ملئت صفحات التأريخ الاسلامي بدماء الأطهار والأبرار والأحرار ممن وضع جل إهتمامهم وأغلى ما عندهم على طبق الإخلاص لتوعية وتثقيف وتعليم وحرية واستقلال وعلو وإزدهار البشرية كما أراد لها سبحانه وتعالى، وقدموا في هذا الطريق الغالي والنفيس وكل ما يملكون من مال وأنفس فأضحوا قرابين غدر ونقض وتضليل وأغتيال الطلقاء وأبنائهم وأحفادهم تلك الشجرة الملعونة ومن تبعها منذ البعثة النبوية الشريفة، حيث عقدوا العزم على تزييف حقيقة رسالة نبي الرحمة صلى الله عليه وآله سلم وتزييفها وهو يحتضر على فراش لقاء ربه والعروج الى السماء، مجتمعين في سقيفة بني ساعدة (مساكن قبيلة بني ساعدة بن كعب بن خزرج جنب بئر بضاعة) معلنين إنطلاق أولى شرارة غدرهم ونفاقهم ونقضهم للعهود والمواثيق فيما خاتم المرسلين (ﷺ) في اللحظات الأخيرة من حياته على فراش الصراع مع سم الإغتيال القريشي – اليهودي وجثمانه الشريف لم يوارى الثرى بعد، لتكون قاعدة قائمة حتى يومنا هذا في شرخ صفوف الأمة ووحدة كلمتها وممهداً لإراقة دمائها ودعم سياسة الاسلاموفوبيا الصهيونية؛ تحقيقاً لقوله تعالى ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ – آل عمران:144.

أكثر من 20 محاولة اغتيال تعرض لها نبي الرحمة محمد الأمين (ﷺ) منذ بزوغ شمس الاسلام وحتى آخرها التي نقلته الى الرفيع الأعلى بواسطة جارته اليهودية بمكيدة قريشية طلقائية، كان أهمها تلك المحاولات التي ذكرها العديد من رواة التاريخ والكتاب في عصرنا الحاضر، منهم مراد سلامة (عشر محاولات لإغتيال النبي صلى الله عليه وسلم)، وعبد المنعم الهاشمي (محاولات اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم)، وكتاب (محاولات اغتيال النبي وفشلها) لمحمود نصار والسيد يوسف، و(محاولات قريش قتل رسول الله بعد بدر) د. راغب السرجاني و… وغيرهم؛ إستناداً لما أخرجه أخرجه البخاري (3856 و4730 و2617)، ومسلم (2797 و2190)، وأبن الجوزي في صفوة الصفوة، والسيرة البوية لأبن كثير (3/177و3/313 و4/75)، وأخرجه أبو داود(4512)، وأبن كثير، البداية والنهاية (5/20)، والجامع لأحكام القرآن (8/188).

وذكر المؤرخون أن بداية عمليات إغتيال المصطفى الأمين (ﷺ) كانت للكفار والمنافقين مع محاولة أبي جهل، ثم محاولتهم في ليلة المبيت حيث “اجتمعت قريش في دار الندوة واتفقوا على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأختاروا من عدة عوائل أربعين رجلاً يهاجمون بيت النبي محمد (ﷺ) في الظلام ويقتلونه مجتمعين ـ ليبِّيتوا النبي صلى الله عليه وآله بضربة واحدة من سيوفهم، ويُغلق الطريق على بني هاشم لمعاقبة القاتل حيث يضيع دمه بين عدة عوائل، لكنهم وبمشيئة الله سبحانه تعالى رأوا أن أبن عمه أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب (؏) في فراش النبي محمد (ﷺ)، فباؤوا خاسئين .

السبب كل السبب في ذلك أن الطلقاء من أمية وغيره أحسوا بأن الرسالة الختمية التي جاء بها النبي محمد بن عبد الله (ﷺ) تهدد قوتهم وقدرتهم ومكانتهم ودعارتهم وجهلهم وظلمهم وطغيانهم وجبروتهم، كما هو الحال مع الأنظمة الموروثية القبلية الحاقدة والناقمة على الأمة ووعيها ودينها ومعتقداتها وحريتها وديمقراطيتها ودعوتها للتغيير والاصلاح والعدالة والمساواة والعلم والنور وهي أسس الرسالة المحمدية الأصيلة، فخططوا لمحاولات اخرى بعد أن فشلوا في سابقيها.

