أكد الخبير السياسي التركماني “مهدي البياتي” على أن بارزاني يجني حصيلة إعتماده على دول المعادية للعراق، سيما إسرائيل، مشيرا الى ما أحدثته الاحزاب الكردية من شرخ بين التركمان والأكراد، رغم العلاقات الإجتماعية المتينة التي تربط بين هذين المكونين ، عقب محاولتها لتكريد كركوك، على غرار سياسات حكومة نظام البعث البائد، رغم ما يشهد به التاريخ على ان أغلبية مكون التركماني على محافظة كركوك، سكانيا وثقاقيا وتراثيا.

مرارة بالغة تخللت خطاب التنحي لمسعود بارزاني بإبلاغه برلمان الإقليم رفضه لتمديد ولايته أو تجديدها، إذ إتهم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بالخيانة معرباً عن تفاجئه بالصمت التي التزمت به الولايات المتحدة حيال تقدم القوات العراقية وإستعادتها لكركوك، حيث وصف بارزاني هذه الخطوة الأمريكية بالحملة الشرسة ضد الشعب الكردي تشبه بمعاقبته.

هناك أسئلة كثيرة تراودت الى الأذهان منها؛ هل التنحي ينتج عن خطأ ارتكبه بارزاني في حساباته الإقليمية والدولية والداخلية، أم إنه جاء نتيجة خديعة تعرض لها؟! وكيف سينعكس تنحي بارزاني والمواقف التي أعلنها في الأزمة القائمة بين السلطات الكردية والحكومة المركزية في بغداد، سيما مع ارتفاع الأصوات الكردية الرافضة لأي تصادم مع بغداد؟!

وفي هذا السياق أجرت برس شيعة حوارا مع الخبير السياسي ونائب رئيس مؤسسة انقاذ التركمان “مهدي البياتي”. فيما يلي نص الحوار :

س: ما هو عدد سكان كركوك؟ واي نسبة منهم تركمان؟ بينما تعتقد الجهات الكردية ان معظم سكان كركوك من الاكراد…

ج: وفقاً للمعلومات التاريخية والسجلات الاحصائية، فان كركوك ذات هوية تركمانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأن كل ما في المدينة من ثقافة ولغة وأدب وموسيقى تشير إلى تركمانيتها، حيث تعرضت كركوك لتغيير ديمغرافي من خلال توطين الأكراد والعرب بالمدينة بعد الحرب العالمية الأولى بعد معرفتهم ان التركمان يشكلون الأغلبية في كركوك والمناطق اخرى.

واثبتت ذلك بالمصادر الرسمية وبالاحصاءات وخصوصا اخر احصائية رسمية في العراق عام ١٩٥٧ اكدت باغلبية التركمان في كركوك؛  لكن سياسة الكرد بعد ٢٠٠٣ كانت مرسومة على اساس تغيير ديمغرافية المحافظة و لدينا إحصاءات وبيانات رسمية تشير الى ادخال الكرد الى المحافظة بقرابة ٥٠٠ الف كردي اسكنوا في كركوك وسجلوا ببيانات رسمية كنفوس كركوكيين اصلاء بفضل محافظه المقال نجم الدين كريم والاحزاب الكردية واقصاء  وتهميش التركمان ادارياً وخصوصا في المناصب الادارية للاجهزة الامنية والادارية والسياسية وهذا ما غير ملامح المحافظة من التركمانية الى الكردية. 

س: كيف ترى علاقة التركمان في كركوك مع الكرد بشكل عام والحزبين الإتحاد الديمقراطي والإتحاد الوطني بالتحديد؟

ج: طالما ربط التركمان علاقات اجتماعية متينة مع الكرد لكن سياسياً لم يكن كذلك، لأن الأحزاب الكردية وضعت شرخا كبيرا  بسبب سياسة فرض الامر الواقع على بقية القوميات وادارة المحافظة من قبلهم فقط دون مشاركة الاخرين، فضلا عن قيام الاحزاب الكردية بتكرار سياسة “حزب البعث” في تكريد المناطق التركمانية وتغيير ديمغرافيتها بشكل مشابه تماماً لسياسة الاخير بتعريبها قبل ٢٠٠٣.

