علي شهاب | لم تكن روسيا في حرب تموز 2006 بقوة حضور روسيا في السنوات الأخيرة، ومع ذلك، كانت تمارس دورها كقبلة للدول و”الجهات” التي تعتمد السلاح الشرقي في بناء قوتها العسكرية.

وبالرغم من أن موسكو، إبّان حرب 2006، كانت تراعي علاقتها مع إسرائيل أكثر مما يظهر (في العلن) الآن، فإن الأوساط المطلعة آنذاك كانت تتناقل أنباء عن “سعادة” الروس بنجاح “حزب الله” في استخدام الأسلحة الروسية المنشأ، وخصوصا الصواريخ المضادة للدروع (كورنيت)، على أفضل وجه ممكن، حتى أن البعض تحدث حينها عن “تهنئة” للمقاومة عبر وسيط ديبلوماسي على المهارات التي أبرزها المقاومون.

إلا أن تلك “السعادة” الروسية، ظلت بعيدة عن الإعلام بفعل طبيعة العلاقة الروسية – الإسرائيلية، وإن ظهرت في أشكال – غير رسمية أو شعبية – عبر آراء خبراء روس في منابر عسكرية متخصصة أو من خلال قرارات تم إتخاذها في المؤسسة العسكرية الروسية نفسها كقرار خفض عدد الدبابات في الجيش الروسي وتقليل الإعتماد عليها في ضوء ما واجهته الدبابات الإسرائيلية في تموز 2006*، وما واجهه الأميركيون في العراق ومن قبل ذلك حلف شمال الأطلسي (الناتو) في يوغوسلافيا.

ومع ذلك، كان يمكن تلمس التحول في الموقف الرسمي الروسي:

يوم السبت في 15 تموز 2006، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن “النهجَ المشتركَ معَ الولاياتِ المتحدةِ هو بلوغِ مرحلةِ ايقافِ الحربِ على لبنانَ وتوفيرِ وضعٍ أمنيٍ مناسبٍ لاسرائيل”.

وبعد 13 يومًا على هذا التصريح، كان وزير الخارجية سيرغي لافروف يدعو إلى تسوية في الشرق الأوسط “بالتنسيق مع حزب الله”.

الأيام الفاصلة بين التصريحين الرسميين في موسكو تختصر الكثير مما يمكن أن توصف به السياسة الروسية في المنعطفات التاريخية. عليك أن تكون قويًا إذا أردت أن تنظر إليك روسيا.

بعد إنخراط روسيا في الحرب السورية، قبل نحو عامين، قيل الكثير عن مظلة الحماية التي يمكن أن تؤمنها موسكو في وجه خصوم سوريا الإقليميين والدوليين.

ولئن كان تقييم هذه “المظلة” يحتاج إلى بحث موضوعي بعيدًا عن الخطاب الإعلامي الساذج الذي يجعل من فلاديمير بوتين “أبو علي”؛ فالمؤكد أيضًا أن حسابات اسرائيل في المنطقة قد تعقدت بفعل العامل الروسي منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها القوات الروسية الأرض السورية.

لو وقعت الحرب غدًا بين إسرائيل و”حزب الله”، أين ستقف روسيا؟

حتى الأمس القريب، كان يمكن لبعض المراقبين الجزم بأن التواجد الروسي في سوريا من شأنه منع قيام حرب جديدة في الشرق الأوسط، لكن تكرار الغارات الإسرائيلية بشكل مختلف عما سبق في سنوات الحرب السورية الأولى يثير أسئلة جديدة حول التموضع الروسي.

التنبؤ بهذا التموضع في حال الحرب يستلزم تفكيك عناصر المصلحة الروسية في حال حصولها؛ ذلك أن وقوع الحرب بحد ذاته يبدو عنصرًا خارج التقديرات الإسرائيلية في الوقت الراهن، عدا عن أن مسار الصراع بالمجمل يقود إلى لحظة صدام غير معلومة التوقيت – مهما طال الزمن – بالنسبة للطرفين الرئيسين فيها: حزب الله وإسرائيل.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى العناصر التالية في المصلحة الروسية:

