زهير أندراوس | يعتقد الكثير من المُحللين الإسرائيليين للشؤون الأمنيّة والعسكريّة أنّ خطأً في الحسابات (Miscalculation) من قبل صنّاع القرار في تل أبيب أوْ دمشق، أوْ طهران وحتى في العاصمة اللبنانيّة، بيروت، قد يقود إلى حرب الشمال الأولى، دون أنْ يكون الأطراف معنيون باندلاعها.

بالإضافة إلى ذلك، يُشدّد المُحلّلون في الدولة العبريّة على أنّ التصريحات الناريّة التي أطلقها في الفترة الأخيرة العديد من المسؤولين السياسيين والأمنيين في تل أبيب، قد تُفهم خطأً من قبل الطرف الثاني، الذي قد يُفسّرها على أنّها توطئة لشنّ حربٍ جديدةٍ في الشمال، وبحسبهم، فإنّه خلافًا للحروب السابقة على هذه الجبهة، فإنّ المُواجهة القادمة “حرب الشمال الأولى” لن تكون ضدّ حزب الله اللبنانيّ فقط، بل ستشمل لبنان أيضًا، الذي تتهّم إسرائيل جيشه بأنّه بات ذراعًا لحزب الله ويأتمر بأوامر السيّد حسن نصر الله، كما أنّ سوريّة، التي تتعافى بصورةٍ مُشجعّةٍ، وإيران أيضًا، قد يكونوا أطرافًا في الحرب، التي يأمل المُحلّلون أنفسه بألّا تندلع.

رئيس مجلس الأمن القوميّ الإسرائيليّ الأسبق، الجنرال احتياط غيورا آيلاند، نشر اليوم الأحد مقالاً في صحيفة (يديعوت أحرونوت) تناول فيه أهّم التحدّيات التي تقف أمام دولة الاحتلال، برأيه، الأوّل والأسهل هو قيام قادة تل أبيب بإعطاء المُبررات والمُسوغات لحرب لبنان الثالثة، أمّا الثاني والأصعب، بحسبه، حضّ واشنطن على التوصّل إلى صفقةٍ سياسيّةٍ مع روسيا تضمن عدم وجود قوّاتٍ أجنبيّةٍ على الأراضي السوريّة، على حدّ تعبيره.

وبحسب المُحلّل للشؤون العسكريّة في القناة العاشرة بالتلفزيون العبريّ، يوآف ليمور، فقد ارتفع التوتر في الشمال هذا الأسبوع درجة، مُضيفًا في الوقت عينه وإنْ كانت صغيرةً، تكاد لا ترى، إلّا أنّه مع ذلك نجد أنّ الطرفين واصلا المسيرة البطيئة من التصعيد الذي من شأنه أنْ يدهورهما في نهاية المطاف إلى حرب الشمال الأولى، على حدّ تعبيره.

الكشف عن تفاصيل الحاج هاشم، الذي تزعم إسرائيل أنّه مسؤول حزب الله عن جبهة الشمال في سوريّة، أضاف المُحلّل ليمور، كان المقدّمة لما يختبىء خلفها: النشاط الكبير لما أسماه بالمحور الشيعي في جنوب سوريّة، وبرأيهـ إسرائيل سعت إلى أنْ تقول من خلال ذلك إنّها في هذه اللحظة تكتفي بالمتابعة، ولكن لصبرها حدود. وعندما يُضاف إلى هذا بعض الأمور الأخرى التي قيلت هذا الأسبوع، تابع ليمور، من نتنياهو الذي وضع النشاط الإيرانيّ في سوريّة على رأس سلم التهديدات الأمنية، وحتى ليبرمان الذي قال إنّ إسرائيل ستعرف كيف تعالج هذا التهديد وحدها، فإنّ هذه الرسالة تتضح أكثر فأكثر.

وبرأيه، فإنّه يتحتّم توجيه السؤال: لِمَ اختارت إسرائيل أنْ تنقل إلى الحاج هاشم رسالة بالكلمات لا بالصواريخ، لافتًا إلى أنّه إذا كان بالفعل شخصيةً مركزيةً في الشبكة التي يقيمها حزب الله وإيران جنوب دمشق، على بوابة الحدود في الجولان، فلِمَ لا تقتله مثلما قتلت سلفه، جهاد مغنية وسمير قنطار، اللذين عُزيت تصفيتهما لإسرائيل. وشدّدّ المُحلّل الإسرائيليّ على أنّ رفع الستارة عن شخصية ظلال كهذه، في هذا الوقت، له معنى واحد: حياته في خطر.

وأشار في معرض ردّه على التساؤل إلى أنّ الجواب مزدوج، الخوف من التصعيد في الشمال، والرغبة في إثارة العالم للعمل. القسم الأول يعتمد على ردّ حزب الله على الحالتين السابقتين، اللتين اتهم فيهما إسرائيل بتصفية رجاله. على مغنية ردّ بنار الصواريخ نحو قوة جفعاتي التي قتل فيها ضابط وجندي، وعلى قنطار اكتفى بزرع ساحة عبوات لم تلحق ضررًا.

وأشار ليمور إلى أنّ الكثيرين في إسرائيل يعتقدون بأنّ ليس فقط إيران، سوريّة وحزب الله، بل إسرائيل نفسها أيضًا تسير هنا على حبل دقيق، فوزير الأمن السابق موشيه يعلون والجنرال في الاحتياط عميرام لفين حذّرا الأسبوع الماضي صراحةً من أنّ الهذر الزائد خطير، لأنّ المستوى فيه يزيد من تصريح إلى تصريح ومن شأنه أنْ يتدهور في أقرب وقتٍ ممكنٍ إلى أعمال سيكون من الصعب منعها.

وشدّدّ ليمور على أنّه لو فرضنا أنّه من المشكوك أنْ يكون أحد ما في إسرائيل يريد التصعيد، بالتأكيد ليس الحرب، فمن الجدير التعبير عن الاستغراب من الحاجة التي لا يمكن التحكم بها للحديث بهذه الكثرة الزائدة، بحسب تعبيره.

إسرائيل، يجب التأكيد، لا يُمكنها بأيّ حالٍ من الأحوال، أنْ تستمّر في التعايش مع تهديد حزب الله الصاروخيّ، خصوصًا وأنّ ترسانته العسكريّة، كمًا ونوعًا، باتت خطيرةً جدًا، وبإمكان الحزب ضربّ أيّ بقعة في إسرائيل، وذلك باعتراف من قادة دولة الاحتلال، علاوةً على إلحاق الأضرار البشريّة والماديّة في حال اندلاع حربٍ، ولكن ما يقُضّ مضاجع أركان تل أبيب هو القول والفصل إنّ حزب الله يتعاظم ويُراكم خبراته القتاليّة، الأمر الذي دفع القادة الأمنيين في الدولة العبريّة بتسميته: الجيش الثاني من حيث القوّة العسكريّة، وبالتالي على المُستوى الإستراتيجيّ إسرائيل لن تتحمّل هذا التهديد، وستسعى إلى حسم المعركة، مع لمها التّام أنّ هذه المُهمّة، على ضوء المُستجدّات الأخيرة، باتت صعبةً جدًا، إنْ لم تكُن مستحيلةً.


كتبه: صحيفة رأي اليوم