيطاني التوسّعي في فلسطين، «إسرائيل»، وعلى مدى المئة عام المقبلة.

ذلك المشروع الذي أطلق عليه أربابه ومعهم ضابط الإيقاع، الصهيوني هنري ليفي، اسم الربيع العربي الذي بدأ في تونس ثم تمّ نقله إلى ليبيا بعد أن اغتصب آل سعود، ومعهم حمد بن جاسم آل ثاني آنذاك، الجامعة العربية التي استخدموها لاستدعاء القوات الأميركية وقوات حلف الناتو لتدمير ليبيا واحتلالها، ونقل هذه التجربة الى سورية فالعراق فاليمن ومصر سيناء .

ولكنّ الصمود البطولي للشعب السوري والجيش السوري وقيادته السياسية، رغم إنفاق مئات مليارات الدولارات على تمويل الحرب على سورية، بحسب اعترافات حمد بن جاسم المتلفزة قبل فترة وجيزة، إضافة الى الدعم اللامحدود الذي قدّمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله للدولة السورية في حربها لمقاومة العدوان ودخول القوات الجو ـ فضائية الروسية في المعركة إلى جانب الدولة السورية وبطلب منها قد أفشلا أهداف العدوان.

فلا الدولة السورية تفكّكت ولا الرئيس الأسد تمّ إسقاطه ولا الذنب العثماني للولايات المتحدة، أردوغان، استطاع أن يصلّي في المسجد الأموي في دمشق بعد إسقاط الرئيس الأسد، وإنما العكس هو الذي حصل.فإيران التي يخطط ويقامر محمد بن سلمان اليوم لاحتواء نفوذها أو دحره تمكنت خلال السنوات المنصرمة من انتزاع اعتراف دولي بدورها الإقليمي كقوة نووية، تقتصر استخدامات الطاقة النووية لديها على الجوانب السلمية، وذلك من خلال التوقيع على الاتفاق النووي مع الدول العظمى والذي ضمن الحقوق المشروعة لإيران في هذا المجال.

كما أنها تمكنت من مواصلة الدعم الضروري لحزب الله في لبنان والمقاومة الفلسطينية في غزة، وكذلك الدعم الاستشاري والعسكري المباشر للدولة السورية في معركة الدفاع عن سيادة الأراضي السورية واستقلالها ووحدتها. كذلك فإنها تمكّنت ومن خلال دعمها للقوات المسلحة العراقية في الدفاع ليس فقط عن بغداد، وإنما عن أربيل أيضاً ومنعت سقوطهما في أيدي داعش في عام 2014.

أيّ أنّ إيران هي التي حقّقت هدف وضع حدّ للسيطرة الأميركية على المنطقة العربية، من خلال هزيمة أدوات المشروع الصهيوأميركي المدعوم وهابياً وقطرياً وتركياً، إذ إنها تمكّنت من مساعدة حلفائها في لبنان وسورية والعراق وقريباً اليمن في تطهير أراضيهم من العصابات الإرهابية وقريباً من قوات الاحتلال الأميركية أيضاً سواء في العراق أو سورية. مما دفع آل سعود للدخول في مؤامرة صهيوأميركية جديدة وحلقة من حلقات محاولات تفتيت الدول العربية. فكانت مؤامرة انفصال كردستان الخائبة والفاشلة والتي كانت السعودية و»إسرائيل» طرفين أساسيين في حياكتها وتمويلها وتنفيذها.

وَكما العادة، فإنّ حكام مملكة آل سعود، وفي مقدّمتهم المغامر محمد بن سلمان لم يتعظوا من مسلسل الهزائم المتتالية التي لحقت بهم وبسياستهم الخائبة على مدى العقود الماضية، مما دفعهم إلى الانتقال لمؤامرة جديدة بهدف تصفية القضية الفلسطينية من خلال التطبيع مع «إسرائيل» والتنازل عن حق العودة للشعب الفلسطيني الى وطنه المحتل.