أولًا، بغض النظر عن التقديرات السياسية، لروسيا مصلحة أكيدة في منع تأثير الحرب على ما أنجزته في سوريا حتى الآن. هنا تبرز الإشكالية الرئيسية بالنسبة لتل أبيب، إذ أنّ كل المعطيات تشير إلى أن أي مواجهة مقبلة “لن تكون حرب لبنان الثالثة، بل حرب الشمال الأولى” بحسب تعبير يوآف ليمور، مراسل القناة الاسرائلية العاشرة قبل أيام. إن توسيع “حزب الله” لرقعة الحرب المفترضة من خلال التحرك في الأراضي السورية يعني بالحد الأدنى مزيدًا من الإستفادة من الدعم السوري. تفكيك هذه الإشكالية يقود إلى أنه يمكن لإسرائيل الإلتزام بسقف روسي – جغرافيًا وعسكريًا – والتركيز على أنّ المعركة هي مع “حزب الله” فقط، علمًا أن هناك مؤشرات من هذا النوع مرّت وتمرّ في أدبيات الحديث الإسرائيلي القلق.

ثانيًا، لروسيا مصلحة أكيدة في عدم اندلاع حرب جديدة في المنطقة، وبالتالي، الحفاظ على “توازن” قوى في الشرق الأوسط كونها تُدرك وزن إسرائيل بالنسبة للدول الغربية عمومًا والولايات المتحدة وحلف “الناتو” خصوصا. تحسب موسكو حسابًا وازنًا بالنسبة لإيران أيضًا؛ الراعي الأول ل”حزب الله”، غير أن الخوض في قياس الكفة الوازنة في حسابات موسكو يتطلب مراجعة لعلاقاتها مع كل من إسرائيل وإيران، وهذا بحث اخر أيضًا يمكن تجاوزه بواسطة الفرضية التالية: لا أحد يريد الحرب ولكن الجميع يستعد لها. إندلاع الحرب في لحظة معينة خارجة عن سيطرة أحد طرفيها الرئيسيين سيضع جميع الدول المعنية أمام واقع قائم، وبالتالي فإن موقف روسيا لن يختلف عن المعهود منها كدولة كبرى تدعو للتسوية والتهدئة في الأيام الأولى، قبل أن تتخذ مواقف أوضح لاحقًا تبعًا لمسار الحرب.

ثالثًا، تتقاطع تقديرات “حزب الله” وإسرائيل، عند شمولية المواجهة المقبلة. هذه المرة لن تحدد إسرائيل أهدافًا متذبذبة لعمليتها العسكرية، كما أن الحزب لن يدعي أنه “انتصر لأنه لم يُهزم”. الإستعدادات للحرب وتطور السياق المؤدي إليها يجعل منها حربًا غير مسبوقة على أكثر من صعيد. يمكن استقراء تطور معادلات الردع في خطاب السيد نصرالله لتوقع ما يمكن أن تلجأ إليه إسرائيل للحسم، لكن التحدي الأول بالنسبة لإسرائيل في هكذا حرب هو في عمق خاصرتها: قدرة الجبهة الداخلية على الصمود، وهي التي لم تُختبر بشكل حقيقي وجدّي أمام هكذا استحقاق في السابق. في هذه المسألة، لن “تحزن” روسيا إذا كرر “حزب الله” فعلته وأبرز كفاءة أسلحة روسية مرةً جديدة بشكل أوسع نطاقًا من تموز 2006. الحديث هنا هذه المرة ليس عن دبابات فقط، بل عن توغل في العمق المحتل وسيطرة على تجمعات عند الحدود فضلًا عن تقنيات ضرورية لشلّ (أو تحييد) منظومات الحرب الإسرائيلية برًا وبحرًا.. وربما جوًا. غير أنّ الإسترسال في تصور هزيمة عسكرية اسرائيلية مع استبعاد الموقف الأميركي في هكذا سيناريو يجعل من الموقف الروسي متوقعًا ومفهومًا في الضغط باتجاه وقف الحرب.

يمكن تعداد عناصر أخرى من عناصر المصلحة الروسية، لكن ما ورد أعلاه يبدو كافيًا في خلاصة القول للإستنتاج بأنّ لموسكو مصلحة في أن تُعزز موقعها الإقليمي والدولي في مساحة وسطية بين طرفي الصراع إذا ما اندلعت الحرب بينهما.

من ضمن الأسطول الروسي الذي يتناوب على الخدمة قبالة السواحل الشرقية لسوريا، هناك سفينة نووية تدعى “بطرس الأكبر”. يبلغ طولها 252 مترًا وإرتفاعها 59 مترًا، وهي تحمل 655 بحارًا وقادرة على حمل أكثر من 25 ألف طن مدفوعة بمفاعل نووي يُشغلها.

لا يظننّ أحد أن دولة بهذا المستوى من الحضور تقودها الأهواء.


كتبه: صحيفة الإتحاد