كتب آدم في دفتر مذكراته :

(لايمكن لأي إنسان في الوجود أن يعيش سعيدا هانئا منعما مطمئن البال وهو يقضي السنين الطوال وحيدا في متاهات الغربة ويظل يتجرع آلامها الموجعة وغصصها المرة . ومهما كان جمال مدن الغربة خلابا ، وطبيعتها ساحرة فليس بإمكانها إطفاء جمرة الحنين المتأججة في أعماقه، والتخفيف من ثقل الليالي الطويلة الموحشة في بلاد الثلج. والمدن الجميلة التي زرتها لايعادل جمالها ذرة من تراب الوطن رغم كل الأمور المحزنة التي تعصف به. فجوقة الفاسدين الذين تمرسوا على امتصاص دماء الناس وتغيير جلودهم في كل العهود كما تغير الحرباء جلدها يمتصون دماء الفقراء دون رحمة. وخطرهم لايقل عن خطر قطعان الإرهابيين الذين آستباحوا دماء الناس وأحرقوا الشجر والحجر لأن كلاهما ينخر في شجرة الوطن ليحيلها جذع ميت.

لكن رغم كل هذه الأوجاع والجراح العميقة فإن جسمي لم يعد يحتمل أكثر من عشرين عاما من الغربة التي أنهكت روحي وجسدي وأكلت عظامي . ولابد من وضع حد لها والعودة إلى ذلك الحضن الدافئ الحنون الذي قضيت فيه أجمل أيام عمري وتركته قسرا. فالعيش في أحضان الوطن هو من أعظم النعم التي منحها الله للإنسان . والإنسان دون وطن يبقى كريشة في مهب الريح رغم كل القوانين التي تحفظ كرامته الإنسانية. إذن لابد من صنعا وإن طال السفر والتخلص من مدن الثلج التي لاتحمل بين طياتها طعما للحياة. )

لقد سيطرت على ذهن آدم فكرة العودة إلى وطنه، ولازمته في كل لحظاته ولم يستطع الخلاص منها. خاصة إن شقيقته الوحيدة تعاني من مرض عضال وألحت عليه بالحضور بعد هذه الغربة الطويلة.

سرح خيال آدم بعيدا إلى مرفأ صباه . ومرت وجوه أصدقائه وطلابه أمام ناظريه كشريط سينمائي. تلك الشريحة من الناس الطيبين الذين قضى معهم أياما جميلة من عمره وانقطعت أخبارهم عنه. لكنه لن ينسى وجوههم والأحاديث الودية التي كان يتبادلها معهم . ترى هل إنهم على مايرام ؟ وهل حصلوا على شهادات عالية أم انخرطوا في ساحات العمل ؟ هل هم في جبهات القتال يصدون الهجمة البربرية الداعشية.؟ أم مازالوا يعانون من ألبطالة وكيف يعيشون؟ وبماذا يفكرون ؟ وهل إن قاعة نقابة المعلمين التي طالما جمعته مع زملائه مازالت قائمه تعج بجمعهم في تلك الأمسيات الحميمية؟

أسئلة كثيرة طرقت رأسه . وتقاطرت الدموع من عينيه حين نظر إلى المرآة ورغب في حلاقة لحيته التي تسلل إليها الشيب. ورأى الأخاديد العميقة في وجهه ،فأطرق برأسه وتنهد تنهيدة عميقة، وأشعل سيكاره وسحب منها نفسا عميقا وأخذ يوصل دخانها إلى أعماق رئتيه المنهكتين .أدرك أخيرا إن بقاءه على هذه الحال سيعجل في نهايته بعد أن تجاوز خريف العمر وبدأت علائم الشيخوخة تدب في جسده كدبيب النمل. خط بقلمه على الورقة التي أمامه وأصابعه ترتجف بيتا لقصيدة الشاعر الراحل أحمد شوقي:

وطني لو شغلت عنه بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي.

