محمد زيّات | بعد اكثر من مئة عدوان اسرائيلي على سوريا، نُفذت جوا في خلال خمس سنوات تحت ستار «استهداف قوافل الصواريخ المنقولة من سوريا الى حزب الله في لبنان»، دخلت الحرب الدائرة بين «حزب الله» والاسرائيليين على الجبهة السورية مرحلة متصاعدة ومتقدمة من السخونة… يرسم كل طرف فيها سبل تحسين ظروف موازين القوى او تعديل قواعد الاشتباك، لكن الصدمة الاسرائيلية التي ولَّدتها نيران الصواريخ التي اطلقت باتجاه الطائرات الاسرائيلية في اجواء لبنان، رسمت اولى خيوط المعادلة الجديدة…

ولو كلف الامر تجاوز الصواريخ الحدود السورية، مثلما حصل قبل ايام، فـ «الحادث» الصاروخي في اجواء لبنان، الذي اعتبره الاسرائيليون انه «استفزاز سوري استهدف طلعات جوية روتينية… في الاجواء اللبنانية»!. اعاد الى الاذهان تدرج المسار الذي بلغته المعادلات التي كانت قائمة بين «حزب الله» والاحتلال الاسرائيلي على جبهة الجنوب، بعد نجاح المقاومة اللبنانية و«حزب الله» من فرض قواعد جديدة، وبالتالي، فان الواقع الميداني الجديد في سوريا… هو من دفع بالسوريين الى حسم ملف الاستهدافات الجوية الاسرائيلية، في اتجاه التصدي.

فهل استحق الرد السوري على الاعتداءات الجوية الاسرائيلية المتواصلة منذ اكثر من ست سنوات… «في الزمان والمكان المناسبين»؟ وهل اجواء لبنان باتت من الامكنة المناسبة للرد… من خلال تصدي منظومة صواريخ ارض ـ جو سورية لطائرات معادية اسرائيلية قبل ايام؟ وماذا عن الدلالات والرسائل الساخنة التي حملتها معها الصواريخ الى الاجواء اللبنانية؟ في وقت بدأ الاسرائيليون يفككون «شيفرة» الرسالة ذات العيار الثقيل، والتي اشارت الى جهوزية دمشق وشبكات صواريخها الدفاعية التي اُعيد تأهيلها وتطويرها، في وجه اي عدوان على سوريا، وبالتزامن مع خروجها من دائرة الخطر في الداخل، وتعاظم الدور الايراني في المنطقة وتنامي قدرات «حزب الله»، بعد انجازات عسكرية حققها في الميدان السوري على مدى السنوات الخمس الماضية، بالانتصارات العسكرية التي حققتها سوريا ومعها «حزب الله»… وتحضر «ملائكتها» بقوة .. عند تخوم الجولان السوري المحتل والجنوب السوري… لترتسم جبهة متكاملة مع جبهة الجنوب اللبناني.

طائراتهم باتت مطاردة .. مشهد لم يألفه الاسرائيليون

عن المشهد غير المألوف الذي شهدته الاجواء اللبنانية، يقرأ متابعون للتطورات الاخيرة الحاصلة في المنطقة، وبكثير من السخرية يقولون… لقد «نجت» سوريا من مطالبة اخصامها في لبنان، بتقديم شكوى الى مجلس الامن الدولي، بسبب «الانتهاك» الصاروخي للاجواء اللبنانية! فيما التزموا الصمت وتعاملوا مع تحليق الطيران الاسرائيلي مسألة روتينية ايضا لا تستدعي رفع الصوت، في مشهد يؤشر لغياب رسمي لبناني فاضح عنه، وثمة من يسأل… هل تتجه الامور بالنسبة الى سوريا و«حزب الله» نحو تغيير قواعد اللعبة… وبغطاء روسي هذه المرة؟ لطي صفحة الاستهدافات الجوية الاسرائيلية لسوريا؟، في الحسابات الاسرائيلية فان استهداف «حزب الله» في سوريا يحمل دلالات لا يحملها استهدافه في لبنان، انطلاقا من ان ما يجري في الضفة السورية من الجولان قبالة الجولان السوري المحتل، يُنذر بتطورات مستقبلية غير مرغوب بها اسرائيليا.

وما يقرأه الاسرائيليون في الانجازات العسكرية الحاصلة على جبهات القتال في سوريا، والتي حققتها سوريا وحليفها «حزب الله»… بدعم روسي مباشر تُرجِم بدخول عسكري قوي لم يكن متوقعا في معسكري حلفاء سوريا واعدائها، غير مشجع ولا يدعو الى التفاؤل!، وما لم يتوقعه الاسرائيليون في سوريا حدث، وما كان غائبا عن حساباتهم بات واقعا، فالاسرائيليون باتوا امام حقيقة انه يمكن لطائراتهم من اليوم فصاعدا، ان تكون مطاردة من شبكات الصواريخ السورية .. ولو في الاجواء اللبنانية التي قالوا عنها انها «اجواء آمنة وتصلح لحقل مناورات جوية!»، وبالرغم من وصف بعض الجهات الاقليمية والدولية ما جرى، على انه نوع من الاحتكاكات المضبوطة، الا ان القراءة المنطقية للواقع تُقِر بالرسائل الساخنة التي حملتها معها الصواريخ المنطلقة من ضواحي دمشق والقادرة على بلوغ الساحل اللبناني، فالمشهد الاقليمي ..بعد المواجهة السورية ـ الاسرائيلية، يوحي بوصول التخبط الاسرائيلي الى منسوب اعلى مما كان عليه قبل سلسلة من معارك الحسم خاضتها سوريا مع حلفائها في الداخل وعلى جبهات الجنوب السوري، ما اشعر الاسرائيليين باخفاقات… بعد سقوط الرهان بسقوط نظام الرئيس بشار الاسد، فالاسرائيليون هالهم حجم الجدية التي اظهرتها سوريا في التعامل مع العدوان الاسرائيلي الاخير، وراحوا يغرقون في تفسير ما حصل على انه اشارة عن رغبة ستسعى سوريا و«حزب الله» الى تكريسها، في اسقاط الحدود الجوية مع لبنان في اي حرب مقبلة، وهو امر سيحدث «انقلابا» في المعادلات والموازين.

