دخل اخواننا الجنوبيين المطالبين بفك الارتباط تحديد المصير(الانفصال) عن الحكومة المركزية بصنعاء, منذ رفع شعار الانفصال بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990م بأربعة أعوام, مرحلتين أحلاها مُذل, أوُلى تلك المراحل مرحلة البث التجريبي للانفصال, بعد دخول قوات تحالف العدوان المناطق الجنوبية, والتي رسمت ملامح الدولة الجنوبية المحتلة, نقول لفظ الاحتلال وقلوبنا تفيض من الحزن, ولكن ما نشاهده من أحداث يقلل نسبة فيض الحزن, كون الشواهد تدل على إن هناك قوى خارجية هي المتحكمة في المشهد الجنوبي برمته, بعد إحكام السيطرة وبسط النفوذ الكاملة على مرافق الدولة, وأصبحوا للأسف هم الحكام الحقيقيين. (الأمرين بالمنكر والناهيين عن المعروف) لأجل إرجاع الشرعية ظاهريا, وأما باطنها فتفوح منها الأطماع الاقتصادية والسلطوية.

فحملت مرحلة البث التجريبي للانفصال بأرض الجنوب, بعد عودة الحكم الذاتي لهم عبر حكام قوات تحالف العدوان, فأصبح لدي الجنوب رئيس وحكومة منفصلين كليا عن نظام صنعاء, وأصبح القرار السياسي بين أيديهم صوريا وليس ضمنيا.

قبل الغوص في المرحلة الثانية نقف دقيقة حداد, بل نقف الدهر كاملا, على انتزاع عروبتنا ونسيان مبادئنا الدينية والاسلامية, التي تلزمنا على الوحدة ولم الشمل والاعتصام بحبل الله.

شكلت المرحلة الثانية أخطر مراحل التقسيم والشتات والتي قسمت ظهر الجنوب, حيث أظهرت الأحداث المتعاقبة على أرض الجنوب وتحديا المناطق تحت سيطرة قوي تحالف العدوان, صراع دولتين كل واحدة منهما تعتبر نفسها صاحبة النفوذ, حيث تتفق على العدوان والتدمير والقتل والاغتيالات والأسر, وتقسيم الخيرات الاقتصادية والسياسية وتقاسم المناطق. وتختلف جذريا على النفوذ الداخلي, حيث أصبح كل معسكر يحاول بكل الطرق بأن يطبق مخططاته الخاصة وغرائزه السياسية وأطماعه الاقتصادية ونواياه الخبيثة على أرض الواقع, عبر مجموعة من السياسيين منزوعين من كافة المبادئ بجميع مسمياتها, الذين كان لهم من رفع شعار الانفصال مصالح شخصية تكونت عبر السنوات الماضية, حيث أوضحت لنا الاحداث الراهنة بأنها كانت شعارات زائفة كاذبة باطلة. مثلها مثل قادة جنوب السودان, فلم تكن تحمل مؤشرات ونوايا حقيقية ومشروع عروبي وقومي يخدم الامة الاسلامية.

لم يكن من المستحيل بأن يتمكن قادة الفكر الانفصالي الضيق, من إدخال المواطن الجنوبي المرغم على الانفصال, أو من غرس في عقولهم نبرة العنصرية, وطمس أفكارهم النيرة, واستبدالها بأفكار تحمل الحقد والكراهية وتطلق العنصرية الخبيثة, في غيبوبة ومغبة الانفصال والي الان وهم لم يفيقوا منها.

برغم العديد من الصدمات المتلاحقة, ولم توقظهم من غيبوبتهم لا مدافع القوات السعودية ولا الصواريخ الاماراتية, ولا الرصاص السوداني ولا رشاشات البلاك وتر, وأستمر المواطن الجنوبي في غيبوبته الانفصالية, منفصلا كليا عن ما يدور حولة من تحديثات عصرية التي شهدتها المناطق التي تطالب بالانفصال, وأصبحوا في عزله من مواكبة التطورات للأحداث, كون هناك قادة يقولون لهم بأن الانفصال قاب قوسين أو أدني من التحقيق, لتستمر معها الضخ المالي الغزير بمختلف العملات, مع ارتفاع منسوب حصص المناصب لفئات السياسيين والشخصيات الاجتماعية المختلفة, بشرط بأن يستمر المواطن الجنوبي في الغيبوبة الانفصالية.
الغريب بأن الغيبوبة التي حلت بالمواطن الجنوبي, والتي تندرج ضمن أقوي وأخطر غيبوبة تصيب الشخص, حيث لم تستطيع بأن تيقظها الأحداث العربية والعالمية, واستمرت في غيبوبتها برغم ما حدث مع الكرد في العراق بعد عملية الاستفتاء, وإقليم برشلونة بعد عملية الاستفتاء في الانفصال والنسبة العالية الراغبة بالانفصال تجاوزت ال90%.