س: هل يرحب التركمان بسيطرة القوات العراقية التابعة للحكومة المركزية على أراضي كركوك كافة؟

ج: بالتاكيد رحبوا التركمان بذلك، لانهم ومنذ عام ٢٠٠٣ طالبوا بفرض سلطة وارادة الحكومة الاتحادية وقوتها في كركوك وطوزخورماتو والمناطق المختلفة عليها.

مواقف الحكومة الاتحادية كانت غير جدية  بل نستطيع القول انها غائبة تماماً، حيث تُرك التركمان وبقية المكونات في شمال العراق وحدهم ان يصارعوا مصيرهم؛ تعرضوا الى ابشع انواع الاعتداءات والانتهاكات بيد الجماعات الارهابية والميليشيات والعصابات الكردية المنفلتة بالاعتداء على الاراضي والممتلكات الخاصة بالتركمان، ناهيك عن قيام تلك الجماعات بقتل واختطاف شخصيات تركمانية سياسية واكاديمية.

س: كيف ترى علاقات تركمان العراق مع ايران؟ وما هي القواسم المشترك التي تربط التركمان بايران بمختلف ثقافاتها وقومياتها؟

ج: دوماً نقول ان مصير التركمان في العراق سياسياً مرتبط بدولتين جارتين وهما (تركيا وايران). يربطنا معهم روابط اجتماعية وثقافية قومية ودينية عديدة وهذا ما يعزز موقف التركمان في داخل العراق كمصدر قوة.

فعلاقتنا جيدة جدا مع الجارة ايران وهي دوماً تقف الى جانب العراق وتدعمه في مواقفه السياسية والامنية بشكل عام، ولكن نرى اشقاءنا الإيرانيون مقصرين معنا كتركمان رغم الروابط والقواسم المشتركة فيما بيننا، لذلك نطالبهم بالوقوف الى جانب التركمان في العراق بشكل رسمي ويعلنوها رسمياً بدعم موقفهم سياسياً على مستوى العراق والمنطقة وفضلا عن اقناع حلفائهم الكرد بضرورة اعادة النظر في سياستهم الاقصائية ضد التركمان بمحافظة كركوك وبقية المناطق التركمانية في العراق.

س: كيف ساهم الإستفتاء في تنحي بارزاني عن زعامة الكرد؟

ج: إن الاستفتاء عَقَّد بدرجةٍ كبيرةٍ العلاقات بين حكومة بغداد وأربيل والدول المجاورة. بالرغم من ان المحكمة الاتحادية قررت حينها بعدم قانونية  إجراء الاستفتاء لعدم توافقه مع دستور البلاد وفضلا عن رفض الحكومة الإتحادية والبرلمان العراقي، وكانت المؤشرات تشير الى كون الاستفتاء ضد  مصلحة الأكراد سياسيًا و اقتصاديًا و قوميًا. لكن بارزاني لم يأخذ القرارات والمواقف الحكومة الاتحادية ومواقف بعض الدول الغربية والاقليمية بعين الإعتبار،غم مطالبتهم بتأجيل او الغاء الاستفتاء ومنها ايران وتركيا والسعودية وأمريكا وبعض الدول الغربية وانما أصر على اجرائه لذلك فشله كان متوقعاً وتنحيه جاء نتيجة حتمية ونهاية وحيدة وباقل الخسائر لشخصه وعائلته المتورطة  بملفات الفساد الكبيرة من الواردات النفطية والمنافذ الحدودية وغيرها .