اكثَرَ المحللون الاسرائيليون من الاضواء التي وضعوها على «الحادث الجوي»، فالرئيس السوري بشار الاسد بات اليوم اكثر ثقة بعد ان صمد في الحرب، وفق ما يقولون، وانه سيُظهر شجاعة، وكلما عزز السيطرة على غالبية الوضع الداخلي في سوريا، فانه سيرد على الضربات الجوية الاسرائيلية، ولن يقف مكتوف اليدين، فالسوريون سيغيرون قواعد اللعبة، وسيعملون على تقييد سلاح الجو الاسرائيلي حيال سوريا و«حزب الله»، ويسأل هؤلاء… هل تتحمل اسرائيل ضربة معنوية تحققها صواريخ سوريا باتجاه طائرة اسرائيلية تسقط في الاراضي السورية ام اللبنانية؟ وماذا يمكن ان يكون حجم الرد الاسرائيلي؟، الدخول في مغامرة الحرب عبر جبهتين شماليتين، تساؤلات طُرحت داخل المجتمع الصهيوني، وسط اتهامات وجهت الى حكومة العدو، بعدم قراءة المشهد الاقليمي الجديد، بعد كل المتغيرات التي حصلت على كافة جبهات ما سُمي بـ «الربيع العربي»، وبخاصة في سوريا، لقد نجح السوريون في طرح ورقة مُربِكة امام الاسرائيليين، لم تكن مألوفة لديهم من قبل، لكن خطورة الرسالة السورية جاءت بعد سقوط كل الرهانات الاسرائيلية والاقليمية والدولية في سوريا والمنطقة، فيما يذهب القائد السابق للمنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي عميران ليفين الى ابعد من ذلك، حين يحذر جنرالات الحرب الاسرائيليين بقراءة الواقع الاقليمي الجديد، فالقيام بخطوات غير مبنية على قراءة سليمة قد تخرج عن السيطرة، فيؤدي حادث صغير ..الى مواجهة كبيرة.

لا حدود للاجواء… في الجبهة الواحدة

ولعل اخطر ما قاله الاسرائيليون، جاء على لسان المتحدث السابق باسم جيش الإحتلال وفيه… ان مهاجمة الطائرات الاسرائيلية لبطارية صواريخ أرض- جو، رداً على إطلاق صاروخ على احدى الطائرات، كان إستثنائياً من نوعه، وهو يهدف إلى «توضيح حاجتنا» لحرية الطيران، وبث رسالة واضحة لوزير الدفاع الروسي الذي تزامنت زيارته الى فلسطين المحتلة مع «الحادث الجوي»، ويدعو للحفاظ على المصالح الامنية لاسرائيل، لكنه يضيف… «يجب القيام بذلك بشكل عاقل، وبحذر وبشكل خاص باعتدال، ومن غير المسموح أن تتحول سوريا إلى «ساحة لعب» لسلاح الجو الاسرائيلي… لأن هذا يمكن أن يكلفنا غالياً».

اذا كان الاسرائيليون يضعون اولوياتهم في الوجه الاسرائيلي… للحرب على سوريا، بمنع اي تمركز عسكري ايراني داخل سوريا او لـ «حزب الله» في منطقة المحررة من الجولان السوري، ومنع امداده باسلحة صاروخية واستراتيجية عبر نقلها من سوريا الى لبنان، والحفاظ على حرية الحركة لسلاح الجو الاسرائيلي لغايات عسكرية وجمع المعلومات، تقول الاوساط المتابعة… كل ذلك يريدونه من دون الاصطدام مع الوحدات العسكرية الروسية… بالمقابل هناك معسكر خرج للتو من سلسلة انتصارات وانجازات، تمتد على مستوى المنطقة… لم تعد المعادلات وقواعد الاشتباك القائمة منذ اندلاع الحرب على سوريا، تتلاءم مع انجازاته ووزنه على الساحة الاقليمية، وما يعزز هذه الحقيقة، ما يدور في الاروقة الاقليمية عن ان الرئيس السوري بشار الاسد… وفور بلوغه الانتصار الكامل على التنظيمات الارهابية، فانه لن يتردد في الانتقال الى معركة فتح الحساب مع الاسرائيليين… وهذا لن يكون الا عبر جبهتين تجمع الجولان السوري المحتل والجنوب اللبناني، ويكون فيها «حزب الله» محاربا اساسيا… طالما ان حسابه مع الاسرائيليين ما زال مفتوحا


كتبه: صحيفة الديار