ناصر قنديل | يظنّ الكثير من اللبنانيين أن ثمة غطاءً سحرياً يمنع انفجار بلدهم، وأن القرار الدولي الإقليمي الذي أتاح فرصة التسوية الرئاسية فالحكومية يشكل مانعاً دون تحول العبث السياسي إلى مشروع انفجار يخرج عن السيطرة، ولذلك يستسهل بعض السياسيين اللعب فوق الأوتار المشدودة ويذهبون إلى حافة الهاوية في اللعبة واثقين أن كل شيء سيبقى تحت السيطرة، بينما ينظرون إلى التصعيد الإقليمي والدولي الذي يستهدف المقاومة بصفته موجات لن تصل حد تهديد الاستقرار اللبناني.

– هذا النوم على حرير يكذبه واقع الاستعصاء الذي بلغه المشروع الأميركي في المنطقة، والذي سمح بالتسويات اللبنانية وشجّع عليها تحت شعار الخشية من أن يؤدي المزيد من استفزاز حزب الله إلى دفعه لوضع يده على البلد الذي يرغب الأميركيون ببقائه ساحة للرسائل الإقليمية نحو المواجهات والتسويات، لكن بعدما بلغ كل شيء مداه، وصار ثابتاً أن ليس بمستطاع الأميركي الذهاب لتحدي إيران في مواجهة مباشرة، وقد جاءت نتائج التجاذب حول ملفها النووي تقول بالحذر الأميركي من بلوغ طريق اللاعودة، وجاءت تجربة انفصال كردستان العراق والحركة الهجومية الإيرانية تقول إن واشنطن لا تجرؤ على الذهاب بعيداً في تحدّي طهران، وبعدما بلغ «الإسرائيلي» اليقين من الفشل في إبعاد موسكو عن حلفها مع إيران وحزب الله في سورية، بما يحقق قدراً من الأمان «الإسرائيلي»، وبعدما تيقنت «إسرائيل» من عجزها عن خوض حرب مباشرة على حزب الله، وبعدما لمس السعوديون حجم المعادلات الثقيلة التي تحكم الواقعين العراقي والسوري، بما يجعل الطريق لرهانات التغيير مسدودة، صار لبنان ساحة وحيدة لمواجهة حزب الله، بعدما صار الهجوم على حزب الله اتجاهاً أحادياً للمواجهة مع محور المقاومة.

– لا يمكن النظر للنشاط المحموم الذي تشهده الساحة السياسية والشعبية المحيطة بحزب الله نظرة بريئة، ولا تصوّر ما سيجري فيها بدعم ظاهر لحالة معادية لحزب الله، إعلامياً على الأقل، بصفته مصادفات محضة، ولا للتصريحات الأميركية والسعودية، خصوصاً التي تضع العلاقة مع حزب الله في موقع الجرم الذي يستحق العقاب.

والمقصود ليس حلفاء حزب الله، بل حلفاء أميركا والسعودية الذين يبررون التعاطي السلطوي المشترك مع حزب الله بضرورات الاستقرار، فليس خافياً أن تصريحات الوزير السعودي ثامر السبهان تستهدف شراكة الرئيس سعد الحريري في الحكومة مع حزب الله ومضمون التسوية التي تظلل لبنان، ولا يجوز أن يكون خافياً ان العقوبات الأميركية تستهدف النظام المصرفي اللبناني، وحيث يقف حاكم مصرف لبنان للتخفيف من وطأتها تخرج جماعة واشنطن لشنّ الهجوم عليه بعدما كان من المحرّمات الممنوع المساس بها، ولا يجوز أن يستهين أحد بما ظهر وما قد يظهر من تصنيع لأحداث تصادمية مع شرائح من البيئة التي يعيش حزب الله في حضنها، تحت شعار بسط القانون وسيطرة الدولة، كما جرى في حي السلم، لتصعيد المواجهة بين حزب الله وفئات من هذا الجمهور التي لم تعُد الحياة تطاق بالنسبة إليها.

– كل شيء يقول من حولنا إن القرار الأميركي السعودي سيبقى يضغط على العهد من جهة والقطاع المصرفي من جهة ثانية، ورئيس الحكومة من جهة ثالثة، وأدوات الضغط متاحة داخل الحكومة وخارجها، حتى ينفرط عقد البلد وليس عقد التسوية الداخلية فقط، وأن ابتزاز حزب الله باسم الاستقرار لتجريده من ناسه سيقابله ابتزاز حزب الله باسم مصالح الناس لدفعه للمواجهة، وغداً ستكون قضية العلاقة بسورية من بوابة عودة النازحين أو سواها مدخلاً لتفجير، أو ذريعة فرض القانون في منطقة من الضاحية أو البقاع أو الجنوب، أو قضية العقوبات الأميركية والقطاع المصرفي، مدخلاً لتصادم يكبر فجأة ليهدد الاستقرار الحكومي، وسيزيّن البعض للرئيس الحريري أن خوض الانتخابات من خارج الحكم أفضل للفوز بها، لأن القضية صارت كيف يمكن شنّ حرب على لبنان بالضغوط المالية والسياسية بهدف إضعاف المقاومة وتحميلها مسؤولية التبعات.

– قضية حبيب الشرتوني وقضية حي السلم تكشفان عيّنات من الابتزاز الذي ستتعرّض له المقاومة باسم الحفاظ على الاستقرار، والحبل على الجرار، والمطلوب واحد رفض الابتزاز ووضع الآخرين بين خيارَيْ المضي في تسوية شريفة نزيهة أو الخروج المبكر منها، وليكن ما يكون.