وتنهد مرة أخرى، وفتح النافذة، وحدق في الأفق البعيد حيث البحيرات وأشجار السرو التي لاتبدو لها نهاية.كان السكون يطبق على المنطقة وتخترقه بين الفينة والأخرى أصوات الغربان والنوارس التي تكثر في المنطقه. أخذ يتحدث مع نفسه:

حين تعصف الغربة في أعماق الروح، ويتوغل الحنين والوجد في دم الإنسان يتحولان إلى سيل جارف. آه ياوطني كم أحبك ..أنا بحاجة إليك ضمني إلى حضنك الحنون الدافئ .. أريد أن أموت وأدفن بين طيات ترابك هل تسمع نبضات قلبي أيها العراق الحبيب ؟

آه ماأحلى تلك السفرات الجماعية الجميلة التي كنا نقوم بها مع طلابنا ونذوق فيها طعم برتقال ديالى، وبطيخ سامراء وعنب شقلاوة وتينها وتفاحها ورمانها! تُرى هل سأتذوقها مرة أخرى.؟ وما أجمل مصايف أربيل والسليمانية ودهوك وأهوار الجنوب والبردي وطيور الخضيري وبحيرة ساوه العجيبة .! وهل هي باقية على حالها وهل سأراها ثانية.؟

شعر بقشعريرة مفاجئة، ودس نفسه في الفراش وأخذت فكرة العودة للوطن تطرق رأسه طرقا مستمرا لاهوادة فيه.

نهض من فراشه وتناول فنجانا من القهوة المرة، وأخذ يتصفح دفترا له كان على الطاولة ثم ألقى نظرة على بعض القصائد التي كتبها طيلة فترات غربته. وقرر أن يأخذ ذلك الدفتر العزيز على قلبه معه في رحلته إلى الوطن . وتمنى في قرارة نفسه أن يقرأ بعض ماكتبه من قصائد أمام جمع من محبي الشعر والأدب في وطنه.

أخيرا قرر آدم أن يشد الرحال إلى وطنه ومنبع صباه ليشكو له سنوات الغربة وما جرى له فيها، ويقاسمه الهموم ويناجيه عن قرب ويلتقي بأهله الطيبين الذين تجمعهم معه ذكريات جميلة. تلك الوجوه الأليفة التي ظلت تزداد لمعانا وتوهجا في ذهنه، والتي حفرها الزمن في قلبه المتعب.

قطع تذكرة السفر، وحمل معه حقيبته الصغيرة التي دس فيها بعض بعض المواد البسيطة . ركب الطائرة وحمل معه كل مشاعره وأحاسيسه. حلقت الطائرة في الأجواء متجهة نحو الوطن . تحدث مع بعض ركابها من العراقيين. وكان القاسم المشترك بينهم الحديث عن العراق وما حل به من كوارث طيلة هذه السنين . وتمنوا من أعماق قلوبهم أن يتخلص وطنهم من رموز الفساد والإرهاب، وينهض من جديد سالما معافى . بعد ساعات حطت الطائرة في أرض المطار و نزل الجميع منها وهنأ بعضهم البعض على سلامة الوصول واتجه كل واحد منهم إلى المكان الذي يرغب بالوصول إليه. أخيراإنها العاصمة الحبيبة بغداد بناسها الطيبين ونخيلها ومعالمها التي لاتغرب عن ذهنه.

إنهالت دموعه على خديه وشعر بشوق جارف إلى أن يشم رائحة الورد الجوري والقرنفل والفل العبقة الذي كان يزرعها في حديقة بيت أخته الوحيدة والتي كانت متزوجة أثناء سفره ومات زوجها قبل سنتين ولم يرزقا أطفالا فبقيت هي الأخرى تعاني من الوحدة والمرض الذي بدأ ينهش جسمها وأقعدها في البيت. كل شيئ يهون مادام الوطن هو بيته الكبير الذي سيحتضنه من جديد ويخفف من آلامه. سيقيم عند بيت أخته لفترة محدودة وعسى أن يشتري شقة صغيرة بالمبلغ الذي جلبه معه، ويكون عائلة ويجد شريكة حياة تناسب عمره بعد حياة العزوبية الطويلة وينجبان طفلا ينادي بابا ماما ويملأ حياتهما سعادة وبهجة وحبورا.

