ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، كما وتحدث في الخطبة الأولى حول الحساب في يوم القيامة.

ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في الخطبة الأولى:
{أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ* الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ* وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}[الرّعد: 19-21].

خصال تجعل الحساب يسيراً
لقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أناسٍ وصفهم بأولي الألباب، لكونهم يخافون سوء الحساب، ولذا يبذلون جهودهم ويعملون حتى يكون حسابهم يسيراً.
وقد حدَّد رسول الله(ص) ثلاث خصال تجعل الحساب يوم القيامة يسيراً: “ثلاث من كنَّ فيه، حاسبه الله حساباً يسيراً، وأدخله الجنَّة برحمته”. قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال(ص): “تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمَّن ظلمك”. وفي الحديث: “حسّن خلقك، يخفّف الله حسابك”.
وفي حديثٍ آخر: “إذا بعث الله المؤمن من قبره، خرج معه مثال يقدِّمه أمامه، كلّما رأى المؤمن هولاً من أهوال يوم القيامة، قال له المثال: لا تفزع ولا تحزن، وأبشر بالسّرور والكرامة من الله عزَّ وجلّ.. حتى يقف بين يدي الله عزَّ وجلّ، فيحاسبه حساباً يسيراً، ويأمر به إلى الجنَّة والمثال أمامه، فيقول له المؤمن: رحمك الله، نِعْمَ الخارج معي من قبري!.. ومازلت تبشّرني بالسّرور والكرامة من الله عزّ وجلّ حتى رأيت ذلك. فيقول: مَن أنت؟.. فيقول: أنا السّرور الّذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن في الدّنيا، خلقني الله تعالى منه لأُبشّرك”.
والمقصود بمن يحاسبون الحساب اليسير، الّذين تُعرَض عليهم ذنوبهم وتبيَّن لهم من دون أن يطالَبوا بالاعتذار والحجَّة فيما قاموا به، وهؤلاء هم الّذين تحدَّث الله عنهم فقال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً}[الانشقاق: 7-9].
أمَّا حساب أولئك النّاس الذين عاشوا اللامبالاة والجحود بالله ونعمه، فتجاوزوا حدوده، وظلموا عباده، وعاشوا الحياة للهوها وعبثها، من دون أن يتحسّبوا للإنذارات الإلهيّة المتكرّرة عن اقتراب يوم الحساب، حيث يقول سبحانه: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ* مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}[الأنبياء: 1- 2].
في يوم الحساب، سيعرف هؤلاء المجرمون كم أساؤوا إلى أنفسهم وإلى النَّاس، وسيفاجأون بأنَّ الله أحصى عليهم كلّ ما عملوا، عندما يقدِّم إليهم كتاب أعمالهم، والّذي على أساسه سيحاسَبون، حيث تراهم في أسوأ أحوالهم، كما يقول تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}[الكهف: 49].
وهؤلاء لن يخفَّف عنهم، وسيحاسبون حساباً عسيراً، فيدقّق عليهم الحساب، ويلامون ويؤنّبون على ذنوبهم، ويقفون موقف الذلّ والاستكانة، وهم الّذين تحدث الله عنهم عندما قال: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}[الرّعد: 18]. {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ* فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}[المدّثّر: 8-10].