فقد أقدم تابع الايپاك الصهيوني في الولايات المتحدة، محمد بن سلمان، على إبلاغ «الإسرائيليين» خلال زيارته لفلسطين المحتلة في أيلول الماضي استعداده لقيادة مسلسل التنازلات الضرورية لإعلان اقتراف جريمة التنازل عن حق الشعب الفلسطيني في وطنه. وكان من أهمّ حلقات المؤامرة التي ولج اليها محمد بن سلمان، تنفيذاً لأوامر سيد البيت الأبيض، هو طلبه من «الإسرائيليين» توجيه ضربة لحزب الله في لبنان على أن تقوم مملكة آل سعود بتحمّل كامل تكاليف الحرب، بما في ذلك تكاليف إعادة إعمار ما يتمّ تدميره في إسرائيل وتعويض المتضرّرين من جراء ذلك.

وقد تمّ الاتفاق بين الطرفين وبمباركة من بعض دوائر الدولة العميقة الأميركية على افتعال أزمة احتجاز الحريري بهدف تفجير الأوضاع الداخلية في لبنان لتوفير الغطاء السياسي للعملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان. وهذا ما أكده الجنرال عاموس يادلين قبل يومين حين قال إنّ السعودية قد قامت بكشف لبنان لهجوم «إسرائيلي»…

كذلك كان استدعاء الرئيس الفلسطيني أبو مازن الى الرياض، مع بداية أزمة احتجاز الحريري، وتمّ إبلاغه من قبل محمد بن سلمان بأمر العمليات الأميركي بضرورة الموافقة على مشروع ترامب الذي يطلق عليه صفقة القرن، ومن دون نقليات، وإلا فإنّ البديل الفلسطيني جاهز للقيام بهذا الدور… مما أدّى الى تطور النقاش الى مستوى غير ودّي ما دفع محمد بن سلمان للقول بأنه لا يقبل التهديدات بعد أجوبة لم ترق له تلقاها من أبو مازن.

ولما كانت المؤامرة قد فشلت، بحكمة سيد المقاومة والرئيس اللبناني الجنرال عون، وصلابة موقفه وارتفاع قامته الوطنية فوق كلّ الأقزام من أذناب أميركا من لبنانيين وسعوديين، حالت دون تحقيق أهداف المؤامرة. فقد كانت النتيجة عكس ما اشتهت سفن وأشرعة بني صهيون وبني سعود. وذلك من خلال التفاف الشعب اللبناني حول الهدف الأوحد الذي أعلنه سيد المقاومة منذ بدء الأزمة، الا وهو استعادة رئيس الوزراء المحتجز سعد الحريري، مما أدّى الى سقوط مشروع التفجير في لبنان بالضربة القاضية، وبالتالي السقوط المدوّي للمغامر محمد بن سلمان، بمعنى فشله في تنفيذ ما تعهّد به للسيد الصهيوأميركي في ضرب حزب الله بهدف إضعاف الموقف الإيراني، والذي تبعه الفشل سيل من الانتقادات لتهوّر بن سلمان وعدم أهليته للحكم وخطره على المصالح الأميركية والأوروبية في المنطقة العربية.

من هنا، فإن ثمة من يودّ نصيحة بن سلمان إلى انّ إيران تقف الى جانب حلفائها في الحلوة والمرة، كما يقال أيّ تحت كلّ الظروف، ولن تتخلى عنهم، مهما كان الثمن. اما الولايات المتحدة فلها أسلوب آخر في التعامل… وعلى مَن لا يفهم سياسة الولايات المتحدة فهي لا تعتبر السعودية او حتى «إسرائيل» أو تركيا حلفاء لها، بل خدمٌ عندها يتمّ الاستغناء عن خدماتهم عند فشلهم في تنفيذ أمر العمليات الاميركي. وهكذا كان الامر مع الكثيرين من أذناب أميركا بدءاً بشاه إيران مروراً بحسني مبارك وصولاً الى مسعود برازاني.