إنه ظمآن إلى ماء دجله والنوارس التي تحوم فوقه كل مساء. ويغمره الشوق إلى زيارة الإمام الكاظم وكربلاء والنجف وأبو حنيفة وسوق الغزل والباب الشرقي والجلوس في حديقة الأمة والتمتع بمنظر الباعة هناك قبل أن يسجد ليقبل تراب الوطن الغالي

إستأجر سيارة ووجد نفسه في شوارع بغداد بعد تلك الغربة الطويلة. ورغم الأنوار الخافتة فقد بدت ملامحها حزينة يعلوها الغبار. حدث نفسه إنها ليست بغداد التي تركتها قبل عشرين عاما. لقد كانت أجمل وأكثر رونقا وبهاء رغم سطوة النظام الدكتاتوري الذي كان يأخذ بخناق الناس. أوقف السائق السيارة أمام عشرات النقاط العسكرية للتفتيش . وتأوه من شدة الإجراآت وتمتم ببعض الكلمات. قطع السائق الصمت وقال (عمي تره هذا التفتيش من صالح المواطن . الوضع خطر بس شويه غفله من حارس النقطه يمكن تحدث كارثه وتروح عشرات الضحايا وهاي صارت بعدة مناطق وراحت ضحايا كثيره من قبل الإرهابيين الأنجاس. لازم واحد يكون عنده صبر ويتحمل. ليش إنته وين جنت ومنين جاي؟) أجاب آدم السائق حذرا: ( كلامك صحيح ميه بالميه لازم ياخذون أشد أنواع الحذر من هذوله الإرهابيين المجرمين اللي إبتله العراق بيهم . آني جنت بعمان أدور شغل ورجعت بخفي حنين كما يقول المثل ) أجابه السائق: (بارك الله بكل إنسان حريص على وطنه وشعبه . تره هاالشباب اللي تشوفهم على السيطرات يسهرون على أرواح الشعب ومايشوفون عوائلهم إلا بالشهر مره) أجاب آدم والتعب دب في أوصاله (والله كلامك صحيح لاعاب حلكك ياطيب) وساد الصمت بينهما من جديد. وبعد مرور ساعتين وصل إلى بيت أخته الوحيدة طرق الباب طرقا خفيفا ..فتحت له الباب فرأى هيكلا عظميا أمامه. نظرت إليه بعينين غائرتين .. وصاحت من أعماقها وبصوت مرتعش:

(خويه آدم حبيبي الحمد لله على السلامه ماجنت أصدك أشوفك. ) وبعد أن تفوهت بتلك الكلمات كادت تسقط على الأرض فمسك يديها وشعر بأنه يمسك خشبتين باردتين .. هاله جحوظ عينيها وشدة ضعفها وهزالها. لم يتمالك نفسه فأجهش بالبكاء وأخذ يقبل رأسها ويديها ماذا حل بك يافطوم ؟ اين ذهبت تلك الحيوية ؟ عرف أخيرا إنها مصابة بالسرطان وكأن صاعقة و كان وقوع الخبر كوقوع الصاعقة على رأسه. ذهب بها إلى طبيب مختص فأخبره إن حالتها ميئوس منها. مر أسبوع وكأنه دهر توفيت فاطمة بعده. حزن حزنا شديداعليها لأنه خسر تلك الإنسانة الرائعة والأخت الوحيدة التي شاركته همومه طيلة حياته.
أخذ يجوب شوارع بغداد وحاراتها ودخل في دوائر الدولة بصفة مراجع ومراقب ليعرف ماذا يجري فيها . ذهب إلى وزارة التربية وقدم لها طلبا بالعودة إلى وظيفته السابقة كمعلم.