الفئة الّتي لا تحاسَب
أيّها الأحبَّة: يتبادر إلى ذهن الكثيرين لأوَّل وهلة، أنَّ العباد ينقسمون في الحساب إلى فئتين، منهم من يحاسب حساباً يسيراً، ومنهم من يحاسب حساباً عسيراً.. ولكن يحدّثنا القرآن عن فئة من النّاس لا يخضعون للحساب أصلاً، لا يعيشون رهبة الموقف ولا مشقّة الانتظار لمعرفة المصير، ولا يتوقّفون أصلاً للحساب، بل يمرّون مباشرةً بدون أيّ عقبات أو حواجز. من هم هؤلاء الّذين يحظون بشرف المرور دون حساب، ولا يحتاجون إلى شفاعة الشفعاء؟
جاء عن رسول الله(ص): “إذا نشرت الدّواوين ونصبت الموازين، لم ينصب لأهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان”.. ثم تلا الآية الكريمة: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزّمر: 10].
وهم أهل الصّبر الّذين يتحدّث رسول الله(ص) عنهم: “إذا كان يوم القيامة، جمع الله الخلائق في صعيد واحد، ونادى مناد من عند الله يسمع آخرهم كما يسمع أوَّلهم، يقول: أين أهل الصّبر؟ قال: فيقوم عنق من النّاس، فتستقبلهم زمرة من الملائكة، فيقولون لهم: ما كان صبركم هذا الّذي صبرتم؟ فيقولون: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصيته، قال: فينادي منادٍ من عند الله: صدق عبادي، خلّوا سبيلهم ليدخلوا الجنّة بغير حساب”.
ومنهم أهل الفضل، ففي الحديث الشّريف: “ينادي مناد فيقول: أين أهل الفضل؟ فيقوم عنق من النّاس، فتستقبلهم الملائكة، فيقولون: ما فضلكم هذا الّذي تردّيتم به؟ فيقولون: كنّا يجهل علينا في الدنيا فنحتمل، ويساء إلينا فنعفو، قال: فينادي منادٍ من عند الله تعالى: صدق عبادي، خلّوا سبيلهم ليدخلوا الجنّة بغير حساب”.
ومنهم أهل الحياء والقناعة، حيث قال رسول الله(ص): “إذا كان يوم القيامة، أنبت الله لطائفة من أمّتي أجنحة، فيطيرون من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها، يتنعّمون فيها كيف شاؤوا، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حساباً، فتقول لهم: هل جزتم الصّراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطاً… فيقولون: خصلتان كانتا فينا، فبلغنا الله هذه المنزلة بفضل رحمته، فيقولون: وما هما؟ فيقولون: كنّا إذا خلونا نستحيي أن نعصيه، ونرضى باليسير مما قسم لنا”.
ومنهم أهل الذّكر والإنفاق، ففي الحديث: “يحشر النّاس في صعيدٍ واحد، فينادي منادٍ فيقول: أين الّذين كانت {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}[السّجدة: 16]..ثم ينادي: أين الَّذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وهم قليل، فيدخلون الجنّة بغير حساب”..
قال(ص): “ينادي مناد من الله عزّ وجلّ: أين جيران الله في داره؟ فيقوم عنق من النّاس، فتستقبلهم زمرة من الملائكة، فيقولون لهم: ما كان عملكم في دار الدّنيا فصرتم به اليوم جيران الله تعالى في داره؟ فيقولون: كنا نتحابّ في الله، ونتباذل في الله، ونتوازر في الله”. قال(ص): “فينادي منادٍ من عند الله تعالى: صدق عبادي، خلّوا سبيلهم لينطلقوا إلى جوار الله في الجنّة بغير حساب”.

القلب السَّليم هو الأساس
والجامع المشترك بين كلّ هؤلاء الّذين ندعو الله أن نكون منهم، هو القلب السّليم {إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشّعراء: 89]، بهذا القلب نقف بين يدي الله به، لا بما ملكنا في الدّنيا، أو بموقعنا أو بجماعتنا أو بقصورنا وسلطاننا، ولا حتى بكثرة عباداتنا؛ حجّنا وصلاتنا وصيامنا على أهمّيتها، ولكنها لا تُراد لذاتها، إنما بمقدار ما تحيي قلب الإنسان وتملؤه حبّاً لله وخشيةً منه، ومن حبّ الله حبّ عباده، كلّ عباده، حبّاً لا يعرف حقداً ولا غلاًّ ولا بغضاء.
نعم، أن يكون القلب سليماً من كلّ رياء ونفاق وتذبذب، أن يكون قلباً لم يتلوّث بحبّ الدّنيا والمال، قلبا لم تتحكّم به الغرائز والعصبيّات والأطماع، قلباً حقيقيّاً أصيلاً، لا تغرّه المظاهر ولا الجواهر ولا الإعلام ولا الشّهرة، قلباً يضفي على الحياة طهراً وصفاءً ونقاءً.
أيّها الأحبّة: كلّ واحد في هذه الدنيا مشغول بمعاشه وأمور حياته وسلامة بدنه، ولا بدّ في موازاة كلّ هذا، أن ينشغل بتنظيف هذا القلب، للتهيّؤ لهذا اليوم الّذي يقف فيه النّاس جميعاً لربِّ العالمين، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا}[النّحل: 111]، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ}[الانفطار: 19]، حيث ينظر الله هناك، وقبل كلّ شيء، إلى القلوب، قبل أن يتطلّع إلى الصّور أو يسمع الحجج والأعذار. هو يريدها أن تكون طاهرةً نقيّة صافية، وبأيدينا تقرير أمر حسابنا، وتقرير مصيرنا الأبديّ، والله هو المستعان على سلوك هذا الطّريق.
أيّها الأحبَّة: لقد أراد الله لهذا الشَّهر المبارك أن يكون مناسبةً لتذكّر يوم القيامة، وهو ما عبّر عنه رسول الله(ص) بقوله: “واذكروا بجوعكم وعطشكم جوع يوم القيامة وعطشه”، وهو فرصة لبلوغنا ذلك، حتى نكون من أولئك الّذين قال الله عنهم: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}[فصّلت: 30].