قد تصبح الصدمة التي سوف تحرك مشاعرهم وتسهم في خروجهم من الغيبوبة, عندما تطرح عليهم بأن اقليم كردستان العراق موطن الشعب الكردي, يمتلك كل مقومات الدولة, من حكم ذاتي مطلق, وعَلم ولغة وجيش وممثلين في البرلمان والحكومة, ولم يستطيع فك الارتباط, برغم الاستفتاء, تفرق وهرب القادة المطالبين بالانفصال, وبسطت نفوذ الدولة على الاقليم.

ومع تكرار الأحداث المطالبة بالانفصال العالمية, ظل المواطن الجنوبي في الغيبوبة, ولم تسهم الاحداث في إقليم كتلونيا الاسباني من إيقاظه, برغم انه لا يملك أدني مقوم للمطالبة بالانفصال. وفي المقابل تمتلك شعوب العالم المطالبة بالانفصال كل مقومات الدولة الحديثة من لغة وعًلم وجيوش, فلم يتحقق لها الانفصال, فكيف سوف يتحقق الانفصال لدى دولة الا تمتلك أي مقوم لطلب الانفصال, غير نهيق ما يعرف بالقادة والشخصيات الاجتماعية.

قد تستمر لعنة الغيبوبة للمواطن الجنوبي الى مالة نهاية, طالما وهناك أربع شرايين تغذيها, شريان الامارات الداعم للمجلس الانتقالي, المسنود بالحماية المطلقة, مع دعم أبناء الجنوب المقيميين فيها. والشريان السعودي الداعم والحاضن للرئيس الفار وحكومته, والراعي والداعم الرسمي للجماعات الارهابية المنطوية تحت راية الاخوان المسلمين (الاصلاح) وبدعم مطلق من أبناء الجنوب المقيميين فيها. وشريان القوي الكبرى الاسرائيلية والامريكية, المتربصة لحكم وبسط سيطرتها على المنافذ البحرية, وأهم تلك الشرايين شريان قادة الانفصال من مشايخ القبائل والشخصيات الاجتماعية التي تحمل الفكر الاشتراكي الشيوعي المتطرف الذي يحمل شعار الانفصال هو الحل, وتقسم الاتحاد السوفيتي بهذه العقلية وأصبحت التقسيم حتى بالاسم فمثلا تشيكوسلوفاكيا سابقا, أصبح دولتين الشطر الاول من الاسم تشيك دولة والنصف الأخر سلوفاكيا دولة.

وتلك الشرايين تصب في عمق الغيبوبة لتغذيتها بكل العقاقير التي تطيل مدة الغيبوبة لتستمر هي في جني المحصول من أولياء نعمتها.

وما يتكرر في أذهاننا وعقولنا سؤال واحد, لماذا لم يتحقق مطالب المواطن الجنوبي في الانفصال.؟! بعد إخراج بالقوة أبناء المناطق الشمالية, وأصبح الجنوب خالي من أبناء الشمال الذي بني نهضة الجنوب الاقتصادية, الذي كان يرمز لهم بأنهم هم سبب الوباء العقلي والتخبط الفكري الذي أصاب الطبقات السقراطية من أبناء الجنوب. ويطلق عليهم الشعب المتخلف الهمجي والبلاء الذي أصاب البرجوازيين من أبناء الجنوب.

لماذا تم تكميم الأفواه المطالبة بالانفصال.؟! فتحولت المطالبة بالانفصال الي الاحتلال.. أنظروا الي شعوب العالم من حولكم سوف تدركون الي أي مدي وصلتم إلية, قد تستمر الغيبوبة الانفصالية تفصل عقول الجنوب عن مشاعرهم الدنيوية والانسانية, طالما ويجود ساسة لا تفكر سوي بالحصول على الشهرة والمال.

قد لا نستبعد هجوم ناري من إخواننا في الجنوب, وقد نهاجم بشتي الألفاظ وأقذر الكلمات, فلن تكون تلك الكلمات أفضل من كلمة (الانفصال). وقد نلتبس لهم العذر كونهم ما زالوا في غيبوبتهم, ومن كان في غيبوبة ترفع عنة أقلام المبادئ والقيم الاخلاقية حينها نصبح مرغمين على المسامحة.


كتبه: يحيى دعبوش