لقد تمّ التخلي عنهم وتركهم لأقدارهم. وهكذا ستكون أقدار كلب الحراسة الجديد، محمد بن سلمان، وذلك بعد أن فشل في تنفيذ مهمة تأمين ظروف لبنانية داخلية تعفي الجيش «الإسرائيلي» والداعم الأميركي من الدخول في حرب ضد حزب الله لا قدرة لهما على خوضها. وكذلك فشله في إجبار الرئيس الفلسطيني محمود عباس على شراء سمك في البحر، أي الموافقة على تصفية القضية الفلسطينية قبل أن يعرض المشروع الأميركي على الطرف الفلسطيني.

وانطلاقاً من ذلك، فإننا على يقين بأن هذا الشاه الصغير قد خسر أمَّ معاركه، أي معركة إضعاف إيران من خلال ضرب حلفائها، في الوقت الذي تراكم الجمهورية الإسلامية في إيران الانتصارات تلو الانتصارات لمحور المقاومة بمجمله تمهيداً للانتقال بالهجوم الاستراتيجي الى داخل فلسطين المحتلة لتحرير حيفا وما بعد حيفا وصولاً إلى إنهاء الوجود «الإسرائيلي»، وبأشكاله كافة، على أرض فلسطين التي لن يتوقف الهجوم فيها الا بعد إنجاز تحريرها من النهر الى البحر، شاء من شاء وأبى من أبى.

ليس من باب الصدف أن يشاهد الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس أمس، وهو يُنهي أم المعارك في سورية في البو كمال طارداً داعش والأميركيين منها في الوقت الذي لا يملك بن سلمان الا بعض الصرخات الخاوية في جامعة بالية تسمّى عربية وهي توكل وزير خارجية البحرين ليقول للمجتمعين إن الاسطول السادس الأميركي اكثر ضماناً للامن القومي العربي من اي ضمانة اخرى..!

وإذا ما تجاوز تهديده أبعاد أسوار القاعة، فإنه يهدّد إيران بمحاربتها في سورية، مفترضاً ان العالم يعاني مثله من عمى الإبصار، ولا يعرف بانه يقاتل محور المقاومة كله وكذلك إيران، ومعه كل العالم الشرير منذ سبع سنوات في سورية، فما كان حصاده الا ان وصل الإيرانيون إلى مسافة 2 كلم من فلسطين المحتلة فوق قمم جبل الشيخ…!

ثم ألا تلاحظ أيها الشاه الصغير بأن من لا تستطيع مملكته بعظمتها ومن ورائها «تحالف الحزم الصهيوني الأميركي العربي الإسلامي» في إنزال اليمني الحافي من قمّة جبل شاهق يعانق السماء ناهيك عن أن يهزمه، لا يستطيع قطعاً ان يمنع هذا اليمني المتعلم والجسور والطامح بعقل وعلم وحكمة أن يصنّع صاروخاً باليستياً يمكنه كسر قرن الشيطان!..

تستطيع ان تفتري ما شئت بخصوص نوعية هذا الصاروخ ومصنّعيه، لكنك لن تستطيع ان تقنع العالم الذي تخاطبه وفي مقدمته أميركا وصديقتك القديمة الجديدة «إسرائيل»، بأن مملكتك خسرت الحروب كلها وأنت تخسر الآن آخر حروب العائلة في الخارج، كما في الداخل، ومنها اعتلاؤك العرش على حساب لبنان وإيران..!

وأما ذريعتك هذه المتمثلة بالبعبع الإيراني والشيعي، فلن تنطلي على أحد فأنت تعرف تماماً أن الصيدة الثمينة هذه قد فلتت من أربابك ومنك تماماً، كما قد فلتت سورية من قبل كما أعلن حاكم قطر مؤخراً، وأن كل همك الآن هو بذريعة نفوذ إيران أن تتمكن من اختطاف القرار السني العربي لإجباره على التوقيع على ما تسمّيه «المصالحة التاريخية» مع العدو الصهيوني الذي يعني تصفية القضية الفلسطينية. وهذا ما لن يكون لك كما تعرف ويعرف سيدك، لأن انتفاضة الفلسطينيين والعرب وأهل السنة والجماعة ضدّك وضدّ أميركا باتت قاب قوسين أو أدنى!

كتبه: صحيفة البناء