س: ما تعليقكم على إتهام بارزاني للحزب الإتحاد الوطني بالخيانة؟ ما هي أبعاد الخيانة التي تحدث عنها؟

ج: مواقف قيادة حزب الاتحاد الوطني على الرغم من اختلاف التوجهات في داخل الحزب، كانت أكثر توافقا مع الحكومة الاتحادية بسبب سيطرة مسعود بارزاني على كل شيء في الاقليم بل حتى تحكمه في قرارات الاتحاد الوطني من خلال استقطاب بعض قياداته. توجه حزب الإتحاد الوطني نحو الحكومة الاتحادية كان طبيعي لحماية وجودهم السياسي وكذلك توجيه افرادهم في صفوف قيادات البيشمركة بعدم الوقوف امام القوات العراقية الاتحادية والانسحاب، لانه خلاف ذلك سيكون اشبه بالانتحار لهم امام هذه الجيوش الجرارة التي اتت وبدعم دستوري وتاييد شعبي ودولي من اجل ضبط الامن في المناطق المختلطة.

وهذا الأمر تم استغلاله من قبل  بارزاني وانصاره بالحزب الديمقراطي الكردستاني لتبرير فشلهم عبر القاء اللوم على الطرف الاخر واعتبار ماجرى  “خيانة” في نظرهم. واعتقد ان تداعيات ذلك  سيولد نوعاً من الصراع على السلطة بين الاحزاب الكردية وفقدان وحدة الصف الكردي سياسياً واحتماعياً. 

س: هل بارزاني يحاول الهروب من الإعتراف بخطأه في حساباته أم أنه تعرض للخديعة؟

ج: بارزاني لم يكن يوماً من الايام صادقاً مع بغداد ولم ينصت للحكومة الاتحادية، بل اخذ من دول معادية للعراق حليفاً لتنفيذ مخططاته الشخصية واجنداتهم التقسيمية وعمل بها وفق المعمول وبالاخص مع إسرائيل وبعض الدول الغربية، لذلك انه اخطا بحساباته للاعتماد على هؤلاء الحلفاء ولم يجني منهم اي نفع بل عرض مصالح الكرد في الاقليم الى خسارة كبيرة لم يفعله أسلافه. لذلك نتائج قرار الانفصال والاسفتاء الغير الدستوري كان عقاباً قاسياً له لتمرده على العراق.  

س: كيف تقيم تداعيات قرار بارزاني في اجراء الاستفتاء؟

ج: ان اصرار مسعود بارزاني باجراء الاستفتاء صعد نجمه بين اشقائه الاكراد واعتُبر آنذاك “بطلاً قومياً” لأيام معدودة قبيل اجرائه وخاصة في اربيل وكركوك، فانه فعلا نجح بلعب الدور البطولي واثارة  مشاعر الكرد بتحقيق حلمهم في  “الانفصال” وتأسيس دولتهم لطالما وصفه معارضه من الاتحاد الوطني وحركة التغيير باضغاث أحلام .

فاليوم ينتظر الاقليم مستقبل غامض نتيجة تصرف برزاني الشخصي وربما ان تداعياته سيؤدي الى معركة داخلية متوقعة (كردية – كردية) وخصوصا بعد تصعيد سياسي في برلمان اقليم كردستان العراق، على خلفية قراءة رسالته التحريضية للتنحي عن السلطة بعد تعرض مصالحه للزوال.

س: بالنظر للخلافات الكردية-الكردية لاسيما بين الحزبين الديمقراطي والوطني الذي تبلورت أخيرا في خطاب بارزاني، هل ترى مجالا للحديث عن الإنفصال؟ هل من  الممكن أن يتم الغاء نتائج الإستفتاء كشرط للحوار مع بغداد أم تكتفي السطة بتجميد نتائج الاستفتاء؟

ج:اعتقد بان الكرد بعد اليوم من الصعب ان يفكروا في الانفصال عن العراق بظل موقف الحكومة الاتحادية الرافض له ولنتائجه منذ البداية، لذلك الحكومة وضعت شرطاً اساسياً للحوار وهو الغاء نتائج الاستفتاء تماماً وليس بتأجيله. /انتهى/

أجرت الحوار: مريم معمارزاده