لكنه أصطدم بعقبات لاتعد ولا تحصى . وأخيرا رُفض طلبه (لأنه مفصول لتركه الوظيفة دون مبرر) أخذ يتنقل من شارع إلى شارع لعدة أيام. شاهد الفوضى والبيئة الملوثة، والمولدات الضخمة القابعة على الأرصفة وحولها تقبع براميل من النفط الأسود وكأنها ديناصورات منقرضة .نظر إلى تلك الأسلاك المتشابكة وكأنها بيوت لعناكب مفترسة. شاهد صبيان وفتيات صغيرات ونساء وشيوخ يطلبون المساعدة من الماره . رأى أكوام القمامة تتراكم كالجبال في الحارات والشوارع تعج بالحفر وتغمرها المياه الثقيلة السوداء. والأشجار مغطاة بالغبار وكأنها تعاني من حزن ثقيل . رأى المراهقين من أبناء المسؤولين في الأحزاب المهيمنة يقودون أحدث السيارات. ورأى مئات اللافتات والصور والجداريات الضخمة التي صرف عليها أصحابها من تجار السياسة ملايين الدولارات للدعاية الإنتخابية. ورأى المتطفلين على الثقافة والأدب من أتباع الأحزاب . ورأى المفسدين يتصرفون وكأنهم سادة الوطن. تساءل مع نفسه أهذه هي الديمقراطية التي يتغنون بها؟ وكيف يعيش البشر في هذه المناطق وفي هذا الوطن الغني الذي يقبع على بحر من البترول ؟ ماذا حل بأموال العراق والموازنات الضخمة التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات .؟ تأكد لديه إن المسؤولين بمختلف إتجاهاتهم يتسابقون على نهش جسد الوطن، ويقتاتون كالطفيليات على مآسي المعدمين وكما يقول المثل(وكل إليها بالمطامع أشعبُ ) .

لقد تكشفت أمامه الكارثة الحقيقية التي يعيشها العراق .أصيب بصدمة شديدة بعد أن كانت بداية العودة إلى الوطن صعبة وقاسية ومرة. وردد فأخرج دفتره وكتب :

لهفي على وجع العراق
حتام تنهشه الذئاب ؟

( قومي رؤوس كلهم )
وبنهجهم ضاع الصوابُ

وصراخهم ملأ التخوم
وساد في الوطن اضطرابُ

شابت رؤوس أحبتي
يًستصرخون فلا يُجابوا

دمهم مباحٌ كل حين
ودليلهم صار الغرابُ

بحث عن أصدقاء العمر فعرف إن معظمهم قد فارق الحياة. ذهب إلى نقابة المعلمين التي طالما جمعته مع زملائه فرآها وقد تحولت إلى دكاكين تتجمع فيها البضائع. زار العدد الضئيل من زملائه المعلمين الذي بقوا على قيد الحياة فرآهم مصابين بأمراض مختلفة ولايسأل عنهم أحد. شاهد بعض طلابه وقد غزا رؤوسهم الشيب وهم متعبون منهكون وكأنهم أشباح متحركة. سمع قصصا رهيبة عن عقوق بعض الأبناء للوالدين وعن التفكك الأسري ووقوع أعداد من المراهقين في آفة المخدرات والدولة غائبة. تمتم مع نفسه ياإلهي ماذا جرى لهذا الوطن وشعبه. أهذا هو العراق الذي حلمت به ؟

لم يكن يتوقع أن يرى وطنه بهذه الصورة المأساوية . أطرق برأسه والإحباط يعصف به عصفا. فسارع للحصول على تذكرة سفر. رجع إلى منفاه حزينا منكسرا لايلوي على شيئ . بعد عام من رجوعه وفي إحدى الصباحات الثلجية عثر على آدم جثة هامدة في فراشه.وأنطفأت جمرة الحنين في جسده البارد بعد أن ظلت متوقدة فيه لعشرين عاما.


كتبه: جعفر المهاجر