ثم كانت محاولة “سراقة بن مالك” سيد بني مدلج وأحد أشراف قبيلة كنانة والذي ذهب ليقتفي اثر الرسول (ﷺ) وصاحبه طمعا في جائزة قريش، ثم محاولة “عمير بن وهب الجمحي” و”صفوان بن أمية” وذلك بعد معركة بدر الكبرى إنتقاماً لقتلى المشركين.. ولم يكتف اليهود بالمؤامرات والدسائس ضد الرسول الأكرم (ﷺ) بل حاولوا تنفيذ المؤامرة بأنفسهم هذه المرة فكانت على يد “عمرو بن جحاش بن كعب اليهودي” وهي أحدى محاولاتهم الثلاث التي فشلت، حيث عرفت بمحاولة “الصخرة” أثناء زيارته(ﷺ) لبني النظير سعياً منه لحل مشكلة مقتل يهوديين على يد مسلم .

وأقدم المنافقون الذين أدعوا زيفاً وبهتاناً بانهم مسلمين على إغتيال النبي محمد (ﷺ) في غزوة تبوك، اولئك الذين نافقوا هم وأبناؤهم وينافق أحفادهم ضد أهل بيت النبوة والرسالة حتى يومنا هذا وسعوا جاهدين في تحريف وتزييف وتزوير وتشويه صورة الاسلام الناصعة متجاهلين قوله تعالى ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ – سورة التوبة الآية 32و33؛ وهو (ﷺ) عائد الى المدينة نفذتها مجموعة منافقة بلغت نحو عشرين شخصاً على بعض الاخبار من الصحابة (رواه الهيثمي – في مجمع الزوائد – الجزء :1- الصفحة:(110)، وكانت خطتهم أن يكمنوا فوق عقبة الجبل التي سيمر فيها الرسول (ﷺ) حتى إذا وصل الى المضيق ألقوا عليه ما استطاعوا من صخور لتنحدر بقوة وتقتله، ثم يفرون ويضيعون أنفسهم في جيش المسلمين ، ويبكون على الرسول ، ويأخذون خلافته!.

ثم محاولة “فضالة بن عمير بن الملوح الليثي” لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح وهي تاسع محاولة اغتيال معروفة أقدم عليها المنافقون (الروض الأنف 7/ 114، والمحاولة الشهيرة لأغتيال خاتم المرسلين وحبيب رب العالمين (ﷺ)، كانت من قبل شيبة بن عثمان بن طلحة وهو (ﷺ) قرب مكة بعد غزوة حنين حيث روى ابن إسحاق أن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدار قال:‏ اليوم أدرك ثأري من محمد، وكان أبوه قتل يوم أحد، اليوم أقتل محمداً، قال‏:‏ فأدرت برسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤداي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني (البحار ج21 ص154 و 181 والخرائج والجرائح ج1 ص117 و 118 وراجع: مجمع البيان ج5 ص18 ـ 20 وتاريخ الخميس ج2 ص102 و 103) .

شاءت مشيئة الباري عز وجل أن تنتهي حياة أعظم انسان في تاريخ البشرية جمعاء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم مسموما وله ثلاث وستون سنة (المجدي في الأنساب، محمد بن محمد العلوي ص6 وفي تهذيب الأحكام 6/1)، وقال الشيخ المفيد: وقبض (ﷺ) بالمدينة مسموما يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته (أنساب الأشراف 1 / 576 وقال البيهقي: أنبأنا الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار عن أبي معن عن الأعمش عن عبد الله بن نمرة عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: لئن أحلف تسعا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قتل قتلا أحب الي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك إن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا)، وذكر العلامة الحلي شهادة رسول الله (ﷺ) بالسم (السيرة النبوية، ابن كثير الدمشقي 4 / 449، وأيد الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين مقتل الرسول صلى الله عليه وآله بالسم، ومستدرك الحاكم 3 / 60، ح 4395 / 99 باب المغازي والسرايا)، وقال الشيخ الطوسي: قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسموما لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من الهجرة (البحار، المجلسي 22 / 514)؛و يذكر ابن سعد: فلما كان يوم الأربعاء بدأ برسول الله المرض فحمَّ وصدع (الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 249، وفي عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 281)، وكانت أم البشر بن البراء قد قالت للرسول (ﷺ): ما وجدت مثل هذه الحمى التي عليك على أحد (الطبقات الكبرى ج 2 ص 236) وهذا النص يثبت بدلالة قاطعة أن الحمى التي اعترت المصطفى (ﷺ) لم تكن حمى طبيعية و ذلك لأنها لم تر مثل هذه الحمى من قبل، وهذه الحمى ما هي إلا من السم الذي جرعوه فقد تغير لونه وحالته؛ ولكن السؤال يبقى قائما: من الذي دس السم لنبي الرحمة (ﷺ) في آخر أيام حياته؟، هل كان عبر الكرشة التي قدمتها له جارته اليهودية ؟ أم أن هناك أيادي اخرى من وراء محاولة الاغتيال الأخيرة التي تعرض لها الرسول (ﷺ) ؟!.

كتبه: جميل ظاهري