إيهاب زكي | إنّ التهويل الذي يمارسه الإعلام المتصهين بالنفط حول الشمال السوري، وأنّ الأكراد انتزعوا دولتهم واستقرت لهم، وأنّ سوريا أصبحت شعوبًا وقبائل ودويلات بقوة الأمر الواقع وإرادة الرَّب الأمريكي، لا يستحق أكثر من سطرين في منشور “فيسبوكي”، وإذا كنّا كتبنا من قبل بعض شذراتٍ عن خلفيات ومآلات المشروع الكردي، ونضيف هذه الأسطر في هذه المقدمة، فمرَدّ ذلك كوننا مدمني كتابة أولًا، ومغبونين بنعمة الفراغ ثانيًا، وخلاصة ما كتبنا أنّ الأمر لا يعدو كونه تعبيرًا عن النزع الأخير للمشروع التقسيمي، وبالنسبة للإنفصاليين فلو كنت أعرف ترجمة “ندمان يا سيدي” بالكردية لاكتفيت بها عنوانًا ومتنًا وخاتمة، ونتائج تقرير اللجنة الأممية للتحقيق باستخدام الأسلحة الكيماوية في خان شيخون، والتي لم تشذُّ عن المتوقع حيث اتهمت “النظام” السوري باستخدامها، هذه الخلاصة على تفاهتها وانعدام مترتباتها على الميدان السوري، ونتيجتها السياسية صفر مكعب، هي أخطر بكثير من المشروع الأمريكي عبر الكرد والتمدد الأمريكي عبر الكرد والوهم الكردي، فإذا كان الصفر المكعب أخطر من المشروع الأمريكي عبر الكرد، فما هو حال هذا المشروع.

إنّ الولايات المتحدة تحاول من خلال هذه الأوراق إن كانت كردية أو أممية، تحاول ابتزاز محور دمشق سياسيًا لتجنب مواجهة مباشرة، تدرك واشنطن كما “إسرائيل” أنّها ليست في متناول النصر، ولكنها أوراق ستُحرق سريعًا وليس على نارٍ هادئة كما حدث مع داعش، ولكن هشاشة هذه الأوراق لا يعني الإحجام الأمريكي عن استخدامها، فهي بكل الأحوال أقل كلفةً من الصدام المباشر، لأنّ زوال “إسرائيل” سيكون أحد نتائجه الحتمية، وما أشار إليه حمد بن جاسم في لقائه التلفزيوني بعبارة “الصيدة فلتت”، -وهو كلام مكرر لـ بن جاسم باختلاف الألفاظ عام 2016- يقطع باليقين أنّ سوريا نجت من قطعان الذئاب “المتهاوشة”، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ هذا الحمد لا ينطق إلّا عن الهوى الأمريكي، نستطيع الجزم أنّ الممارسات الأمريكية هي للابتزاز السياسي فقط، وليس لها أيّ مفاعيل ميدانية، فليس للولايات المتحدة القدرة على حماية رغباتها، وما جرى في كركوك أحد الأدلة وأبلجها، ولكن المختلف هذه المرة أنّ ما سمّاه التهاوش مع السعودية عام 2016، كان على مقعد القيادة، أما التهاوش الذي قصده عام 2017 هو على مصير الأسد، ففي لقائه عام 2016 مع “الفاينانشال تايمز” قال بأنّه “كان الاتفاق مع السعودية في سوريا أن نقود نحن، ثم حصل تغيير في السياسة، ولم تخبرنا الرياض أنها تريدنا في المقعد الخلفي، وبدأ التنافس وهذا لم يكن صحيًا”، وهو بهذا التكرار يؤكد لأمريكا أنّ الفشل القطري في الملف السوري، والذي كان سببًا في تسليمه للسعودية، فإنّ الفشل السعودي مضاعف ومتراكم.

ما يقوله بن جاسم عن تغيير الموقف السعودي من الواضح أنّه يرمي لما بعد الأزمة القطرية، فالتهاوش العلني أقله حدث بعد اندلاعها، والتغيير تجاه الأسد كانت قطر أولى به من السعودية، حيث هي من سارعت لطرق أبواب طهران حليف الأسد الأوثق لا السعودية، فكان الأجدر بـ بن جاسم توجيه العتب واللوم إلى أمريكا التي أمرت السعودية بالتغيير وأخفت ذلك عن مشيخته، وقد يرجع تجاهله لأمريكا وعتبه على السعودية رغم معرفته بتبعيتهما، أنّ أمريكا في عُرف هؤلاء تسأل ولا تُسأل، وقد يكون سبب هذا الإخفاء الأمريكي عن قطر، أنّها تراهن على الكرد بما يتطلب تهميشًا مؤقتًا لقطر القريبة من أردوغان، وإعلاءً للشأن السعودي في وجه التحالف التركي القطري، فزيارة السبهان للرقة تحت ظل العلم الانفصالي يستفز أردوغان أيضًا، والخلاف السعودي التركي هو ذاته الخلاف السعودي القطري، كلاهما تحت سقف المصالح الأمريكية، واللافت أنّه بالتزامن مع تصريحات بن جاسم عن القبول السعودي-الأمريكي- ببقاء الرئيس الأسد، يخرج وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون بتصريح يذكرنا بمعزوفة الأيام المعدودة البالية، وأشك إن كان البناء التحليلي على هذا التصريح سيكون رصينًا، ولكن يبدو أنّه بذات الأهمية للأوهام الكردية استباقًا لجنيف، وفي أحسن الأحوال فإنّ الوزير الأمريكي يحاول ضمان تقاعد مريح من الخزينة السعودية أو القطرية أو كلاهما، فهو يرى بأمِّ العين الثراء المستحدث لشخصياتٍ إعلامية وفكرية في بلاده نتيجة التهاوش السعودي القطري، كما قال بن جاسم “الأزمة القطرية صنعت انتعاش اقتصادي في واشنطن”، ولكن يبقى السؤال عن دوافع هذا الشاهد على أهم مراحل تاريخ المنطقة المعاصر، حتى يقوم بتقديم جزء من شهادته الآن.

إجترح الإعلام السعودي مصطلح “تنظيم الحمدين” كناية عن حمد بن خليفة وحمد بن جاسم آل ثاني، وأنهما من يديران العاصفة السعودية ضد قطر، فالغر تميم لا يمتلك المقومات لذلك، فيخرج حمد بن جاسم ليضع الملح على جرح الفشل السعودي فيزداد تهيجًا وتستمر الأزمة بتفاقم، واستمرارها مصلحة أمريكية، وإلّا فإنّ أيّ موظف في الخارجية الأمريكية يستطيع بمجرد مهاتفة عقد قمة قطرية سعودية بعدها بنصف ساعة، كما أنّ بن جاسم تحدث كمسؤول حالي وليس خارج الخدمة، حين قال “لا مشكلة لدينا مع بشار الأسد فقد كان صديقنا”، وهذا ما قد يكون رسالة للسعودية وسوريا في آن، فإذا كانت السعودية تسعى لتشكيل هيئة تفاوضية خالية من الدسم القطري، فإنّ بن جاسم يحاول أن يقول للسعودية نحن سنراهن على الحكومة السورية دون الحاجة لمعارضة مستهلكة ومتهالكة، وهذا يتطلب رسالة للأسد فحواها ألّا مشكلة بيننا فنحن أصدقاء قدامى، ولكن في ظنّي أنّ الرسالة التي وصلت للشعب السوري، هي اعترافات مجرم تودي به لمنصة الإعدام لا كرسيّ الاعتراف المؤدي للتوبة


كتبه: موقع بيروت بريس